/ الفَائِدَةُ : (22) /

23/02/2026



بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /تَهَافُتُ الشِّعَارِ الفَلْسَفِيِّ وَمُحَدِّدَاتُ الإِدْرَاكِ البَشَرِيِّ مُفَارَقَةُ النُّكُوصِ الفَلْسَفِيِّ عَنِ المَبَادِئِ التَّأْسِيسِيَّةِ/ /الوَحْيُ تَرْشِيدٌ لِلسَّيْرِ وَالفِكْرِ إِلَى خُطًى غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فِي التَّكَامُلِ/ ثَمَّةَ مَأْخَذٌ مَنْهَجِيٌّ جِذْرِيٌّ يُسَجَّلُ عَلَى الفَلَاسِفَةِ وَمَنْ جَرَى عَلَى شَاكِلَتِهِمْ ؛ إِذْ يَقَعُونَ فِي تَنَاقُضٍ صَارِخٍ مَعَ شِعَارَاتِهِمُ الأُولَى . فَقَدْ وَصَمُوا بَيَانَاتِ الوَحْيِ ، وَمَوَازِينَ التَّعَبُّدِ الشَّرْعِيِّ ، وَالِالتِزَامَ بِالقَوَالِبِ التَّوْقِيفِيَّةِ ، بِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنَ "التَّحْجِيرِ المَعْرِفِيِّ" وَاقْتِسَارٌ لِحُرِّيَّةِ الفِكْرِ ، بَلْ وَصَنَّفُوهَا ضِمْنَ أُطُرِ الإِرْهَابِ الفِكْرِيِّ الَّذِي يَسْلِبُ الإِنْسَانَ مَكْنَتَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ . بَيْدَ أَنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ لَيْسَ إِلَّا وَهْماً مَعْرِفِيّاً فَاسِداً ؛ فَالوَحْيُ فِي حَقِيقَتِهِ لَيْسَ قَيْداً ، بَلْ هُوَ "تَرْشِيدٌ لِمَسَارِ العَقْلِ" وَتَسْدِيدٌ لِحَرَكَةِ الفِكْرِ نَحْوَ آفَاقٍ لَا تَتَنَاهَى مِنَ التَّكَامُلِ الِانْسَانِيِّ ، بِمَا يَضْمَنُ عَدَمَ تِيهِ البَصِيرَةِ فِي مَتَاهَاتِ الحَيْرَةِ . وَبالجملة : أَنَّ مَاهِيَّةَ الوَحْيِ هِيَ "تَرْشِيدٌ سُلوكِيٌّ وَمَعْرِفِيٌّ" يَسْمُو بِالفِكْرِ البَشَرِيِّ نَحْوَ مَدَارِجَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ مِنَ التَّكَامُلِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ انْبَرَتْ بَيَانَاتُ الوَحْيِ تَعْضُدُ العَقْلَ ، وَتَحُثُّ عَلَى التَّفَكُّرِ وَالِاسْتِزَادَةِ مِنَ العِلْمِ ، فِيمَا نَحَّتْ بِاللَّوْمِ عَلَى الجَهْلِ وَالِارْتِيَابِ ؛ لِمَا يُورِثَانِهِ مِنْ كَسَادٍ فِكْرِيٍّ وَانْقِطَاعٍ عَنِ السَّيْرِ . فَالوَحْيُ هُوَ "العَاصِمُ" مِنَ الِانْحِرَافِ بَيْنَ طَرَفَيِ الإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ ، وَالمَسْرَى الَّذِي يَمِيدُ بِالسَّالِكِ فِي لُجَجِ الحَقَائِقِ الأَزَلِيَّةِ ، مَادّاً إِيَّاهُ بِبَرَاهِينَ وَأَنْظِمَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ تَبُزُّ بِمَرَاحِلَ نِتَاجَ الجُهْدِ البَشَرِيِّ المَحْكُومِ بِقِيُودِ التَّنَاهِي وَالضَّعْفِ . وَهٰذا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ الإِمَامِ البَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حِينَ قَالَ مُقَرِّعاً مَنْ زَهِدَ فِي مَعِينِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) : « يَمَصُّونَ الثِّمَادَ وَيَدَعُونَ النَّهْرَ العَظِيمَ ، قِيلَ لَهُ : وَمَا النَّهْرُ العَظِيمُ ؟ قَالَ : رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَالعِلْمُ الَّذِي آتَاهُ اللهُ ، إِنَّ اللهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) سُنَنَ النَّبِيِّينَ مِنْ آدَمَ هَلُمَّ جَرّاً إِلَى مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) . قِيلَ لَهُ : وَمَا تِلْكَ السُّنَنُ ؟ قَالَ : عِلْمُ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ ، إِنَّ اللهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عِلْمَ النَّبِيِّينَ بِأَسْرِهِ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) صَيَّرَ ذٰلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَعْلَمُ أَوْ بَعْضُ النَّبِيِّينَ ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) : اسْمَعُوا مَا يَقُولُ!! إِنَّ اللهَ يَفْتَحُ مَسَامِعَ مَنْ يَشَاءُ ، إِنِّي حَدَّثْتُ : أَنَّ اللهَ جَمَعَ لِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عِلْمَ النَّبِيِّينَ ، وَإِنَّهُ جَعَلَ ذٰلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ يَسْأَلُنِي هُوَ أَعْلَمُ أَمْ بَعْضُ النَّبِيِّينَ؟!»(1). وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ . وَالثَّمَدُ هُوَ النَّدَىٰ الَّذِي يَتَكَوَّنُ عَلَى الأَحْجَارِ . اوالمَاءُ القَلِيلُ الَّذِي لَا مَادَّةَ لَهُ ، تَمَاماً كَالفِكْرِ البَشَرِيِّ المُجَرَّدِ . بَيْنَمَا "النَّهْرُ العَظِيمُ" هُوَ مَكْنُونُ عِلْمِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) الَّذِي جَمَعَ فِيهِ الحَقُّ سُبْحَانَهُ عُلُومَ النَّبِيِّينَ قَاطِبَةً ، ثُمَّ صَيَّرَهُ إِلَى وَصِيِّهِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) . فَأَيُّ مُفَاضَلَةٍ تِلْكَ الَّتِي تَعْقِدُهَا الظُّنُونُ بَيْنَ مَنْ حَازَ مِيرَاثَ النُّبُوَّاتِ وَبَيْنَ سَائِرِ الخَلْقِ؟! إِنَّ الفَلَاسِفَةَ ـ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ ـ وَإِنْ تَمَدَّحُوا بِالِانْعِتَاقِ مِنْ رِبْقَةِ الضِّيقِ ، وَتَحَرُّرِهِمْ مِنْ قُيُودِ "الحَبُوسِيَّةِ" وَالتَّقْلِيدِ وَالمُسَلَّمَاتِ ، إِلَّا أَنَّ مَقَالَاتِهِمْ لَمْ تَعْدُ إِلَّا كَوْنَهَا شِعَارَاتٍ تَنْظِيرِيَّةً لَا رَصِيدَ لَهَا مِنَ الوَاقِعِ المَنْهَجِيِّ ؛ إِذْ ظَلَّتِ الفَلْسَفَةُ ـ بِحُكْمِ قَصْرِهَا عَلَى مَحْضِ النِّتَاجِ العَقْلِيِّ البَشَرِيِّ ـ حَبِيسَةَ دَائِرَةٍ ضَيِّقَةٍ ، وَمَعْزُولَةً عَنْ آفَاقِ الوَحْيِ غَيْرِ المُتَنَاهِيَةِ ؛ ذَلِكَ الأُفُقُ الوَحْيَانِيُّ الَّذِي يَتَجَاوَزُ مَدَارِكَ العَقْلِ البَشَرِيِّ بِمَا لَا يَتَنَاهَى ، وَيَمُدُّ الإِنْسَانِيَّةَ بِمَوَادَّ مَعْرِفِيَّةٍ وَبَرَاهِينَ وُجُودِيَّةٍ أَعْظَمَ شَأْناً وَأَبْعَدَ أَثَراً ـ بِمَا لَا يُقَاسُ ـ مِمَّا تَمْخَضَ عَنْهُ الجُهْدُ البَشَرِيُّ القَاصِرُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي لَبُوسِ الفَلْسَفَةِ أَمْ فِي غَيْرِهَا مِنَ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ . وَلَعَلَّ الإِشْكَالَ الأَكْبَرَ يكمنُ فِي "ضِيقِ عَطَنِ البَاحِثِ"؛ إِذْ يَعْمِدُ إِلَى قَسْرِ النُّصُوصِ وَلَيِّ أَعْنَاقِ دَلَالَاتِهَا الوَحْيَانِيَّةِ لِتَسْتَقِيمَ مَعَ مَدَارِكِهِ المَحْدُودَةِ ، وَتَنْضَبِطَ بِسَقْفِ الفَهْمِ البَشَرِيِّ القَاصِرِ بَدَلَ أَنْ يَرْتَقِيَ بِفَهْمِهِ إِلَى رِحَابِهَا . وَخُلَاصَةُ القَوْلِ : إِنَّ الفَلْسَفَةَ بِمَا هِيَ نِتَاجٌ آدَمِيٌّ ، تَظَلُّ لُغَتُهَا عَقْلِيَّةً بَشَرِيَّةً مَحْكُومَةً بِالتَّنَاهِي ، بِـخِـلَافِ مَـنْـظُـومَـةِ الْـوَحْـيِ الْـمَـعْـرِفِـيَّـةِ ؛ فَإِنَّهَا تَنْطِقُ بِلُغَةٍ "جَامِعَةٍ" (عَقْلِيَّةٍ ، وَقَلْبِيَّةٍ ، وَوِجْدَانِيَّةٍ) مُؤَيَّدَةٍ بِالمَدَدِ الإِلَهِيِّ ، فَهِيَ حَقَائِقُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ ، سَرْمَدِيَّةُ المَدَى ، تَمْتَدُّ بِالسَّالِكِ أَبَدَ الآبَادِ وَدَهْرَ الدُّهُورِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) بِحَارُ الأَنْوَارِ، ٢٦: ١٦٦ـ ١٦٧ / ح٢١. بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ: ٣٢ـ ٣٣