م

05/02/2026



/ الفَائِدَةُ : (41) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. /نِظَامُ الْجَزَاءِ الْإِلَهِيِّ وَتَمَايُزُهُ بِتَمَايُزِ الْعَوَالِمِ/ إِنَّ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ): «إِنَّمَا يُدَاقُّ اللَّهُ الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا»(1)؛ يُمَثِّلُ بُرْهَانًا وَحْيَانِيًّا قَاطِعًا عَلَىٰ أَنَّ مِعْيَارَ الْمُحَاسَبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ مَنُوطٌ بِحُدُودِ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ الَّتِي حَازَهَا الْعَبْدُ فِي نَشْأَةِ الدُّنْيَا، لَا بِمَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنْ تَكَامُلٍ عَقْلِيٍّ فِي مَحَاضِرِ الْقِيَامَةِ وَمَقَامَاتِ الْآخِرَةِ . بَلْ إِنَّ الْحِسَابَ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ مَرْهُوناً بِقَدْرِ عَقْلِهِ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ؛ فَإِنَّ ثَمَّةَ آثَاراً وَضْعِيَّةً يَتَكَوَّىٰ وَيَتَضَوَّىٰ بِهَا الْإِنْسَانُ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا، بَلْ وَفِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ؛ سَوَاءٌ اسْتَوْفَىٰ حَظَّهُ مِنَ النُّضْجِ الْعَقْلِيِّ أَمْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ؛ إِذْ قَدْ تَكُونُ هُنَاكَ مُحَاسَبَاتٌ مُؤَجَّلَةٌ أَوْ مُعَجَّلَةٌ جَارِيَةً وَفْقَ نِظَامٍ مَلَكُوتِيٍّ تَمْتَدُّ رَوَابِطُهُ إِلَىٰ عَوَالِمَ سَابِقَةٍ أَوْ لَاحِقَةٍ /التَّبَايُنُ الْجَوْهَرِيُّ فِي النُّظُمِ الْجَزَائِيَّةِ بَيْنَ الْعَوَالِمِ/ /اخْتِلَافُ مَنَاحِي الْمُحَاسَبَةِ وَالْجَزَاءِ بَيْنَ النَّشْأَاتِ الْوُجُودِيَّةِ/ بَلْ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْأُخْرَىٰ : أَنَّ الْآثَارَ الْوَضْعِيَّةَ وَالْحَوْبَاتِ الَّتِي تُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْحَرَامِ ـ مَثَلاً ـ تُؤَثِّرُ تِلْقَائِيّاً عَلَىٰ نَسْلِهِ وَعَلَىٰ عَقْلِهِ وَسَائِرِ طَبَقَاتِ ذَاتِهِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ عَلَىٰ يَقَظَةٍ وَفِطْنَةٍ وَوِقَايَةٍ وَاحْتِيَاطٍ كَبِيرٍ مِنْ هَٰذِهِ الْآثَارِ؛ فَإِنَّهَا ـ وَكَمَا تَقَدَّمَ ـ لَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِ عَقْلِهِ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ الْأَرْضِيَّةِ. / الْآثَارُ التَّكْوِينِيَّةُ وَالتَّدَاخُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ / بَلْ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةِ الْأُخْرَىٰ : أَنَّ لِلذُّنُوبِ حَوْبَاتٍ وَآثَاراً وَضْعِيَّةً تَعْقِبُ ذَاتَ الْعَاصِي ، بَلْ وَتَتَعَدَّاهُ ؛ فَأَكْلُ الْمَالِ الْحَرَامِ ـ مَثَلاً ـ يَتْرُكُ بَصْمَةً تَكْوِينِيَّةً تِلْقَائِيَّةً تَسْرِي فِي نَسْلِ الْإِنْسَانِ وَعَقْلِهِ وَطَبَقَاتِ حَقِيقَتِهِ ؛ فَالْمَرْءُ وَإِنْ كَانَ طَائِعاً ولَا غُبَارَ عَلَىٰ أَعْمَالِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ بِسَبَبِ فِسْقِ وَفُجُورِ أَهْلِ الْمَعَاصِي تُصِيبُهُ وَتَشْمَلُهُ بَعْضُ الْحَوْبَاتِ وَالْآثَارِ الْوَضْعِيَّةِ مَا دَامَ يَقْبَعُ فِي قَوْقَعَتِهِمْ. إِذَنْ: الِاسْتِغْرَاقُ فِي بِيئَةِ الْمَعْصِيَةِ يُنْتِجُ أَثَراً وَضْعِيّاً يَشْمَلُ الْعَاصِيَ وَغَيْرَهُ مَا دَامَ الْجَمِيعُ فِي "قَوْقَعَةِ" وَمَنَاخِ الِانْحِرَافِ؛ وَلَعَلَّ هَٰذَا مَا يُفَسِّرُ بَيَانَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لِلْفَتَى الْمُرْتَكِبِ لِلْعَظَائِمِ: «إِلَيْكَ عَنِّي لَا تُحْرِقْنِي بِنَارِكَ»(2). وَهَٰذَا يَفْتَحُ أُفُقاً لِفَهْمِ مَضْمُونِ بيان قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾(3)؛ فَمَتَىٰ مَا تَحَوَّلَتِ الرَّذِيلَةُ إِلَىٰ ظَاهِرَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، صَارَ الْمُجْتَمَعُ بِمَثَابَةِ "مُسْتَنْقَعٍ" يوجِبُ عَلَىٰ الْجَمِيعِ تَعْقِيمَهُ وَتَطْهِيرَهُ، وَإِلَّا عَمَّ الْبَلَاءُ الْكُلَّ بِصِفَتِهِمْ جُزْءاً مِنْ هَٰذَا الْكِيَانِ الْعُضْوِيِّ. وَمِنْ ثَمَّ، وَجَبَ عَلَىٰ الْمُؤْمِنِ تَوَخِّي الْيَقَظَةِ التَّامَّةِ وَالِاحْتِيَاطِ الشَّدِيدِ؛ لِأَنَّ هَٰذَا النَّمَطَ مِنَ الْآثَارِ ـ وَكَمَا تَقَدَّمَ ـ لَا يُقَاسُ بِمِقْدَارِ عَقْلِهِ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ الْأَرْضِيَّةِ، بَلْ بِمَوَازِينِ وَقَوَانِينِ عَالَمِ التَّكْوِينِ. /تَرْتِيبُ نُظُمِ الْجَزَاءِ بَيْنَ الْإِحْبَاطِ وَالْمُجَازَاةِ/ ثُمَّ إِنَّهُ ثَمَّةَ فَارِقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ نِظَامِ الْمُجَازَاةِ ـ ثَوَاباً وَعِقَاباً ـ فِي عَوَالِمِ : (الدُّنْيَا الْأُولَىٰ)، وَ(الْبَرْزَخِ)، وَ(الرَّجْعَةِ ـ آخِرَةِ الدُّنْيَا ـ)، وَ(الْقِيَامَةِ)، وَبَيْنَ نِظَامِ الْمُجَازَاةِ فِي عَالَمِ (الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ)؛ أَيْ: الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْخَالِدَتَيْنِ. فَإِنَّ الْأَصْلَ الْمُحْكَمَ فِي جَزَاءِ هَٰذِهِ الْعَوَالِمِ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَىٰ هُوَ الْبَيَانُ الْوَحْيَانِيُّ وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ الواردة فِي بيان قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾(6)؛ وَمِنْ هُنَا وَرَدَ فِي الْمَأْثُورِ: أَنَّ إِبْلِيسَ مُكِّنَ مِنْ هَٰذِهِ الْقُدْرَةِ الْخَطِيرَةِ حَتَّىٰ صَارَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَىٰ الدَّمِ فِي الْعُرُوقِ، وَحِيزَتْ لَهُ تِرْسَانَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الْأَعْوَانِ وَالشَّيَاطِينِ وَالْعَفَارِيتِ؛ وَذَٰلِكَ جَزَاءً لِسَجْدَةٍ سَجَدَهَا لِلَّهِ وَإِنْ كَانَ بَاطِنُهَا خَوَاءً وَرِيَاءً، لَكِنَّ الْبَارِيَ (سُبْحَانَهُ) بِكَرَمِهِ شَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَجَابَ دَعْوَتَهُ لِظَاهِرِ قِشْرِهَا السَّلِيمِ. وَهَٰكَذَا حَالُ الْكَافِرِ؛ فَقَدْ تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُ بِلِحَاظِ عَالَمِ الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ، بَلْ وَالْقِيَامَةِ أَيْضاً. بِخِلَافِ عَالَمِ (الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ)؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْمُحْكَمَ فِي جَزَائِهِ يَنْظُرُ إِلَىٰ كُنْهِ الْعَمَلِ وَنَوْعِهِ (مِنْ حَيْثُ الْقَبُولِ وَالْإِحْبَاطِ)، لَا إِلَىٰ مُجَرَّدِ صُورَتِهِ. وَمِنْهُ تَتَّضِحُ كَثِيرٌ مِنْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ، مِنْهَا: بَيَانُ قَوْلِهِمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ): «إِنَّ حُبَّ عَلِيٍّ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ»(7)؛ فَإِنَّهُ نَاظِرٌ إِلَى الْغَايَةِ النِّهَائِيَّةِ وَالْوُصُولِ إِلَى عَالَمِ الْخُلُودِ؛ أَيْ: عَالَمِ (الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ). وَعَلَىٰ هَٰذَا قِسْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْحَاصِرَةَ لِقَبُولِ الْأَعْمَالِ بِـ: (الْوَلَايَةِ) وَ(الْإِخْلَاصِ)؛ فَإِنَّهَا نَاظِرَةٌ إِلَى عَالَمِ الْخُلُودِ، وَلَيْسَتْ لِلْعَوَالِمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَوِ الْمُتَوَاتِرَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ: (أَنَّ صَحَابَةَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يُعْرَضُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى الْحَوْضِ، فَيُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَيُؤْخَذُونَ عَنْهُ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا إِلَى الْحَوْضِ، فَيَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيُقَالُ لَهُ: لَا تَعْلَمُ مَاذَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ؛ فَلَا يَبْقَىٰ مِنْهُمْ إِلَّا كَهَمَلِ النَّعَمِ). فَانْظُرْ: 1 ـ بَيَانَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «لَتَجِيئَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أَصْحَابِي مِنْ أَهْلِ الْعِلِّيَّةِ وَالْمَكَانَةِ مِنِّي لِيَمُرُّوا عَلَى الصِّرَاطِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرَأَوْنِي، عَرَفْتُهُمْ وَعَرَفُونِي، اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ حَيْثُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ: بُعْداً وَسُحْقاً»(7). 2 ـ بَيَانَهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): «إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَلَيُقْطَعَنَّ بِرِجَالٍ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ إِنَّهُمْ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَىٰ أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَىٰ»(8). وَقَدْ عَلَّلَتْ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ذَٰلِكَ، وَبَيَّنَتْ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لِبُلُوغِ مَشَارِفِ الْحَوْضِ كَانَ: (لِسَوَابِقَ كَانَتْ لَهُمْ مَعَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -). وَمُؤَدَّىٰ هَٰذَا: أَنَّ نَفْسَ الْوُصُولِ إِلَىٰ أَعْتَابِ الْحَوْضِ مَطْلَبٌ جَسِيمٌ وَأَمْرٌ لَيْسَ بِالْيَسِيرِ؛ فَكَمْ مِنْ عَقَبَاتٍ كَؤُودٍ فِي الْعَوَالِمِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَدْ يَتَجَاوَزُهَا الْمَخْلُوقُ وَتُطْوَىٰ لَدَيْهِ لِيَظُنَّ أَنَّهُ فِي أَمَانٍ وَسَلَامٍ، لَكِنَّهُ يُخْتَطَفُ بَعْدَ ذَٰلِكَ كُلِّهِ، وَيُلْقَىٰ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. وَإِلَىٰ هَٰذَا الْمَعْنَىٰ الدَّقِيقِ تُشِيرُ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ المعرفية الْأُخْرَىٰ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾(9). / اغْتِرَارُ وَافْتِتَانُ أَصْحَابِ تَحْضِيرِ الْأَرْوَاحِ / وَمِنْهُ يَتَّضِحُ: أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي تَحْضِيرِ الْأَرْوَاحِ رُبَّمَا يَغْتَرُّونَ وَيُفْتَنُونَ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ مَشَاهِدَ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ، مِنْ تَنَعُّمِ بَعْضِ أَهْلِ النِّحَلِ وَالْمِلَلِ وَالْمَذَاهِبِ الْمُنْحَرِفَةِ؛ وَذَٰلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَضْعَفَ مِنْهُمْ قَدْ يَتَنَعَّمُ لِصَالِحِ أَعْمَالِهِ، بَلْ حَتَّىٰ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُزَجُّ بِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَادَ عَلَيْهِمُ الِامْتِحَانُ. إِذَنْ: يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُحَصِّنَ نَفْسَهُ فِي هَٰذِهِ النَّشْأَةِ بِالْمَعَارِفِ وَالْعَقَائِدِ الْإِلٰهِيَّةِ الْحَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَىٰ تَنَعُّمَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِ الصَّالِحِينَ فِي عَوَالِمِ: (الدُّنْيَا الْأُولَىٰ)، أَوْ (الْبَرْزَخِ)، أَوْ (الرَّجْعَةِ)، أَوْ (الْقِيَامَةِ) فَيُفْتَتَنُ فِي عَقِيدَتِهِ؛ إِذْ إِنَّ قَلْبَ الْمَخْلُوقِ فِي حَالَةِ امْتِحَانٍ وَتَمْحِيصٍ دَائِمَيْنِ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَنَّةَ. فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يُسِيءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ (سُبْحَانَهُ)، وَأَنْ يَسْتَمْسِكَ بِحُسْنِ الظَّنِّ وَيَقِينِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَبِرِجَالَاتِ الْوَحْيِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)؛ فَإِنَّ أَفْعَالَهُ (عَظُمَتْ آلَاؤُهُ) وَأَفْعَالَهُمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) لَا يُدْرِكُ حِكْمَتَهَا وَغَايَاتِهَا مَخْلُوقٌ قَطُّ، أَوَلَيْسَ الْمَلَائِكَةُ قَدْ أَخْفَقُوا فِي إِدْرَاكِ كُنْهِ حِكْمَتِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) وَمَعْرِفَةِ مَقَامِهِمْ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)؟! فَانْظُرْ: بَيَانَاتِ الْوَحْيِ، وَمِنْهَا: بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(10). أَوَلَيْسَ قَدْ وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ فِي قُرْآنِهِ الْحَكِيمِ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً﴾(11)؟! فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي ازْدِيَادِ فِتْنَةِ الْمُؤْمِنِ وَامْتِحَانِهِ فَائِدَةٌ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، لَكِنَّهُ قَدْ لَا يَتَحَمَّلُ؛ وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ): «أَنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ الْكَافِرُ عَلَىٰ فُرُشٍ حَرِيرِيَّةٍ مَخْمَلِيَّةٍ وَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ، بَيْنَمَا الْمُؤْمِنُ يُكَابِدُ غُصَصَ نَزْعِ رُوحِهِ»(12)؛ وَكَذَا وَرَدَ: أَنَّ بَعْضَ الْمَوْتَىٰ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ قَدْ يُفْتَنُونَ بِالدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ(13). وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الْأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أصول الكافي ، 1 / كتاب العقل والجهل / 11/ ح7 . (2) (3) الأنفال : 25. (4) (5) (6) الزلزلة : 7 ، 8 . (7) بحار الانوار ، 28 : 282 . (8) بحار الانوار ، 28 : 22 . (9) آل عمران : 185. (10) البقرة : 30. (11) الزخرف : 33 ، 34 ، 35 . (11) (12) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (42) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. الفائدة : ( 24 / 137 ) صفات القائد الإِلهي إِنَّ هناك شجاعة وأَمانة وزهد وتروي وتدبير وحلم القيادة والخلافة الإِلهيَّة ، وهي التي ينعكس فيها ويفاض عليها علم الله اللَّدُنِّي وكرامات وكمالات السَّاحة الإلهيَّة ، وهذه ليست بصفات نفسانيَّة ؛ لأَنَّ النَّفس ترتبك وتثار وتُستفزُّ أَحياناً ؛ لقصور ومحدوديَّة مدياتها ودائرتها وآفاقها ، بل منطلقها العقل والعلم والتَّعقُّل ، وحينئذٍ يختلف سنخها ؛ فإِنَّ العقل يرتبك ويثار ويستفز ، ومن ثَمَّ تسجيل القرآن الكريم فرار الصحابة في معركة أُحد وخيبر وحنين بيان على أَنَّ هذا الفعل ليس بجبن نفسي فحسب ، بل جبن في تحمل المسؤوليَّة والقيادة الإِلهيَّة ، وخلافة الله ورسوله تحتاج إلى مستوى من العلم والدراية والثبات القلبي والعقلي ، فقوله تعالى : [أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ) بيان على أَنَّ العلم اللدنِّي هو الَّذي يوجب الإِطمئنان فـ (ذكر الله) معناه : علم الله. بيانه : هناك مبحث ينبغي الإلتفات إليه ، وهو مُهمٌّ جِدّاً ، بل من أَخطر مباحث النَّفس والرُّوح وعلم الأَخلاق ومباحث السياسة والقانون ، وهو من المباحث الجديدة والَّذي لم يُثار في علم الفلسفة و الكلام والأخلاق والعرفان ، بل ولا في الكتب المطبوعة وإِنَّما حصل من بركات مجاورة أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وهو بمثابة قراءة برهانيَّة عميقة في الإِمامة الإِلهيَّة ، وفي فضائل أَمير المؤمنين وبقيَّة المعصومين أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، حاصله : أَنَّ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « إِذا بلغكم عن رجل حسن حاله فانظروا في حسن عقله ، فإِنَّما يجازى بعقله » () . يستفاد منه قاعدة عقليَّة تكوينيَّة مُهمَّة ، وهي : « أنَّ الفضائل تزداد سنخاً في الفضيلة إِذا كان منطلقها عقلي » () ، فمعنى إِمامة العقل للفضائل ليس معناه : أَنَّ العقل نقطة مركزيَّة في الفضائل فحسب ، بل الأَمر أَعظم وأَخطر من ذلك ، فإِنَّ شأن الفضائل وخطورتها بالعقل تتعالى وتتصاعد وتشتد ، فكُلَّما ازداد عقل الشخص ازداد ثوابه على عقله ، بل وعلى بقيَّة الفضائل والصفات والأَعمال الحسنة ، فعفة الأَكثر عقلاً ـ مثلاً ـ أَشدُّ حسناً ونبلاً وفضيلة وكما من عفة الأَقل عقلاً ؛ فإِنَّ الفضيلة لا تشتد كمالاً وحسناً بنفسها وإِنَّما بسبب العقل ، وهكذا حال الشجاعة والأَمانة والزهد والحلم والتَّروي والتَّدبير وغيرها من الفضائل ، فسنخ الشجاعة التي تنطلق من منطلق عقلي إلهي غير التي تنطلق من منطلق بدني أَو نفسي ، فشجاعة عنترة والتي هي بدنيَّة أَو نفسيَّة تختلف من حيث الكنه والحقيقة عن الشجاعة العقليَّة الإلهيَّة الَّتي عند أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ فإِنَّها ليست شجاعة فروسيَّة وعضلات ، بل شجاعة مُدبِّر وخليفة إِلهي ، وهي شجاعة عظيمة تختلف قدراتها ومنطلقها من حيث المدى والحدود ، وهكذا زهده صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فهو ليس بزهد نفسي ، بل منطلق من كون موقعيَّته خليفة الله والَّذي تتجلى فيه الكرامات الإلهيَّة والجانب العقلي ، وثباته صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في المعارك كمعركة بدر وأُحد وحنين وخيبر ليس بثبات فروسيَّة ومن منطلق وقدرات نفسيَّة فحسب ، بل ثبات أَمانة وكقائد إلهي يتحمَّل مسؤوليَّة وشجاعة القائد الإِلهي المُدبِّر ، فما حدث في خيبر ومعالجة الموقف من قبله صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بمعالجة وتنظيم وتدبير علمي لدُنيِّ هائل هي شجاعة قد انطلقت من علم ووعي بحذاقة تدبير الموقف ، وببرمجة علميَّة تفوق مستوى تطوُّر حضارة البشر ؛ فبحسب الوسائل والإِمكانيات المتوفرة آنذاك لا يمكن للأَستار والأَسيجة التي فرضها اليهود حول قلعة خيبر الكبيرة بقلاعها السبع أَن تفتح ، ومن ثَمَّ رجع الأَوَّل يجبن النَّاس ويجبنونه ، والأَمر نفسه قد حصل مع الثَّاني ولعمرو بن العاص ، بل لن يستطيع أَحد من الصحابة لو جُعل في ذلك المنصب أَن يُعالج الموقف ؛ لاحتياجه إِلى شجاعة ممتزجة بالعلم اللَّدُنِّي وعلم التَّدبير وعلم القيادة والخلافة الإِلهيَّة ، ولم يكن متوفراً عند غير عليّ بن أبي طالب صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وفي معركة أُحد وإِن كان التأريخ المزور اقتطع نهاية المعركة إلَّا أَنَّ الثابت في بيانات أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ منها ما جـاء في زيارة الغديـر للإِمـام الهادي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... ويوم أُحُد إِذ يُصْعِدُون ولا يَلْوُون على أَحَدٍ والرَّسول يدعوهم في أُخراهُم وأَنتَ تَذُودُ بُهَمَ المُشركين عن النبي ذات اليمين وذات الشِّمال حتَّى رَدَّهُمُ اللهُ تعالى عنكُما خائفين... » وروايـة في روضـة الكـافي أَنَّـه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ كيف دبَّر وتدارك الموقف ، لكنَّه لا ببسالته فحسب ، بل بشجاعة إلهيَّة امتزج فيها العلم والعقل. ومن الإسفاف والإِجحاف أَن نُقرأَ مثل هكذا مواقف لوصي الله وخليفته في أَرضه قراءة بدنيَّة أَو نفسانيَّة ؛ فإِنَّها قراءة هابطة جِدّاً. وهكذا حاله صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ في معركة حنين. ويذكر في كتب التأريخ ككتاب الطبري والكامل لابن الأثير والفتوح لابن أعثم بشكل قصَّصات مبعثرة : أَنَّ المسلمين عندما أرادوا فتح بلاد فارس احتشدت ملوك فارس والترك والهند على ضربة قاتلة وموجعة للمسلمين تصل إلى المدينة المنورة ، تقوَّض من خلالها دولة الإِسلام ، وقد أَعيت التَّدابير الخليفة الثَّاني وبقيَّة الصحابة في كيفية تدارك الموقف الأَمني والعسكري والإِقتصادي والاعلامي ، حتى نقل ابن أعثم : أَنَّ الصحابة كانوا يسمعون أطيط اصطكاك أسنان الخليفة ، ودولة الحرب كما هو مذكور في علم السياسة من أَصعب الدُّول إِدارة ؛ لأَنَّها تحتاج إلى أنشطة وخدمات ووظائف داخليَّة وخارجيَّة ، بحيث تكون لها زعانف وعضلات ، لكن تدبير عليّ بن أبي طالب صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ من خلال خطة رسمها للخليفة الثَّاني أَنقذ الموقف ، فجعل في كلِّ بندٍ منها خطة منظوميَّة ومكوكيَّة فيها علاج أَمني وعسكري واقتصادي ومالي وإعلامي وتدابير لوجستيَّة ، ولولا هذا التدبير لَـمَـا انتصر المسلمون ، بل لَـمَـا بقي للإِسلام رسم. هذه هي شجاعة وعلم تدبير القائد الإِلهي ، وهي شجاعة أُخرى ، فيعي كيفيَّة تدبير الأُمور ، فلا تفزعه النوائب ، ولا تلتبس عليه البيئات والظروف وتعقيدها وتداخلها من جهات عديدة ، فيلتفت كيف ينظم الأُمور بتدبير فاعل ومطمئن يصل من خلاله إلى النتيجة. هكذا ينبغي أَن تُقرأ شجاعة علي بن أبي طالب صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وهكذا أَمانته وزهده وحلمه وبقيَّة صفاته ، فمثلاً : ما حصل في حادثة السقيفة فإِنَّ كُلَّ الصحابة انبروا إلى سقيفة بني ساعدة ، وتركوا جثمان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، وحصل كالبركان في ذلك اليوم من قبل المهاجرين والأَنصار وطلقاء وأعراب ومنافقين ، واختلط الحابل بالنابل ، لكنَّه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لم يُهزُّ ويُستفز ويتحرَّك أَيُّ طمع ورغبة لديه ، وبقى متشاغلاً بتغسيل جثمان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، فلم يسيطر عليه طمع ورغبة وحرص على الملك ، مع إِنَّه يعلم بإِنَّ الأُمور لن تُغادر تدبيره الإلهي ، : « إِنَّما يعجل من يخاف الفوت » () وهذا ما يُعبَّر عنه بأمانة وزهد وحلم القيادة والخلافة الإِلهيَّة. محمد واله الاطهار . ، «إِنَّما يعجل من يخاف الفوت» ( ) . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( ) الرعد : 28. ( ) أُصول الكافي ، 1/ كتاب العقل والجهل/12 / ح9 . ( ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (43) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. /السِنة والنَّوم لا يطرا على العقل والرُّوح/ ينبغي الإِلتفات : أَنَّ الَّذي تطرأ عليه السِنة والنَّوم هو البدن والنَّفس ، أَمَّا العقل والرُّوح فلا ، نعم قد تحصل لهما غفلة ، فإِنَّ العقل والرُّوح قد يحصل لهما إِقبال ، وقد يحصل لهما إِدبار ، وإِقبالهما : كناية عن إِدراكهما للحقائق العالية في الساحة الرُّبوبيَّة ، وإِدبارهما : كناية عن انكبابهما على سفاسف المعلومات والحقائق النَّازلة ، فتحصل سِنة وسبات من ضحالة تلك المعلومات ، بل ومن علوها. وهذا المطلب إِضافة لثبوته في بيانات الوحي هو ثابت أَيضاً في الأَبحاث العلميَّة والرُّوحيَّة الحديثة ؛ وإِنَّ عقل الإِنسان وروحه في درجاتهما العالية تظل على ارتباط واتِّصال في حالة النَّوم فضلاً عن السِنة بالعوالم العلويَّة والقدسيَّة ، فيترشف ويتزود منها ، كالحاسوب الكمبيوتري المُفعَّل ، فتُستلهم وتُستنزل برامج خاصَّة بكلِّ إِنسان ، وإِن كان بعد استيقاظه لا يستذكر تلك الأَحوال والشؤون والشجون التي مرَّت وجرت على عقله وروحه ، لكنَّه بحث آخر. وهكذا المعاد ، فإِنَّ بعض مراحله تختصُّ بالبدن وتنتهي بنهايته ، وبعضها الآخر وهو ما يختصُّ بالرُّوح والعقل لا ينتهي إِلى حدٍّ أبداً. نظير ذلك : معراج سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فما حصل بلحاظ بدنه الشريف فقد انتهى عند سدرة المُنتهى ، وما حصل بلحاظ روحه وعقله فقد استمر إلى ما بعد سدرة المنتهى ولم يصلا إِلى حدٍّ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (44) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / خُطْبَةُ / الفائدة : ( 26 / 139 ) النوم يطرأ على بدن العاقل دون عقله إِنَّ ما ورد عن سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « ما قسَّم الله للعباد شيئاً أَفضل من العقل ، فنوم العاقل أَفضل من سهر الجاهل...» ( )بيان على أَنَّ نوم العاقل يطرأ على بدنه دون عقله ، فيستلهم معلومات وأُمور من العقل الكلِّي وما وراء المادة ، بخلاف الجاهل فعقله حالة النَّوم مُعطَّل ولا يلتقط أَو يستقبل ما يُبث إليه. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( ) أُصول الكافي ، 1/كتاب العقل والجهل/ 12/ ح11. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (45 ) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. محدوديَّة إِدراكات العقل إِنَّ طبيعة إِدراكات قدرة العقل البشري في النشأَة الأَرضيَّة محدودة ، ولا تقدر وتقوى على إِدراك جبال وبحار الحقائق الجبَّارة ، ومن ثَمَّ يروض الكائن البشري شيئاً فشيئاً على تعاليم إِعتباريَّة فرضيَّة ؛ يأنس من خلالها فهم تلك الحقائق ، فمثلاً : جُعلت له الملكيَّة وهي أَمر إِعتباري ؛ كيما يفهم من خلالها قوله تعالى : [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ]( )، وجعل لـه تَكلُّم وهو أَمر إِعتباري أَيضاً ؛ كي يفهم من خلاله تَكلُّم الباري تعالى ، وجعل له نطق إِعتباري ؛ لكي يفهم نطق الباري سبحانه. ومن ثَمَّ يقال : إِنَّ النشأة الأَرضيَّة هي في الحقيقة روضة تمهيديَّة لتُفتَّق وتُفتَّح فيها إِدراكات الإِنسان بأمثلة ، كلعب الأَطفال ؛ لكي يدرك بها ما وراءها من حقائق. وهذا من فوائد وشموخ وعظمة قاعدة : (خذوا الغايات واتركوا المبادئ) فإِنَّ المبادئ تُعطى في البدايات حتى يُعقل ما وراؤها ، وعلى الإِنسان أَن يُدرك ذلك. وهذه القاعدة وإِن كانت لغويَّة لكن تطبيقاتها على المصاديق اللُّغويَّة تطبيقات تمهيديَّة وإِعداديَّة ؛ لفهم ودرك حقائق وجبال وبحور من الحقائق الجبَّارة ( ). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( ) الفاتحة : 4. ( ) ومن أراد الاطلاع على هذه القاعدة الاستزادة والتَّفصيل أَكثر فليلاحظ الفائدة : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (45 ) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / البعد العقلي ولغته هو العمود الاصلي في قراءة بيانات الوحي / فتلخَّصَ مِنْ كُلِّ ما ذكرناه: إِنَّ البُعد والعمود الأَصل في بيانات الوحي المعرفيَّة ـ لا سيما العقائديَّة ـ هو البُعد: (العقلي)، و(الفطري)، و(التَّكوينيّ)، ولغتها: (عقليَّة)، و(فطريَّة)، و(تكوينيَّة). وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (46) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. /العقل جهة ولغة مشتركة/ إِنَّ العقل اللَّطيف جهة مشتركة بين كثير من المخلوقات على اختلاف قوَّة وضعف درجة العقل فيها ، فإِذا أَراد الإِنسان أَن يتفاهم مع الملائكة أَو الجن أَو بعض الحيوانات فبإمكانه من خلال هذه الجهة المشتركة ذلك ؛ فإِنَّ اللُّغة بمعنى ما يُتفاهم به غير منحصرة باللِّسان ، بل لها معانٍ أُخرى ، منها : المعنى والشعور المشترك ، وهو على لغات وإدراكات شعوريَّة وإحساسات مشتركة عديدة جِدّاً بين المخلوقات. إِذنْ : العقل أَمر مُوحِّد بين جميع البشر ، بل ومع الملائكة والجن والحيوانات وسائر المخلوقات التي لها شيء من العقل ؛ فإِنَّه لغة وقاسم مشترك بين جميع هذه المخلوقات ، بل لغة مشتركة بين الخالق وجميع المخلوقات ، وما أعظمه من شأن. وبالجملة : ما وراء اللِّسان واللُّغة الإِعتباريَّة شيء يتمُّ التفاهم عليه وبه وهو العقل. ومنه يُعلم : أَنَّ نظام الحُجِّيَّة غير قائم في الفكر والعقيدة والعلوم الدِّينيَّة على إِقصاء العقل العملي ، بل له المحوريَّة والمركزيَّة ، لكنَّها ليست بمعنى الحاكميَّة ، بل بمعنى : أَوَّل تلميذ ومتفهم ومخاطب ومتلقي من الوحي. وتوجُّه الخطاب إلى شيء به نوع تقدير وتكريم ورفعة شأن. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (47) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. /حقيقة النطق والتَّكلم ومراتبهما/ فُسِّر النطق ـ حينما يقال : (الإِنسان حيوان ناطق) ـ في المباحث العقليَّة: بالإِدراك ، لكنَّه في بيانات الوحي فُسِّر بـ : (العقل) و(اللُّب) و(التَّعقُّل) و(التَّفكُّر) و(البيان) ، قال تعالى : [الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ]( )، فإِنَّ البيان وإِن كان يراد منه : البيان اللَّفظي ، لكنَّه أَحد الدَّرجات النازلة لذلك ، فإِنَّ البيان يعني : الوضوح والظُّهور ، ومن الواضح : أَنَّ المعاني مُبيِّنة ومظهرة ومعربة عن الحقائق والأَشياء والإِرادات أكثر من الأَصوات والأَلفاظ. بل ، إِنَّ نفس الإِيجاد التَّكويني هو نوع إِبداء وإِظهار ، فإِنَّ الفاعل إِذا أَوجد فعلاً وأظهره فيمكن أَن يقال له : نطق ؛ لأَنَّه إِخراج لما هو مكنون وكامن ومضمر من طاقات وقدرات ونوايا. إِذنْ : نفس عمليَّة إِيجاد الفعل يُعبَّر عنها نطق. ونظيره ما يقال : إِنَّ المعنى والمدلول التَّصوري أَقوى بياناً من الأَلفاظ ، والمعنى والمدلول الاستعمالي أَقوى بياناً من المعنى والمدلول التَّصوري ، والمعنى والمدلول التَّفهيمي أَقوى بياناً منهم ، والمعنى والمدلول الجدي أبيَّن من الجميع في إِبداء وإِظهار الحقائق. وهذا مبحث معرفيٌّ حساس جِدّاً ، وهو محور قائم برأسه ، وباب معرفيٌّ مستقل بنفسه. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( ) الرحمن : 1 ، 2 ، 3 ، 4 . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (48) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / خُطْبَةُ / /التَّفاوت بين طبقات الذَّات/ إِنَّ التَّفاوت الحاصل بين العقل وشؤونه من جهة الكمال والنعيم والعذاب والعقوبة مع بقيَّة مراتب ذات الإِنسان يمكن للباحث أَن يستفيد منه حلَّ وفكَّ كثيراً من التساؤلات والمبهمات في أَبواب المعارف ، فإِنَّ مسؤوليَّة التَّكليف وإِن كانت مُتوجِّهة لجميع طبقات ذات الإِنسان لكنَّها تختلف من طبقة إلى أُخرى ، فمسؤوليَّة العقل ومعاناته وجزاؤه وعقابه وإيلامه تفوق بكثير مسؤوليَّة الرُّوح ومعاناتها وجزاؤها وعقابها ، وهكذا مسؤوليَّة الرُّوح ومعاناتها وجزاؤها وعقابها فإِنها تفوق بكثير مسؤوليَّة النَّفس ومعاناتها وجزاؤها وعقابها ، ومسؤوليَّة النَّفس ومعاناتها وجزاؤها وعقابها تفوق بكثير مسؤوليَّة البدن ومعاناته وجزاؤه وعقابه. فالتَّفاوت إِذنْ في سلسلة طبقات الإِنسان فيما بينها كبير جِدّاً. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ / الفَائِدَةُ : (49) / بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. /عالم الخيال والوهم عالم القوى الشريرة/ إِنَّ الخيال والوهم عبارة عن شيطنة النَّفس ؛ فإِنَّه عالم مملكته القوى الشَّريرة ، والنَّافذة الَّتي يمكن لقوى الشَّرِّ من خلالها الوصول إلى ذات الإنسان ، لكنَّه لو حصلت سيطرة للعقل أُوصدت تلك الأبواب والنوافذ. بيانه : إِنَّ ما ورد عن الإِمام الصادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « قال : ذكرت لأبي عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ : رجلاً مبتلى بالوضوء والصَّلاة ، وقلتُ : هو رجـلٌ عاقـلٌ ، فقال أَبـو عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ : وأَيُّ عقلٍ له وهو يُطيعُ الشَّيطان ؟ فقلت له : وكيف يطيع الشَّيطان؟ فقال عَلَيْهِ السَّلاَمُ : سَلْهُ هذا الَّذي يَأتيه من أَيِّ شيءٍ هو ؟ فإِنَّه يقولُ لك : من عمل الشَّيطان» ( ) بيان على أَنَّ أَحد درجات كمال الفرد الإِنساني أَن تكون له سيطرة على مشاغبة قوَّة الخيال والوهم لديه ، فنفوذ الشَّيطان من أَحد نوافذ القوى النَّازلة دليل على عدم هيمنة وسيطرة العقل لديه على مملكة نفسه ، وضعف قواه النَّفسيَّة ، ومن ثَمَّ أَحد معاني العقل : إِمساك زمام الأُمور في ميدان النَّفس ، فيمسُّك بالقوى النَّازلة عن السيطرة على إِرادة الإِنسان. ومنه يتَّضح : أَنَّ أَحد وجوه إِستعلام عصمة المعصوم : أَنَّه يُرى في جميع زوايا وثنايا سيرته وأَعماله وأَفعاله جانب الكمال ، والسيطرة والقدرة النُّوريَّة القدسيَّة على أَعمال نفسه علماً وعملاً ، ومن ثَمَّ ورد : أَنَّ صحابيين من كُبَّار صحابة الإِمام الصادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ رأيا سَبُعَاً في طريق الإِمام الصادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فأرادا أَن يمتحنا معرفتهم به صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فلبثا وربضا في جانب الطريق ليريا ماذا يحصل ، فرأيا أَنَّ ذلك السَبُع أصبح كالحيوان الأليف يلوذ بالإمام صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حينما مرَّ عليه وهو على دابته فتعجبا ممَّا شاهداه واندهشا ، وبعد ذلك أَتيا الإِمام صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وذكرا له ما شاهداه ، فأجابهما عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إِنَّ أَوَّل درجات من يكون شيعيّاً لنا أن تخافه السباع أَو يامن منها( ) ، فإِذا أَراد الإنسان أَن يمتحن نفسه ، وإِنَّه شيعي لأَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : فليعرض نفسه على تلك الكواسر. وهذه قدرة نفسيَّة يكون من خلالها الإِنسان وببركة عقله مسيطراً على خيال وواهمة( ) نفسه ، فإِنَّ قوَّة الخيال والوهم عبارة عن شيطنة النَّفس ؛ لأَنَّهما العالم الَّذي يتمُّ من خلاله دخول وسيطرة القوى الشريرة كالجن والشَّياطين والعفاريت والسِّحر والعين والطُّلسمات والعزائم والشعبذة وهلم جرا على الإِنسان ، ومن ثَمَّ ورد قوله تعالى : [فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى]( ). إِذنْ : الخيال عالم مملكة هذه القوى الشريرة ، وهو النافذة الَّتي تنفذ منه إلى ذات الإِنسان وكيانه ، فإِذا استطاع الإِنسان من خلال عقله أَن يسيطر على قوَّة الخيال والوهم لديه استطاع أَن يُوصد الأَبواب والنوافذ أَمام العدو الخارجي ، ولن تخترق مملكته ، فإِنَّه وكما يقال : إِن لم يكن في القلعة خائن من الداخل فلن يخترقها العدو ، والخائن الداخلي في الإِنسان هو نفسه وقواها النَّازلة ، فلذا ورد عن سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك»( )، ووصفت بذلك ؛ لأَنَّها هي التي تفتح النوافذ وقلعة الإِنسان ، وتجعلها مشرعة أَمام الأَعداء من الخارج ؛ ليُنفِّذوا مآربهم وجملة من الابتلاءات. ومنه يُعلم : أَنَّ ما ورد عن إبليس في قوله تعالى : [لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ]( )ليس باستثناء شفقة أَو تنزهاً منه ، بل لعجزه ؛ لأَنَّ الإِنسان عندما يتصاعد إلى العالم العقلي فلن يستطيع الجن والشَّياطين أَن يتصاعدوا ويعرجوا إليه ، لخروجه عن دائرتهم ومكنتهم ، وليُلاحِظ الإِنسان ذلك من نفسه ، فإِنَّ الشَّياطين تُلقي الكثير من الوساوس والشُّبهات في النَّفس ، فإِذا أمكن تحكيم الأَجوبة العقليَّة البرهانيَّة فسوف تخسأ وتعود خائبة. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ( ) أُصول الكافي ، 1/كتاب العقل والجهل/ 12/ ح10. ( ) ( ) عالم الوهم قريب الأُفق من عالم الخيال . ( ) طه : 66 . ( ) ( ) الحجر :39 ، 40 .