/ الْفَائِدَةُ : (13/ 280) /

07/04/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [تَرَاتُبِيَّةُ الحُجَجِ وَهَرَمِيَّةُ الإِحْكَامِ فِي المَنْظُومَةِ المَعْرِفِيَّةِ] [ المُحْكَمُ واليقينُ والحُجَجُ والظُّنونُ على طبقاتٍ لا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِها] ثَمَّةَ مَلْحَمَةٌ (فِكْرِيَّةٌ ، مَعْرِفِيَّةٌ ، عَقَائِدِيَّةٌ) طَالَمَا شَدَّدَتْ عَلَيْهَا بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، وَمَفَادُهَا : أَنَّ (المُحْكَمَ ، وَاليَقِينَ ، وَالحُجَجَ ، بَلْ وَالظُّنُونَ) تَنْتَظِمُ فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ المَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ التَّفَاضُلِيَّةِ . وَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِإِدْرَاكِ كُلِّيَّةِ هَذِهِ المَفَاهِيمِ دُونَ الِالتِفَاتِ إِلَى (هَيْكَلِيَّةِ رُتَبِهَا) يُفْضِي حَتْمًا إِلَى الوُقُوعِ فِي مَهَاوِي الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ عِنْدَ الِاسْتِدْلَالِ وَتَحْصِيلِ المَعَارِفِ . وَوَجْهُ ذَلِكَ : أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِحُجِّيَّةِ دَلِيلٍ مَا عَلَى نَحْوِ الإِطْلَاقِ ، دُونَ تَعْيِينِ مَوْقِعِهِ فِي هَرَمِ الحُجَجِ ، يُعَدُّ ضَرْبًا مِنَ التَّمَسُّكِ بِالظَّنِّ المُتَشَابِه ؛ إِذِ الدَّلِيلُ ـ وَإِنْ كَانَ فِي رُتْبَتِهِ الذَّاتِيَّةِ مُحْكَمًا أَوْ مُورِثًا لِلْيَقِينِ ـ إِلَّا أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ (ظَنًّا مُتَشَابِهًا) حِينَ يُوضَعُ فِي قِبَالِ مَا هُوَ (أَحْكَمُ مِنْهُ وَأَقْوَى يَقِينًا) . [قَانُونُ الحَاكِمِيَّةِ بَيْنَ مَرَاتِبِ الإِحْكَامِ وَاليَقِينِ] يَتَحَصَّلُ مِمَّا تَقَدَّمَ : أَنَّ كُلًّا مِنَ (المُحْكَمِ ، وَالإِحْكَامِ ، وَالمُحْكَمَاتِ ، وَالحُجَجِ ، وَاليَقِينِ ، وَالظُّنُونِ) يَنْتَظِمُ فِي سُلَّمٍ مِنَ الطَّبَقَاتِ وَالمَرَاتِبِ التَّفَاضُلِيَّةِ ؛ وَعَلَيْهِ ، فَقَدْ وَجَبَ عَقْلًا وَشَرْعًا عَرْضُ (المَرْتَبَةِ النَّازِلَةِ) وَالأَدْنَى كَشْفاً عَلَى (المَرْتَبَةِ الصَّاعِدَةِ) وَالأَقْوَى حُجِّيَّةً ، لِتَكُونَ لَهَا هَيْمَنَةُ التَّصْحِيحِ وَالقِيَادِ . وَمَنْ حَادَ عَنْ هَذَا (النِّظَامِ العَرْضِيِّ) ، فَقَدْ تَرَدَّى فِي مَهَاوِي الزَّيْغِ ، وَارْتَطَمَ بِجُدُرِ الضَّلَالِ وَالِانْحِرَافِ المَعْرِفِيِّ ؛ إِذْ لَا اسْتِقَامَةَ لِلِاسْتِدْلَالِ إِلَّا بِإِرْجَاعِ الَّذِي هُوَ أَدْنَى إِلَى الَّذِي هُوَ أَعْلَى وَأَحْكَمُ . [مَرَاتِبُ التَّحْقِيقِ فِي أُصُولِ الحُجَجِ وَنُظُمِ المَعْرِفَةِ] وَحَاصِلُ القَوْلِ : إِنَّ مُجَرَّدَ الوُقُوفِ عَلَى (أَصْلِ الحُجَجِ الدِّينِيَّةِ) لَا يَكْفِي لِنَجَاةِ السَّالِكِ فِي عَالَمِ التَّكْلِيفِ ، وَلَا يَعْصِمُهُ فِي سَائِرِ النَّشَآتِ وَالعَوَالِمِ ـ لَا سِيَّمَا الصَّاعِدَةِ مِنْهَا ـ ؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَعْرِفَةُ (سِلْسِلَةِ مَرَاتِبِهَا) ، وَإِدْرَاكُ (نِظَامِهَا وَمَنْظُومَتِهَا) الكُلِّيَّةِ . وَعَلَيْهِ ، تَتَمَحْوَرُ الحَيْثِيَّاتُ المَعْرِفِيَّةُ فِي أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ جَوْهَرِيَّةٍ : الأُولَى : المَعْرِفَةُ التَّأْصِيلِيَّةُ ؛ وَهِيَ إِدْرَاكُ كُنْهِ (المُحْكَمِ ، وَالإِحْكَامِ ، وَالحُجَجِ الدِّينِيَّةِ ، وَاليَقِينِ ، وَالظُّنُونِ) بِوَصْفِهَا لَبِنَاتٍ وَحَلَقَاتٍ أَسَاسِيَّةً فِي بِنَاءِ الِاعْتِقَادِ ، أَيْ : مَعْرِفَةُ أَصْلِ حَلَقَاتِهَا . الثَّانِيَةُ : المَعْرِفَةُ التَّرَاتُبِيَّةُ ؛ وَهِيَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ (مَرَاتِبِ وَتَفَاضُلِ) تِلْكَ المُحْكَمَاتِ وَاليَقِينِيَّاتِ ، وَتَعْيِينُ رُتْبَةِ كُلِّ حُجَّةٍ فِي سُلَّمِ الحَاكِمِيَّةِ . الثَّالِثَةُ : المَعْرِفَةُ النِّظَامِيَّةُ ؛ وَهِيَ الإِحَاطَةُ بِـ (نِظَامِ) هَذِهِ المَبَانِي ، وَكَيْفِيَّةِ تَرَابُطِهَا الوَظِيفِيِّ ، وَآلِيَّةِ عَرْضِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ . الرَّابِعَةُ : المَعْرِفَةُ المَنْظُومِيَّةُ ؛ وَهِيَ النَّظَرُ إِلَى مُجْمَلِ هَذِهِ العَنَاصِرِ بِوَصْفِهَا (مَنْظُومَةً كَوْنِيَّةً مُتَكَامِلَةً) ، تَتَّسِقُ فِيهَا الغَايَاتُ مَعَ الوَسَائِلِ ، وَتَلْتَحِمُ فِيهَا المَبَادِئُ بِالنَّتَائِجِ . [جُذُورُ الأَزَمَاتِ الفِكْرِيَّةِ وَمَنَاشِئُ التَّشَرْذُمِ المَعْرِفِيِّ] ثُمَّ إِنَّ مَنْ يُمْعِنُ نَظَرَهُ فِي جَذْوَةِ الْأَزَمَاتِ وَالتَّشَرْذُمَاتِ (الفِكْرِيَّةِ ، وَالمَعْرِفِيَّةِ ، وَالعَقَائِدِيَّةِ) ، وَيَتَقَصَّى أَسْبَابَ نُشُوءِ الفِرَقِ وَتَبَايُنِهَا ، بَلْ وَالخُرُوجِ عَنْ جَادَّةِ (الوَسَطِيَّةِ) عَلَى مَرِّ العُصُورِ ؛ سَيَجِدُهَا نَاشِئَةً ـ فِي جَوْهَرِهَا ـ عَنِ الجَهْلِ بِهَذِهِ المَحَاوِرِ وَالحَيْثِيَّاتِ المَعْرِفِيَّةِ أَوْ بَعْضِهَا. وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ التَّقْرِيعُ الإِلَهِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (جَلَّ شَأْنُهُ) : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾(1) ؛ إِذِ ارْتَهَنُوا فِي دَعْوَى قَتْلِ المَسِيحِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِلَى مُعْطَيَاتِ الحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ ، بَيْدَ أَنَّ الحَقَّ (عَزَّ وَجَلَّ) وَسَمَ فِعْلَهُمْ هَذَا بِـ (الظَّنِّ المُتَشَابِهِ) ، وَطَعَنَ فِي مَسْلَكِهِمُ الِاعْتِمَادِيِّ ؛ ذَلِكَ أَنَّ الحِسَّ وَالمُشَاهَدَةَ ـ وَإِنْ أَفَادَا رُتْبَةً مِنَ العِلْمِ فِي ذَاتِهِمَا مَالَمْ يُصَادِمَا نَوْعَ يَقِينٍ أَرْفَعَ مِنْهُمَا ـ إِلَّا أَنَّهُمَا يَسْتَحِيلَانِ ظَنًّاً مُتَشَابِهاً لَا يَصِحُّ الرُّكُونُ إِلَيْهِ فِي أُصُولِ العَقَائِدِ مَتَى مَا عُورِضَا بِيَقِينٍ أَعْلَى مَنَالًا وَأَرْقَى حُجِّيَّةً. فَقَدْ عَايَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ بَرَاهِينِ المَسِيحِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَمُعْجِزَاتِهِ مَا أَوْرَثَهُمْ (يَقِيناً وَحْيَانِيّاً) بِنُبُوَّتِهِ ، وَهُوَ يَقِينٌ يَعْلُو فِي الرُّتْبَةِ عَلَى اليَقِينِ العَقْلِيِّ فَضْلًا عَنِ الحِسِّيِّ ، وَقَدْ أَنْبَأَهُمْ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِبَقَائِهِ حَيّاً إِلَى أَوَانِ ظُهُورِ الإِمَامِ الحُجَّةِ ابْنِ الحَسَنِ (عَجَّلَ اللهُ تَعَالَى فَرَجَهُ الشَّرِيفَ) ، وَهَذَا الإِخْبَارُ مُؤَيَّدٌ بِسُلْطَانِ المَعْجِزَةِ ، لَكِنَّهُمْ نَبَذُوا قَوْلَ (صَاحِبِ المَعْجِزَةِ) وَاعْتَصَمُوا بِمُدْرَكَاتِ الحِسِّ ؛ فَلَمَّا خَالَفَ حِسُّهُمْ مَا هُوَ أَقْوَى حُجَّةً وَأَمْتَنُ يَقِيناً ـ وَهُوَ المَعْجِزُ وَالبَيَانُ الوَحْيَانِيُّ ـ اسْتَحَالَ حِسُّهُمْ ذَلِكَ ظَنّاً مُتَشَابِهاً سَاقِطاً عَنِ الِاعْتِبَارِ . [انْحِلَالُ عُقْدَةِ الحِسِّ وَالتَّوَاتُرِ فِي شُبْهَةِ الفَخْرِ الرَّازِيِّ] وَبِهَذِهِ الضَّابِطَةِ المَعْرِفِيَّةِ يَنْحَلُّ مَا تَبَلْبَلَ فِيهِ (الفَخْرُ الرَّازِيُّ) وَتَحَيَّرَ فِي بَيَانِ مَدْلُولِ قَوْلِهِ (جَلَّ شَأْنُهُ) ـ الْمُتَقَدِّم ـ : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ؛ إِذْ ذَكَرَ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مِمَّا تَحَارُ فِيهِ العُقُولُ. وَوَجْهُ الإِشْكَالِ عِنْدَهُ : كَيْفَ أَبْطَلَ البَارِي (عَزَّ وَجَلَّ) حُجِّيَّةَ الحِسِّ وَجَعَلَهُ ضَرْبًا مِنَ الظَّنِّ وَالشُّبْهَةِ ، مَعَ أَنَّهُ مِنْ صِمَامِ اليَقِينِيَّاتِ ؟ وَأَنَّ القَوْلَ بِبُطْلَانِ الحِسِّ هُنَا يُفْضِي إِلَى تَقْوِيضِ أَصْلِ (التَّوَاتُرِ) فِي الشَّرَائِعِ وَالأَدْيَانِ ؛ لِكَوْنِ المَدَارِ فِي التَّوَاتُرِ مَبْنِيًّا عَلَى الحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ . وَهَذَا لَدَيْهِ مِنْ أَعْضَلِ المُشْكِلَاتِ وَأَشْكَلِهَا . فَلاحَظْ عِبَارَتَهُ فِي هَذَا المَوْرِدِ : « وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا حَكَى عَنِ اليَهُودِ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوا عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَاللهُ تَعَالَى كَذَّبَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَقَالَ : {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} . وَفِي الآيَةِ سُؤَالَانِ : ... السُّؤَالُ الثَّانِي : أَنَّهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُلْقِي شَبَهَ إِنْسَانٍ عَلَى إِنْسَانٍ آخَرَ ، فَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ السَّفْسَطَةِ ؛ فَإِنَّا إِذَا رَأَيْنَا زَيْداً فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِزَيْدٍ ، وَلَكِنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهُ زَيْدٍ عَلَيْهِ ! وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالمِلْكُ وُثُوقاً بِهِ ، وَأَيْضاً يُفْضِي إِلَى القَدْحِ فِي التَّوَاتُرِ ؛ لِأَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ إِنَّمَا يُفِيدُ العِلْمَ بِشَرْطِ انْتِهَائِهِ فِي الآخِرَةِ إِلَى المَحْسُوسِ ، فَإِذَا جَوَّزْنَا حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي المَحْسُوسَاتِ تَوَجَّهَ الطَّعْنُ فِي التَّوَاتُرِ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ القَدْحَ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ ... وَبِالجُمْلَةِ : فَفَتْحُ هَذَا البَابِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي التَّوَاتُرِ ، وَالطَّعْنُ فِيهِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ (عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) فَهَذَا فَرْعٌ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي الأُصُولِ فَكَانَ مَرْدُوداً . وَالجَوَابُ : اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ العُلَمَاءِ فِي هَذَا المَوْضِعِ وَذَكَرُوا وُجُوهاً : الأَوَّلُ : ... الثَّانِي : ... الثَّالِثُ : ... الرَّابِعُ : ... . وَهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَعَارِضَةٌ مُتَدَافِعَةٌ ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الأُمُورِ »(2). [دَفْعُ شُبْهَةِ الرَّازِيِّ فِي حَاكِمِيَّةِ الدَّلِيلِ الأَعْلَى] وَجَوَابُهُ قَدِ اتَّضَحَ مِمَّا سَلَفَ ؛ فَإِنَّ الحِسَّ وَالمُشَاهَدَةَ ـ وَإِنْ كَانَا يُفِيدَانِ اليَقِينَ فِي رُتْبَتِهِمَا الذَّاتِيَّةِ ـ إِلَّا أَنَّهُمَا مَتَى مَا عُورِضَا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُمَا حُجِّيَّةً كَالمُعْجِزَةِ ، صَارَا ضَرْبًا مِنَ الظَّنِّ وَالشُّبْهَةِ. وَمِنْ مَصَادِيقِ ذَلِكَ فِي مَقَامِ البَحْثِ : أَنَّ إِخْبَارَ المَسِيحِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَوْمَهُ بِعَدَمِ قَتْلِهِ وَبَقَائِهِ حَيًّا لِيُصَلِّيَ خَلْفَ الإِمَامِ المَهْدِيِّ (عَجَّلَ اللهُ تَعَالَى فَرَجَهُ الشَّرِيفَ) هُوَ إِخْبَارٌ مَحْفُوفٌ بِسُلْطَانِ المُعْجِزِ ؛ فَلَمَّا تَمَسَّكَ القَوْمُ بِحِسِّهِمْ فِي قِبَالِ قَوْلِ النَّبِيِّ المَسْدُودِ بِالمُعْجِزَةِ ، اسْتَحَالَ حِسُّهُمْ ظَنّاً مُتَشَابِهاً . وَعَلَيْهِ : فَإِنَّ بَيَانَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَيْسَ فِي صَدَدِ إِبْطَالِ (مُطْلَقِ حُجِّيَّةِ الحِسِّ) ـ كَيْمَا يَرِدَ إِشْكَالُ الرَّازِيِّ ـ ، بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ إِبْطَالِ حُجِّيَّتِهِ حِينَ يُصَادِمُ (المُعَارِضَ الأَعْلَى) حُجَّةً وَيَقِيناً . وهذه قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ ، وهي : « أَنَّ كُلَّ قَطْعٍ وَيَقِينٍ يُعَدُّ ظَنًّاً مُتَشَابِهاً بِالقِيَاسِ إِلَى مَا هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ رُتْبَةً فِي هَرَمِ الحُجَجِ ». وَيَشْمَلُ ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ (عَزَّ قَوْلُهُ) : ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾(3) ، وَقَوْلُهُ (جَلَّ قَوْلُهُ) : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾(4). [خُطُورَةُ التَّرَاتُبِيَّةِ المَعْرِفِيَّةِ بَيْنَ الأُصُولِ وَالفُرُوعِ] وَمِنْ كُلِّ هَذَا يَتَّضِحُ : أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى نِظَامِ (مَرَاتِبِ الحُجَجِ) وَآلِيَّةِ تَنْزِيلِهَا عَلَى مَوَارِدِهَا ، أَمْرٌ بَالِغُ الأَهَمِّيَّةِ وَجَلِيلُ الثَّمَرَةِ ؛ إِذْ إِنَّ مَعْرِفَةَ تِلْكَ المَحَاوِرِ وَالحَيْثِيَّاتِ الأَرْبَعِ ، وَإِدْرَاكَ طَبَقَاتِ الدِّينِ وَغَايَاتِهِ ، يُعَدُّ الرَّكِيزَةَ الأَسَاسَ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ وَالمَعْرِفَةِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الإِحَاطَةَ بِهَذِهِ المَحَاوِرِ وَالحَيْثِيَّاتِ الأَرْبَعِ ، بَلْ وَتَبَيُّنَ مَرَاتِبِ الدِّينِ وَطَبَقَاتِهِ وَغَايَاتِهِ القُصْوَى ، يُعَدُّ مَطْلَبًا بَالِغَ الأَهَمِّيَّةِ ، وَمَنْزِعًا شَدِيدَ الخُطُورَةِ ، وَمَوْرِدًا جَزِيلَ الثَّمَرَةِ فِي فَهْمِ مَبَانِي الدِّينِ وَمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ . وَعَلَيْهِ : فَإِنَّ مَنْ يَعْمِدُ ـ لَا سِيَّمَا مِنْ ذَوِي العِلْمِ وَالفَضِيلَةِ ـ إِلَى جَعْلِ الأَصل فَرْعاً ، أَوِ اسْتِحَالَةِ الفَرْعِ أَصْلاً ـ كَمَا قَدْ يَعْرِضُ فِي بَعْضِ المَسَالِكِ ـ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُمَثِّلُ ـ فِي وَاقِعِ الأَمْرِ ـ كَارِثَةً عِلْمِيَّةً وَمَعْرِفِيَّةً وَمَنْزَلَقاً عِلْمِيّاً جَسِيماً ، يُفْضِي إِلَى طَمْسِ بَصِيرَةِ الدِّينِ . وَمِنْ شَوَاهِدِ هَذَا الخَلَلِ المَعْرِفِيِّ مَا نَقَلَهُ الفَرِيقَانِ فِي سِيَرِهِمْ : أَنَّ سَيِّدَ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَادَى أَحَدَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُجِبْهُ اسْتِغْرَاقاً فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمَّا اعْتَذَرَ بِذَلِكَ ، بَانَ قُصُورُ فَهْمِهِ ؛ حَيْثُ قَدَّمَ (الصَّلَاةَ) ـ وَهِيَ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ـ عَلَى (الِاسْتِجَابَةِ لِلرَّسُولِ) ـ وَهِيَ مِنْ أُسُسِ الدِّينِ وَأُصُولِهِ الحَاكِمَةِ ـ ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ مَدَى النُّكُوصِ فِي المَنْظُومَةِ المَعْرِفِيَّةِ لَدَى ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ. فَانْظُرْ : 1 ـ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى ، قَالَ : « كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَلَمْ أُجِبْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلِ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(5) »(6). 2 ـ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : « أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : «يَا أُبَيُّ» ، وَهُوَ يُصَلِّي ، فَالْتَفَتَ أُبَيٌّ وَلَمْ يُجِبْهُ ، وَصَلَّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ ؟! » ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : « أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ : {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ ». قَالَ : بَلَى ، وَلَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللهُ ... »(7). وَفِي المُقَابِلِ ؛ نَجِدُ المَوْقِفَ الرِّسَالِيَّ الأَسْمَى لِصَحَابِيٍّ آخَرَ ، عَمِلَ مَعَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَيْنَ الصَّنِيعِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَأَقْبَلَ مُسْرِعاً لِدَعْوَتِهِ ، فَلَمَّا سَأَلَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَنْ مُوجِبِ قَطْعِهِ لِلصَّلَاةِ ، أَجَابَ بِبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ : (اسْتِجَابَةً لِنِدَائِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ فَإِنَّهُ الأَصِيلُ المَتِينُ ، وَهُوَ الأَهَمُّ رُتْبَةً ، وَالأَعْظَمُ شَأْناً ، وَالأَخْطَرُ مَقَاماً) . [نُكْتَةُ «رَدِّ الشَّمْسِ» لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)] وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ المَعْرِفِيِّ تَنْجَلِي (النُّكْتَةُ العَمِيقَةُ) وَالفَلْسَفَةُ الغَائِيَّةُ لِإِحْدَى مَنَاقِبِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ، وَهِيَ حَادِثَةُ (رَدِّ الشَّمْسِ) ؛ إِذْ تُمَثِّلُ هَذِهِ المُعْجِزَةُ الكَوْنِيَّةُ الكُبْرَى ثَمَرَةً لِعُلُوِّ بَصِيرَتِهِ ( صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) غَيْرِ المُتَنَاهِيَةِ ، وَتَقْدِيراً إِلَهِيّاً لِعَظِيمِ مَعْرِفَتِهِ بِمَقَامِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). فَقَدْ آثَرَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) رَاحَةَ النَّبِيِّ الأَكْرَمِ عَلَى أَدَاءِ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا ـ بَلْ لَمْ يَأْتِ بِهَا حَتَّى عَنْ قُعُودٍ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ ـ صِيَانَةً وَوِقَايَةً لِسُكُونِ مَنْ هُوَ أَصْلُ الوُجُودِ ؛ فَقَدَّمَ رَاحَةَ المُصْطَفَى عَلَى فَرِيضَةِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي عِبَادَتِهِ وَتَقَدُّسِهِ. وَمُؤَدَّى هَذَا المَسْلَكِ : أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) بِحِفْظِ مَقَامِ سَيِّدِ الرُّسُلِ وَرَاحَتِهِ ، هُوَ أَقْرَبُ وَأَحَبُّ إِلَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ مِنَ التَّقَرُّبِ بِصَلَاةِ (أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ) نَفْسِهِ ، رَغْمَ مَا لِتِلْكَ الصَّلَاةِ مِنْ رُتْبَةٍ قُدُسِيَّةٍ وَعَظَمَةٍ لَا تُدْرَكُ . وَهَذِهِ الحَادِثَةُ مِنَ المُسَلَّمَاتِ الَّتِي اسْتَفَاضَتْ بِرِوَايَتِهَا طُرُقُ الفَرِيقَيْنِ. فَلاحِظِ البَيَانَاتِ النَّاقِلَةَ لِهَذِهِ الكَرَامَةِ البَاهِرَةِ ، مِنْهَا : بَيَانُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) : « كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللّٰهِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قَاعِدَيْنِ ... إِذْ وَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي ثُمَّ خَفَقَ حَتَّى غَطَّ ، وَحَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُحَرِّكَ رَأْسَهُ عَنْ فَخِذِي ؛ فَأَكُونَ قَدْ آذَيْتُ رَسُولَ اللّٰهِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حَتَّى ذَهَبَ الوَقْتُ وَفَاتَتِ [الصَّلَاةُ] . فَانْتَبَهَ رَسُولُ اللّٰهِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، صَلَّيْتَ ؟ فَقُلْتُ : لَا ، فَقَالَ : وَلِمَ ذَاكَ ؟ قُلْتُ : كَرِهْتُ أَنْ أُوذِيَكَ . قَالَ : فَقَامَ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَمَدَّ يَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا وَقَالَ : « اللَّهُمَّ رُدَّ الشَّمْسَ إِلَى وَقْتِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلِيٌّ »، فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ حَتَّى صَلَّيْتُ العَصْرَ ثُمَّ انْقَضَّتِ انْقِضَاضَ الكَوْكَبِ»(8) . [مَرَاتِبُ القَطْعِ وَحَاكِمِيَّةُ المَضْمُونِ فِي المَعَارِفِ العَقَائِدِيَّةِ] وَمِمَّا اسْتُعْرِضَ آنِفاً يَنْجَلِي لِلْبَاحِثِ الحَصِيفِ أَمْرَانِ جَوْهَرِيَّانِ : الأَوَّلُ : إِنَّ المَعَارِفَ الِاعْتِقَادِيَّةَ مَتَى مَا ارْتَقَتْ إِلَى رُتْبَةِ (اليَقِينِ العَقْلِيِّ) المَحْضِ ، فَلَا مَجَالَ لِمُعَارَضَتِهَا بِمُعْطَيَاتِ (اليَقِينِ الحِسِّيِّ) ـ كَالتَّوَاتُرِ الظَّاهِرِيِّ ـ . وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ بَدِيهِيَّةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فِي صَدْرِ العُلُومِ المَنْطِقِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ . وَمِنْ ثَمَّ ، فَإِنَّ جَعْلَ (اليَقِينِ الحِسِّيِّ) فِي عَرْضِ (اليَقِينِ العَقْلِيِّ) أَوْ مُسَاوِياً لَهُ فِي الرُّتْبَةِ ، يُعَدُّ جَهَالَةً مَعْرِفِيَّةً ، بَلْ هُوَ (إِلْحَادٌ عِلْمِيٌّ) فِي تَرَاتُبِيَّةِ الحُجَجِ وَالمَعَارِفِ. وَلِهَذَا قَرَّرَ الشَّيْخُ الأَنْصَارِيُّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) فِي خَاتِمَةِ مَبْحَثِ (الِانْسِدَادِ) عِنْدَ تَنَاوُلِهِ لِدَوْرِ صُدُورِ الرِّوَايَاتِ فِي العَقَائِدِ : « أَنَّ جُمْهُورَ أَعْلَامِ الأُصُولِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الحُجِّيَّةَ المُرْتَبِطَةَ بِجِهَةِ الصُّدُورِ لَيْسَتْ رُكْنًا أَصِيلًا فِي مَقَامِ الِاسْتِنْبَاطِ وَاسْتِخْلَاصِ المَعَارِفِ الكُبْرَى ، بَلْ دَوْرُهَا لَا يَعْدُو كَوْنَهُ (مُعِدًّا) وَمُهَيِّئًا ؛ إِذِ المَدَارُ الحَقِيقِيُّ وَالعُمْدَةُ المِعْيَارِيَّةُ هِيَ (صِحَّةُ المَتْنِ) وَحُجِّيَّةُ المَضْمُونِ وَمُوَافَقَتُهُ لِلْمُحْكَمَاتِ ». الثَّانِي : إِنَّ حَصْرَ (اليَقِينِ) فِي أَقْسَامٍ سِتَّةٍ فَقَطْ يُمَثِّلُ مُسَامَحَةً بَيِّنَةً وَاشْتِبَاكًا مَعْرِفِيًّا خَطِيرًا ؛ فَالحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ : أَنَّ لِلْيَقِينِ مَرَاتِبَ تَفَاضُلِيَّةً وَدَرَجَاتٍ وُجُودِيَّةً لَا تَقَعُ تَحْتَ حَصْرٍ ، تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِقُوَّةِ الكَشْفِ وَعُمُقِ الشُّهُودِ. [اليَقِينُ الحِسِّيُّ أَدْنَى مَرَاتِبِ الشُّهُودِ] ثُمَّ إِنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِ اليَقِينِ وَأَنْزَلَهَا رُتْبَةً هُوَ «اليَقِينُ الحِسِّيُّ» ؛ وَذَلِكَ لِكَوْنِ عَالَمِ المَادَّةِ وَالحِسِّ الغَلِيظِ هُوَ المَرْتَبَةُ النَّازِلَةُ مِنْ عَوَالِمِ الخِلْقَةِ ، وَهُوَ نِطَاقٌ مَحْدُودٌ وَمُقَيَّدٌ بِالقِيَاسِ إِلَى مَا يَعْلُوهُ مِنَ المَرَاتِبِ الوُجُودِيَّةِ. كَمَا أَنَّ طَبِيعَةَ القُوَى الإِدْرَاكِيَّةِ الحِسِّيَّةِ تَبْقَى قَاصِرَةً فِي مَدَاهَا ، وَغَيْرَ مُجَهَّزَةٍ لِنَيْلِ الكُلِّيَّاتِ ؛ بِخِلَافِ «اليَقِينِ العَقْلِيِّ» الفَائِقِ ، بَلْ وَ «اليَقِينِ الوَهْمِيِّ» وَ «اليَقِينِ الخَيَالِيِّ» المُسْتَفَادِ مِنْ مَلَكُوتِ (عَالَمِ المِثَالِ) ؛ وَالَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي مَبَاحِثِ النَّفْسِ بِـ «الحِسِّ البَاطِنِ». [هَيْمَنَةُ القُوَى البَاطِنَةِ عَلَى مَدَارِكِ الحِسِّ الظَّاهِرِ] وَحَاصِلُ القَوْلِ : إِنَّ يَقِينَ (القُوَى البَاطِنَةِ) يَفُوقُ بِأَشْوَاطٍ يَقِينَ (الحِسِّ الظَّاهِرِ) مَتَانَةً وَكَشْفاً ؛ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا أَمْعَنَ فِي (البُطُونِ) وَالخَفَاءِ ، ازْدَادَ لَطَافَةً وَقُوَّةً ، وَأَضْحَى أَوْسَعَ مَدًى وَأَنْفَذَ سُلْطَاناً مِنْ نِظَامِ الحِسِّ الجَلِيِّ المَحْدُودِ. بَلْ إِنَّ التَّحْقِيقَ يَقْتَضِي : أَنَّ نَشَاطَ (قُوَى الإِدْرَاكِ الظَّاهِرِ) لَدَى النَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ وَسَائِرِ المَوْجُودَاتِ لَا يَتَحَقَّقُ ـ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْلَالِ ـ إِلَّا بِوَسَاطَةِ وَمَدَدِ (القُوَى البَاطِنَةِ الخَفِيَّةِ) الكَامِنَةِ فِي جَوْهَرِ النَّفْسِ وَلَطَائِفِ الرُّوحِ ؛ فَهِيَ المُحَرِّكُ الأَوَّلُ وَالمُدَبِّرُ لِمَشَاعِرِ الظَّاهِرِ. [غَيْبِيَّةُ العُلُومِ وَقُصُورُ المَدَارِكِ الحِسِّيَّةِ عَنْ نَيْلِ المَلَكُوتِ] وَمِمَّا سَلَفَ يَتَبَيَّنُ : أَنَّ سَائِرَ العُلُومِ ـ مِنْ فِيزِيَاءَ ، وَكِيمِيَاءَ ، وَأَحْيَاءَ ، وَطِبٍّ ، وَرِيَاضِيَّاتٍ ، وَهَنْدَسَةٍ وَهَلُمَّ جَرّاً ـ وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِدَ وَمُعَادَلَاتٍ تَحْكُمُ نَوَامِيسَ الكَوْنِ وَتُدَبِّرُ شُؤُونَ المَخْلُوقَاتِ ؛ هِيَ فِي جَوْهَرِهَا حَقَائِقُ (مَلَكُوتِيَّةٌ) لَا تَقَعُ تَحْتَ طَائِلَةِ الحِسِّ الظَّاهِرِ ، بَلْ تُدْرَكُ بِـ (الحِسِّ البَاطِنِ) وَالقُوَى الخَفِيَّةِ لِلرُّوحِ ؛ وَمَا تِلْكَ المَظَاهِرُ الحِسِّيَّةُ إِلَّا (آثَارٌ) جَلِيَّةٌ لِمُؤَثِّرَاتٍ غَيْبِيَّةٍ. وَمَفَادُ ذَلِكَ : أَنَّ جَوْهَرَ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ هُوَ كِيَانَاتٌ مَخْلُوقَةٌ (غَيْبِيَّةٌ) غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ، تَتَعَالَى عَنْ حَيِّزِ المُشَاهَدَةِ البَصَرِيَّةِ وَالإِدْرَاكِ الحِسِّيِّ المَادِّيِّ. وَمِنْ جِمَاعِ مَا تَقَدَّمَ يَنْجَلِي أَمْرٌ بَالِغُ الْخُطُورَةِ ، حَاصِلُهُ : إِنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ هِيَ مَدَيَاتِ (الْيَقِينِ الْحِسِّيِّ) وَحُدُودَهُ الضَّيِّقَةَ ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ اتِّخَاذُهُ مِعْيَاراً لِإِثْبَاتِ (حَقَائِقِ الوَحْيِ) وَسَبْرِ أَغْوَارِ بَيَانَاتِهِ القُدُسِيَّةِ ؟ بَيْنَمَا الوَحْيُ يَنْبَثِقُ مِنْ عَوَالِمَ غَيْبِيَّةٍ (صَاعِدَةٍ) عَظِيمَةٍ وَمَهُولَةٍ ، تَضْمَحِلُّ عِنْدَ أَعْتَابِهَا كُلُّ المَدَارِكِ المَادِّيَّةِ وَالقُوَى الحِسِّيَّةِ القَاصِرَةِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَار . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النِّسَاءُ : 157. (2) التَّفْسِيرُ الكَبِيرُ، ج 11، سُورَةُ النِّسَاءِ، آيَةُ (157)، ص: 99 ـ 100. (3) يُونُسُ : 36. (4) آلُ عِمْرَانَ : 7. (5) الأَنْفَالُ : 24. (6) البُخَارِيُّ ، 4 : 1623 / ح 4204. (7) البُخَارِيُّ ، 4 : 1738 / ح 4426. (8) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 41 : 182 ـ 183 / ح 19. فُرُوعُ الكَافِي ، 4 : 561 ـ 562