/الْفَائِدَةُ : (14/ 281) /
07/04/2026
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [بيان أَمِير الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) لِلاِنْحِرَافَات المَعْرِفِيَّة في معاركةِ الثلاث] مِنَ الرَّكِائِزِ المَنْهَجِيَّةِ ـ بَلِ الضَّرُورَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ ـ فِي مَقَامِ (المَوْقِعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ) : أَنَّ الهِدَايَةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الإِذْعَانِ لِأَصْلِ الحُجِّيَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ الإِلَهِيِّ ، مَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا الِاسْتِبْصَارُ بِسَائِرِ الحَيْثِيَّاتِ وَالمَحَاوِرِ المَعْرِفِيَّةِ (الأَرْبَعِ) ـ الْمُتَقَدِّمَة ـ ؛ وَإِلَّا ارْتَطَمَ المُكَلَّفُ فِي مَضَايِقِ الزَّيْغِ وَالِانْحِرَافِ. وَهَذَا المِعْيَارُ هُوَ مَا جَسَّدَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) فِي حُرُوبِهِ الثَّلَاثِ (الجَمَلِ ، وَصِفِّينَ ، وَالنَّهْرَوَانِ) ؛ إِذْ تَشْتَرِكُ هَذِهِ المَلَاحِمُ فِي جَوْهَرٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ تَقْوِيمُ الِانْكِفَاءِ الفِكْرِيِّ وَالِارْتِطَامِ المَعْرِفِيِّ الَّذِي مَنِيَتْ بِهِ الأُمَّةُ ، حَيْثُ أَرَادَ الحَقُّ (جَلَّ شَأْنُهُ) مُعَالَجَةَ تِلْكَ الأَدْوَاءِ العَقَائِدِيَّةِ عَلَى يَدِ وَصِيِّ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ). وَمِنْ بَراهِينِ ذَلِكَ : أَنَّ المَوْقِفَ العَلَوِيَّ تَبايَنَ تَبَعاً لِمَراتِبِ الحُجَّةِ وَنِظامِ عَرْضِها ؛ فَبَيْنَما دَحَضَ (عَلَيْهِ السَّلامُ) احْتِجاجَ (مُعَسْكَرِ الشَّامِ) بِالمُصْحَفِ الشَّريفِ فِي صِفِّينَ ـ لِكَوْنِهِ ارْتِقاءً بِمُتَشابِهِ الفِعْلِ لِطَمْسِ مُحْكَمِ الحَقِّ ـ ، نَجِدُهُ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ) قَدْ جَعَلَهُ مَحْضَ الِاحْتِجاجِ عَلَى (أَهْلِ البَصْرَةِ) فِي مَعْرَكَةِ الجَمَلِ ؛ كُلُّ ذَلِكَ صِيانَةً لِمَراتِبِ الوَحْيِ عَنِ التَّلاعُبِ وَالِانْحِرافِ . [مَرَاتِبُ الحَاكِمِيَّةِ فِي المَلَاحِمِ العَلَوِيَّةِ الثَّلَاثِ] وَالنُّكْتَةُ الغَائِيَّةُ فِي ذَلِكَ : أَنَّهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) رَامَ فِي مَعْرَكَةِ (الجَمَلِ) تَبْيِينَ أَنَّ حُجِّيَّةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ تَعْلُو وَتَسْمُو عَلَى مَقَامِ الِانْتِسَابِ وَالصُّحْبَةِ ؛ فَلَا حُرْمَةَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَلَا لِأَصْحَابِهِ فِي قِبَالِ مُحْكَمَاتِ الكِتَابِ. بَيْنَمَا أَرَادَ فِي مَعْرَكَةِ (صِفِّينَ) أَنْ يُقَرِّرَ حَقِيقَةً أَرْفَعَ مَنَالاً ؛ وَهِيَ أَنَّ حُجِّيَّةَ الإِمَامِ المَعْصُومِ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ـ بِوَصْفِهِ (القُرْآنَ النَّاطِقَ) ـ مُهَيْمِنَةٌ وَحَاكِمَةٌ عَلَى حُجِّيَّةِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ ـ بِوَصْفِهِ (القُرْآنَ الصَّامِتَ) ـ عِنْدَ التَّعَارُضِ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ. أَمَّا فِي (النَّهْرَوَانِ) ، فَقَدْ كَانَ مَسْعَاهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) ـ مِنْ خِلَالِ رَائِعَتِهِ : « لَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ(1) ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فأدركه(2) »(3) ـ هُوَ الكَشْفَ عَنْ مَرَاتِبَ أُخْرَى لِلْحُجِّيَّةِ ؛ تَتَمَثَّلُ فِي ضَرُورِيَّاتِ الوَحْيِ وَكَيْفِيَّةِ تَنْزِيلِهَا عَلَى المَصَادِيقِ . فَبَيَّنَ أَنَّ (التَّطْبِيقَاتِ) أُمُورٌ نَظَرِيَّةٌ خَاضِعَةٌ لِلِاشْتِبَاهِ ، فَلَا تُقَدَّمُ بِحَالٍ عَلَى حُجِّيَّةِ الإِمَامِ الرَّاسِخِ فِي العِلْمِ . وَبِهَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ شِعَارَ الخَوَارِجِ : (إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) رَغْمَ كَوْنِهِ بَدِيهِيَّةً وَحْيَانِيَّةً فِي أَصْلِهِ(4) ، إِلَّا أَنَّهُمُ ارْتَطَمُوا بِمَهَاوِي الضَّلَالِ نَتِيجَةَ (انْحِرَافِ التَّطْبِيقِ) وَسُوءِ الِاسْتِدْلَالِ. [مَبْدَأُ حِفْظِ المَرَاتِبِ وَأَثَرُهُ فِي النَّجَاةِ وَالِارْتِقَاءِ المَعْرِفِيِّ] وَهَذَا (المَحْذُورُ الرُّتَبِيُّ) هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ إِبْلِيسَ (لَعَنَهُ اللهُ) فِي غَيَابَاتِ وَرْطَتِهِ ؛ إِذْ لَمَّا أَخَلَّ بِتَرَاتُبِيَّةِ الحُجَجِ الإِلَهِيَّةِ وَلَمْ يَرْعَ مَرَاتِبَهَا ، تَطَاوَلَ بِقِيَاسِهِ الفَاسِدِ عَلَى (خَلِيفَةِ اللهِ) وَحُجَّتِهِ الكُبْرَى. وَمِنْ ثَمَّ كَانَتِ النَّتِيجَةُ : أَنَّ (الكُفْرَ بِالرُّتْبَةِ) كُفْرٌ جَسِيمٌ ، يُفْضِي إِلَى الخُرُوجِ عَنْ جَادَّةِ التَّسْلِيمِ. وَبِهَذَا يَنْجَلِي المُرَادُ : مِنْ أَحَدِ أَدَقِّ التَّعَابِيرِ الشَّائِعَةِ لَدَى أَعْلَامِ المَعْرِفَةِ وَالمُتَكَلِّمِينَ ؛ وَهُوَ قَوْلُهُمْ : «حِفْظُ المَرَاتِبِ مِنَ الإِيمَانِ». وَقِسْ عَلَى ضِدِّهِ : دَفْعَ المَرَاتِبِ وَإِنْكَارَهَا ، وَالخَلْطَ وَالخَبْطَ بَيْنَ مَنَازِلِهَا ؛ فإِنَّه يُمَثِّلُ كُفْرًا خَفِيًّا ، وَحِجَابًا كَثِيفًا يَحُولُ دُونَ تَرَقِّي النَّفْسِ فِي مَعَارِجِ الإِيمَانِ وَكَمَالَاتِ العِرْفَانِ. [تَلَازُمُ وَحْدَةِ المَنْظُومَةِ وَتَعَدُّدِ المَرَاتِبِ فِي الحُجَجِ الإِلَهِيَّةِ] وَيَنْجَلِي بِهَذَا سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ المَعَانِي وَالحَقَائِقِ المَوْدُوعَةِ فِي بَيَانِ (زِيَارَةِ عَاشُورَاءَ) : « ... وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقَامِكُمْ ، وَأَزَالَتْكُمْ عَنْ مَرَاتِبِكُمُ الَّتِي رَتَّبَكُمُ اللهُ فِيهَا ...»(5) ؛ إِذْ يَتَّحِدُ مَضْمُونُ هَذَا البَيَانِ الشَّرِيفِ مَعَ صَرِيحِ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ اسْمُهُ) : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾(6) ؛ فَهُوَ بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ قَاطِعٌ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ (حِفْظِ المَرَاتِبِ) وَلُزُومِ رِعَايَةِ التَّفَاضُلِ الرُّتَبِيِّ. أَمَّا نَفْيُ التَّفْرِقَةِ الْوَارِدُ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ): ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾(7) ، فَإِنَّمَا هُوَ نَاظِرٌ إِلَى (أَصْلِ المَنْظُومَةِ) وَوَحْدَةِ المَسِيرَةِ وَالغَايَةِ ، وَهُوَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ كَسَابِقِهِ. وَمُؤَدَّى الجَمْعِ بَيْنَهُمَا : أَنَّهُ كَمَا تُعَدُّ (وَحْدَةُ المَنْظُومَةِ) ضَرُورَةً عَقَدِيَّةً ، فَكَذَلِكَ يُعَدُّ (تَعَدُّدُ مَرَاتِبِ الحُجَجِ) ضَرُورَةً مَعْرِفِيَّةً لَا تَقِلُّ عَنْهَا شَأْناً ؛ فَالِاتِّحَادُ فِي أَصْلِ الهَدَفِ لَا يَنْفِي التَّفَاوُتَ فِي دَرَجَاتِ الفَضْلِ وَمَقَامَاتِ القُرْبِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَار . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وَهُمُ : الْخَوَارِجُ. (2) وَهُمْ : مُعَاوِيَةُ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَجَمَاعَتُهُمَا. (3) نهج البلاغة ، 1 : 108 . (4) فَانْظُرْ : سُورَةُ يُوسُفَ : 40. (5) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 98 : 291 . مِصْبَاحُ الطُّوسِيِّ : 538 ـ 542. (6) البَقَرَةُ : 153. (7) البَقَرَةُ : 285