/ الْفَائِدَةُ : (12/ 279) /

06/04/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [صِيَانَةُ الذِّكْرِ وَمَحْضُ المَحَاكَمَةِ: حُجِّيَّةُ مُحْكَمَاتِ الوَحْيِ فِي مَوَازِينِ الِاسْتِدْلَالِ الكَوْنِيِّ] [بُرْهَانُ الحِفْظِ الشُّمُولِيِّ: قِرَاءَةٌ فِي صُمُودِ المُحْكَمَاتِ أَمَامَ يَدِ العَبَثِ البَشَرِيِّ] [عِصْمَةُ مُحْكَمَاتِ الوَحْيِ عَنِ التَّلَاعُبِ وَالتَّحْرِيفِ] إِنَّ مَفَادَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(1) ، يُمَثِّلُ بُرْهَانًا وَحْيَانِيًّا شَامِلًا لِمُطْلَقِ (الذِّكْرِ) وَالوَحْيِ الإِلَهِيِّ ؛ فَيَنْتَظِمُ فِي سِلْكِهِ القُرْآنُ الكَرِيمُ ، وَالأَحَادِيثُ القُدْسِيَّةُ ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ ، وَمَآثِرُ العِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، بَلْ وَمُطْلَقُ الوَحْيِ فِي الصُّحُفِ السَّمَاوِيَّةِ الغَابِرَةِ ـ كَالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ ـ ، وَيَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ (وَحْيَ الفِطْرَةِ) وَالبَدِيهِيَّاتِ المَعْرِفِيَّةَ . وَمَنْ زَعَمَ خِلَافَ هَذَا الإِطْلَاقِ فَقَدْ جَحَدَ مَضَامِينَ الكِتَابِ ؛ وَمِنْ هُنَا قَرَّرَ أَعْلَامُ الأُصُولِ فِي (مَبْحَثِ الِانْسِدَادِ) : أَنَّ النُّكُوصَ عَنْ مُطْلَقِ تُرَاثِ العِتْرَةِ يُعَدُّ مُرُوقاً عَنِ الدِّينِ . إِنْ قُلْتَ : كَيْفَ يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ السَّالِفَةِ مِصْدَاقاً لِلْحِفْظِ الإِلَهِيِّ مَعَ مَا طَالَهَا مِنْ يَدِ الوَضْعِ وَالتَّحْرِيفِ ؟ قُلْتُ : إِنَّ مَا اعْتَرَى تِلْكَ الكُتُبَ مِنْ جَنْبَاتِ التَّحْرِيفِ لَا يَنَالُ مِنْ (مُحْكَمَاتِهَا) نَيْلاً ، وَلَا يُزَعْزِعُ أَرْكَانَهَا ؛ إِذْ هِيَ وَحْيٌ إِلَهِيٌّ يَسْتَعْصِي عَلَى أَيْدِي المُحَرِّفِينَ تَغْيِيبُ جَوْهَرِهِ ، نَعَمْ ؛ لِمُحْكَمَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ هَيْمَنَةٌ وَحَاكِمِيَّةٌ عُلْيَا عَلَيْهَا . وَالحَاصِلُ : أَنَّ يَدَ العَبَثِ وَالتَّضْلِيلِ ـ مَهْمَا أَمْعَنَتْ فِي التَّلَاعُبِ بِبَيَانَاتِ الوَحْيِ ـ تَبْقَى قَاصِرَةً عَنْ نَيْلِ (مُحْكَمَاتِ الوَحْيِ) فِي إِطْلَاقِهَا الشُّمُولِيِّ ؛ وَلِذَا لَزِمَ عَلَى المُكَلَّفِ التَّمَسُّكُ بِهَا بِوَصْفِهَا حُجَّةً بَالِغَةً قَائِمَةً عَلَيْهِ فِي عَرْصَاتِ القِيَامَةِ ، لِاسْتِحَالَةِ وُصُولِ يَدِ التَّحْرِيفِ إِلَى عَيْنِ حَقِيقَتِهَا وَصِيَانَتِهَا الذَّاتِيَّةِ . [مَنْهَجُ الِاحْتِجَاجِ بِالمُحْكَمَاتِ عَلَى أَهْلِ الكِتَابِ] وَمِنْ هُنَا تَنْجَلِي (النُّكْتَةُ المَعْرِفِيَّةُ) فِي طَبِيعَةِ احْتِجَاجَاتِ حَمَلَةِ الوَحْيِ ـ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ـ بَلْ وَفِي سِيَاقِ احْتِجَاجِ البَارِي (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ عَلَى أَرْبَابِ الدِّيَانَاتِ السَّالِفَةِ ؛ حَيْثُ تَرْتَكِزُ مَحَاكَمَتُهُمْ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ عَلَى اسْتِنْطَاقِ (المُحْكَمَاتِ) البَاقِيَةِ فِي كُتُبِهِمْ . فَانْظُرْ : بَيَانَاتِ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : 1 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ اسْمُهُ) : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(2). 2 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾(3). 3 ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾(4). وَدَلَالَةُ هَذِهِ النُّصُوصِ جَلِيَّةٌ فِي إِثْبَاتِ بَقَاءِ مَوَاضِعِ الإِحْكَامِ . وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ ، يَخْلُصُ البَاحِثُونَ بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى إِلَى حَقَائِقَ نَاصِعَةٍ ، وَأَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ ، وَبَرَاهِينَ سَاطِعَةٍ ، وَحُجَجٍ صَادِعَةٍ ؛ تُثْبِتُ حُجِّيَّةَ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ وَأَوْصِيَائِهِ الطَّاهِرِينَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) مِنْ عَيْنِ نُصُوصِ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ـ رَغْمَ مَا اعْتَرَاهُمَا مِنْ نَوَازِعِ التَّحْرِيفِ ـ . وهذه نِكَاتٌ مَعْرِفِيَّةٌ جَوْهَرِيَّةٌ ، حَرِيٌّ بِطَالِبِ الحَقِيقَةِ الِاسْتِبْصَارُ بِهَا . [عِصْمَةُ المَحَاضِنِ المَعْرِفِيَّةِ لِلْمُحْكَمَاتِ فِي الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ] بَلْ إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مُؤَاخَذَاتِ البَارِي (عَزَّ وَجَلَّ) فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ عَلَى أَهْلِ الكِتَابِ ـ كَمَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (عَزَّ قَوْلُهُ) المُتَقَدِّمِ : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ - : هُوَ نَبْذُهُمْ لِلتَّوْرَاةِ بَرُمَّتِهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهَا مِمَّا لَمْ تَنَلْهُ يَدُ التَّبْدِيلِ . وَهَذِهِ المُؤَاخَذَةُ الإِلَهِيَّةُ لَمْ تَكُنْ نَاظِرَةً إِلَى مَوَاضِعِ التَّحْرِيفِ ، بَلْ هِيَ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى (مُحْكَمَاتِهَا) القَارَّةِ ضِمْنَ مُتُونِ تِلْكَ الكُتُبِ . وَعَلَيْهِ : فَقَدْ نَفَذَ الوَعْدُ الإِلَهِيُّ فِي مَضَامِينِ الآيَاتِ الكَرِيمَةِ بِأَنَّ (مُحْكَمَاتِ الوَحْيِ) فِي سَائِرِ الصُّحُفِ السَّمَاوِيَّةِ مَصُونَةٌ مِنَ الِاضْمِحْلَالِ ، وَمَحْفُوظَةٌ مِنَ الزَّوَالِ ؛ إِذْ لَيْسَ بِمَقْدُورِ المُحَرِّفِينَ زَعْزَعَةُ أَرْكَانِهَا أَوْ طَمْسُ مَعَالِمِهَا ، لِكَوْنِهَا تَعْلُو عَلَى القُدْرَةِ البَشَرِيَّةِ وَتَسْمُو عَنْ مَنَالِ المَدَارِكِ المَخْلُوقَةِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ تَعْجَزُ نَوَازِعُ أَهْلِ الأَغْرَاضِ عَنْ إِزَالَتِهَا أَوِ العَبَثِ بِجَوْهَرِهَا . وَهَذَا الْمَقَامُ يُمَثِّلُ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ (الْإِعْجَازِ الْمَعْرِفِيِّ) لِلْوَحْيِ ؛ حَيْثُ لَا تَنَالُهُ أَيْدِي الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا تَبْلُغُهُ فِطَنُهُمْ ، إِلَّا مَنْ خَصَّهُمُ اللهُ بِالتَّطْهِيرِ ، وَهُمْ «أَهْلُ الْبَيْتِ» (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، الْمَقْصُودُونَ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾(6) . [عِصْمَةُ التَّمَسُّكِ بِالمُحْكَمَاتِ مَرْهُونَةٌ بِوَلَايَةِ الرَّاسِخِينَ] وَمِمَّا تَقَدَّمَ يَنْجَلِي أَمْرٌ جَلِيلٌ ؛ وَهُوَ أَنَّ (مُحْكَمَاتِ الوَحْيِ) لَا تَعْصِمُ المُتَمَسِّكَ بِهَا لِذَاتِهَا وَبِمَعْزِلٍ عَنِ المَصْدَرِ ، مَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاعْتِصَامُ تَقْتَفِيهِ رِعَايَةُ (الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ) ، وَهُمْ أَهْلُ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، وَيَسْتَظِلُّ بِيَقِينِ هِدَايَتِهِمْ وَرِبْقَةِ تَعْلِيمِهِمْ . إِنَّ هَذَا هُوَ (المَنْهَجُ الوَحْيَانِيُّ القَوِيمُ) الَّذِي شَيَّدَتْ أَرْكَانَهُ مَدْرَسَتُهُمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ، وَهُوَ مَسْلَكٌ يَتَبَايَنُ جَوْهَرِيّاً مَعَ المَنْهَجِ السَّائِدِ لَدَى الجُمْهُورِ ؛ القَائِمِ عَلَى مَقُولَةِ : (حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ) ، بَلْ وَيَتَمَايَزُ عَنْ مَنَاهِجِ فِئَامٍ مِنَ الخَاصَّةِ مِمَّنْ تَرَسَّبَتْ فِي رُؤَاهُمُ المَعْرِفِيَّةِ آثَارُ ذَلِكَ المَنْهَجِ العَامِّ وَتَأَثَّرُوا بِمَبَانِيهِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) الْحِجْرُ : ٩. (٢) آلُ عِمْرَانَ : ٩٣. (٣) الْأَعْرَافُ : ١٥٧. (٤) الْمَائِدَةُ : ٤٣. (٥) آلُ عِمْرَانَ : ٩٣. (٦) الْوَاقِعَةُ : ٧٧ - ٧٩