/ الفَائِدَةُ : (24) /

24/02/2026



بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /مِنْ حَبْسِ المَدَارِسِ الوَضْعِيَّةِ إِلَىٰ رِحَابِ الكَلِمَاتِ الإِلٰهِيَّةِ: رُؤْيَةٌ فِي عِصْمَةِ المَنْهَجِ وَسَعَةِ المَعْرِفَةِ/ إِنَّ المَدَارِسَ المَعْرِفِيَّةَ البَشَرِيَّةَ القَائِمَةَ عَلَى الرَّأْيِ ، وَالفَلْسَفَةِ ، وَالعِرْفَانِ ، تَظَلُّ فِي جَوْهَرِهَا مَنَاهِجَ قَاصِرَةً ، سَطْحِيَّةً ، وَانْحِبَاسِيَّةً ؛ كَوْنُهَا نِتَاجاً عَقْلِيّاً مَحْدُوداً يَرْتَهِنُ لِقُصُورِ الذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ . فَهِيَ مِنْ جِهَةٍ عُرْضَةٌ لِلزَّيْغِ وَالضَّلَالِ ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَىٰ تَقْبَعُ فِي قُيُودِ التَّنَاهِي وَالمَحْدُودِيَّةِ . وَبِالمُقَابِلِ ، تَتَفَرَّدُ مَدْرَسَةُ الوَحْيِ الإِلٰهِيِّ ـ المُمَثَّلَةُ فِي مَدْرَسَةِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِمْ) ـ بِكَوْنِهَا مَلَاذاً لِلْعِصْمَةِ وَفَضَاءً مُتَرَامِياً فِي غَيْرِ المُتَنَاهِي . فَالاعْتِصَامُ بِهَا لَيْسَ نَجَاةً مِنَ الِانْحِرَافِ المَعْرِفِيِّ فَحَسْبُ ، بَلْ هُوَ انْعِتَاقٌ مِنْ حَبْسِ القُدْرَةِ البَشَرِيَّةِ الضَّيِّقَةِ ؛ لِتَضْحَى "العُبُودِيَّةُ" بِمَفْهُومِهَا الحَقِيقِيِّ : تَحَرُّراً مُطْلَقاً وَانْطِلَاقاً فِي رِحَابِ اللَّامَحْدُودِ . وَعَلَيْهِ : فَإِنَّ دَعَاوَى "حُرِّيَّةِ الرَّأْيِ" فِي المَدَارِسِ الوَضْعِيَّةِ مَا هِيَ إِلَّا ارْتِهَانٌ لِسِجْنِ العَقْلِ المَحْدُودِ ، بَيْنَمَا تُمَثِّلُ السِّيَاحَةُ فِي بُحُورِ الوَحْيِ الزَّاخِرَةِ الحُرِّيَّةَ الجَوْهَرِيَّةَ ؛ إِذْ تَنْقُلُ السَّالِكَ مِنْ مَضَايِقِ التَّنَاهِي إِلَى لُجَجِ مَلَكُوتٍ لَا يَحُدُّهُ مَدًى . وَإِلَىٰ هٰذِهِ الحَقِيقَةِ الرَّسِينَةِ شَخَصَتْ أَنْظَارُ الوَحْيِ وَتَظَافَرَتْ بَيَانَاتُهُ ، مِنْهَا : أَوَّلاً : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾(1). ثَانِيًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾(2). ثَالِثًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾(3). وَمُؤَدَّىٰ هٰذِهِ الآيَاتِ جَلِيُّ الِاسْتِبَانَةِ ؛ فَإِنَّ أَلْفَاظَ الوَحْيِ الشَّرِيفِ وَقَوَالِبَهُ التَّنْزِيلِيَّةَ ـ مَهْمَا سَمَتْ ـ تَبْقَىٰ مَحْدُودَةً بِحُكْمِ التَّعَيُّنِ ، إِلَّا أَنَّ أَغْوَارَهَا المَعْنَوِيَّةَ وَحَقَائِقَهَا التَّأْوِيلِيَّةَ بُحُورٌ نُورَانِيَّةٌ طَمْطَامَةٌ ، تَسْتَعْصِي عَلَى النَّفَادِ وَتَتَعَالَىٰ عَنِ التَّنَاهِي أَزَلاً وَأَبَداً. أَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالعَدَدِ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) ـ ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ ـ ، فَلَيْسَ الجَرْيُ فِيهِ عَلَىٰ مَنْحَىٰ الحَصْرِ الرِّيَاضِيِّ ، بَلْ هُوَ خُرُوجٌ مَخْرَجَ الكِنَايَةِ عَنْ مُطْلَقِ الكَثْرَةِ وَاسْتِحَالَةِ الإِحَاطَةِ ؛ إِذْ مَهْمَا تَعَدَّدَتِ الأَقْلَامُ وَتَمَدَّدَتِ الأَبْحُرُ ، بَقِيَتْ كَلِمَاتُ اللهِ وَمَعَارِفُهَا عَصِيَّةً عَلَى الانْقِضَاءِ عَبْرَ نَوَامِيسِ العَوَالِمِ . نَظِيرُ ذٰلِكَ : بَيَانِ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ): ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾(4) ؛ فَذِكْرُ السَّبْعِينَ هُنَا لِتَصْوِيرِ انْسِدَادِ بَابِ المَغْفِرَةِ لِاسْتِحَالَةِ المَحَلِّ (بِسَبَبِ الكُفْرِ) ، لَا لِخُصُوصِيَّةٍ فِي رَقَمِ السَّبْعِينَ بِذَاتِهِ . وَقَدْ تَمَايَزَتِ التَّفَاسِيرُ العَلَوِيَّةُ بِبَيَانِ أَنَّ "كَلِمَاتِ اللهِ" هِيَ حَقَائِقُ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) فِي مَرَاتِبِهَا الصَّاعِدَةِ وَالنَّازِلَةِ ؛ لِتَكُونَ مَعَارِفُ مَدْرَسَتِهِمْ وَفَضَائِلُهُمْ نُوراً لَا يَخْبُو ، وَبَحْراً لَا يُسْبَرُ لَهُ غَوْرٌ فِي كُلِّ نَشْأَةٍ مِنْ نَشَآتِ الوُجُودِ . فَانْظُرْ : بَيَانَاتِ الوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ تَفْسِيرِ الإِمَامِ الهَادِي (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) : « ... وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ فَهُوَ كَذٰلِكَ ؛ لَوْ أَنَّ أَشْجَارَ الدُّنْيَا أَقْلَامٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ وَانْفَجَرَتِ الأَرْضُ عُيُونًا لَنَفِدَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ اللّٰـهِ ... وَنَحْنُ كَلِمَاتُ اللّٰـهِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ وَلَا تُدْرَكُ فَضَائِلُنَا ... »(5). رَابِعاً : بَيَانُ الإِمَامِ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، قَالَ : « لَا تَعْجَبْ ، فَمَا خَفِيَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الإِمَامِ أَعْجَبُ وَأَكْثَرُ ، وَمَا هٰذَا مِنَ الإِمَامِ فِي عِلْمِهِ إِلَّا كَطَيْرٍ أَخَذَ بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ قَطْرَةً مِنْ مَاءٍ ، أَفَتَرَىٰ الَّذِي أَخَذَ بِمِنْقَارِهِ نَقَصَ مِنَ البَحْرِ شَيْئًا ؟ قَالَ : فَإِنَّ الإِمَامَ بِمَنْزِلَةِ البَحْرِ لَا يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ ، وَعَجَائِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذٰلِكَ ، وَالطَّيْرُ حِينَ أَخَذَ مِنَ البَحْرِ قَطْرَةً بِمِنْقَارِهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنَ البَحْرِ شَيْئًا ، كَذٰلِكَ العَالِمُ لَا يَنْقُصُهُ عِلْمُهُ شَيْئًا(6) ، وَلَا تَنْفَدُ عَجَائِبُهُ »(7). وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ . وَهٰذِهِ الحَقِيقَةُ العَقَدِيَّةُ السَّامِقَةُ (8) ـ كَغَيْرِهَا مِنْ حَقَائِقِ المَعَارِفِ وَالعَقَائِدِ الإِلٰهِيَّةِ ـ سَتَنْجَلِي سُطُوعاً فِي عَوَالِمِ : البَرْزَخِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَالقِيَامَةِ ، وَالآخِرَةِ الأَبَدِيَّةِ وَبَعْدَهَا ؛ حَيْثُ تَنْكَشِفُ الغُمَّةُ وَيَعْظُمُ الشُّهُودُ . فَكُنْ لَهَا حَصِيفاً ، وَبِحَبْلِهَا مُعْتَصِماً ، تَرِبَتْ يَدَاكَ . وَصَلَّى اللّٰـهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكَهْفُ : 109. (2) لُقْمَانُ : 27. (3) النَّحْلُ : 96. (4) التَّوْبَةُ : 80. (5) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 10 : 386 ـ 390/ح1. تُحَفُ العُقُولِ : 476 ـ 481. (6) فِي نُسْخَةٍ : (شَيْءٌ). (7) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 26: 190ـ 191/ح2 . قُرْبُ الإِسْنَادِ : 144. (8) إِشَارَةٌ لِمَا سَلَفَ تَقْرِيرُهُ ؛ مِنْ أَنَّ "حُرِّيَّةَ الرَّأْيِ" المَزْعُومَةَ فِي المَنَاهِجِ البَشَرِيَّةِ لَيْسَتْ فِي جَوْهَرِهَا إِلَّا ارْتِهَاناً لِسِجْنِ العَقْلِ المَحْدُودِ وَقُيُودِهِ ، بِخِلَافِ السِّيَاحَةِ المَعْرِفِيَّةِ فِي لُجَجِ الوَحْيِ الزَّاخِرَةِ ؛ فَإِنَّهَا مِعْرَاجُ التَّحَرُّرِ الحَقِيقِيِّ ، وَانْعِتَاقٌ بِالذَّاتِ نَحْوَ مَلَكُوتِ اللَّامَحْدُودِ وَغَيْرِ المُتَنَاهِي