/ الْفَائِدَةُ : (16/ 283) /

09/04/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [مَعَايِيرُ النَّقْدِ الحَدِيثِيِّ: تَقْوِيمُ الأَسَانِيدِ بِمُحْكَمَاتِ المَضَامِينِ] [حَاكِمِيَّةُ المَضْمُونِ عَلَى الطَّرِيقِ فِي مَبَانِي النَّقْدِ الرِّجَالِيِّ] إِنَّ دِرَاسَةَ مُتُونِ الأَحَادِيثِ وَسَبْرَ مَضَامِينِهَا تُمَثِّلُ الرُّتْبَةَ العُلْيَا فِي الدِّرَاسَةِ العِلْمِيَّةِ الصِّنَاعِيَّةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ ؛ بَلْ بِهَا تَتَقَوَّمُ دِرَاسَةُ الأَسَانِيدِ وَالطُّرُقِ لَا العَكْسُ ، وَهُوَ مَطْلَبٌ بَالِغُ الأَهَمِيَّةِ فِي رِيَاضَةِ الِاسْتِنْبَاطِ . وَمِنْ ثَمَّ ؛ فَإِنَّ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي عُلُومِ المَعَارِفِ ، أَضْحَى قَادِراً عَلَى تَشْخِيصِ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ ـ عَنْ بَصِيرَةٍ وَاجْتِهَادٍ ـ وَتَمْيِيزِ المُنْحَرِفِ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِهِ ، عَبْرَ عَرْضِ مَضَامِينِ مَرْوِيَّاتِهِمْ عَلَى مُحْكَمَاتِ الثَّقَلَيْنِ (الكِتَابِ وَالعِتْرَةِ) ، وَمَدَى اتِّسَاقِهَا مَعَ النَّوَامِيسِ العَقَدِيَّةِ. وَعَلَى هَذَا الضَّابِطِ الجَوْهَرِيِّ ابْتَنَى مَنْهَجُ الشَّيْخِ (النَّجَاشِيِّ) وَ (ابْنِ الغَضَائِرِيِّ) فِي تَشَدُّدِهِمَا المَعْرُوفِ ؛ إِذْ قَرَّرَا أَنَّ (صِحَّةَ الكِتَابِ) المُرْتَبِطَةَ بِمَتَانَةِ المَضْمُونِ أَعْظَمُ شَأْناً وَأَقْوَى حُجِّيَّةً مِنْ (صِحَّةِ الطَّرِيقِ) المَحْضَةِ ؛ وَهُوَ مَا يَتَجَلَّى بِوُضُوحٍ لِمَنْ طَالَعَ دَقَائِقَ جَرْحِهِمَا وَتَعْدِيلِهِمَا ، حَيْثُ جَعَلَا (المَعْنَى) مِيزَاناً لِتَوْثِيقِ (المَبْنَى) أَوْ تَضْعِيفِهِ. [مِنْهَاجُ التَّحْقِيقِ الِاجْتِهَادِيِّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأُصُولِ الرِّجَالِيَّةِ] وَهَذِهِ المَبَانِي لَا مَنَاصَ لِلْبَاحِثِ مِنْ أَنْ يُشَيِّدَ أَرْكَانَهَا بِنَفْسِهِ ؛ فَعَلَيْهِ بِمُمَارَسَةِ التَّتَبُّعِ ، وَإِدْمَانِ التَّنْقِيبِ ، وَإِعْمَالِ الِاجْتِهَادِ عَنْ دِرَايَةٍ مُسْتَحْصَلَةٍ وَبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ . فَمَنْ رَامَ ـ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ ـ مُرَاجَعَةَ (رِجَالِ النَّجَاشِيِّ) ، فَلْيَكُنْ مَسْعَاهُ أَبْعَدَ مِنْ مُجَرَّدِ الوُقُوفِ عَلَى النَّتَائِجِ القَطْعِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ مُصَنِّفِهِ ـ مِنْ جَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَمَا شَاكَلَهُمَا ـ ؛ إِذِ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا تَقْلِيداً مَحْضاً لَهُ. بَلِ المَدَارُ فِي (المُرَاجَعَةِ العِلْمِيَّةِ النَّافِعَةِ) أَنْ يَنْفُذَ البَاحِثُ إِلَى جَوْهَرِ النِّظَامِ وَيَسْبِرَ أَغْوَارَ الصَّرْحِ العِلْمِيِّ لِلْمُصَنِّفِ ، مُسْتَجْلِياً مَبَانِيَهُ الكُلِّيَّةَ وَمَسَارَاتِهِ المَنْهَجِيَّةَ ؛ فَحِينَئِذٍ فَقَطْ تَتَحَقَّقُ الثَّمَرَةُ الِاجْتِهَادِيَّةُ المَنْشُودَةُ. [مَنْهَجُ الِاسْتِقْرَاءِ المَبْنَوِيِّ لِلْأُصُولِ الرِّجَالِيَّةِ] وَعَلَى هَذَا المِنْوَالِ المُطَّرِدِ ؛ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ العَمَلُ فِي سَبْرِ كِتَابِ (الفِهْرِسِتِ) لِشَيْخِ الطَّائِفَةِ الطُّوسِيِّ ، وَكَذَا الأُصُولِ الرِّجَالِيَّةِ لِكُلٍّ مِنَ : (البَرْقِيِّ) ، وَ (العَقِيقِيِّ) ، وَ (ابْنِ الغَضَائِرِيِّ) ؛ إِذِ المَقْصِدُ الأَسْمَى هُوَ الوقُوفُ عَلَى كُنْهِ (مَبَانِيهِمْ) وَاسْتِجْلَاءُ (مَسَارَاتِهِمُ العِلْمِيَّةِ) ، لَا مُجَرَّدَ الِاتِّكَاءِ عَلَى آرَائِهِمُ المُجَرَّدَةِ أَوْ تَبَنِّي فَتَاوَاهُمُ الرِّجَالِيَّةِ النِّهَائِيَّةِ . [أَصَالَةُ المَضْمُونِ فِي المَنَاهِجِ الحَدِيثِيَّةِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ] إِذَنْ : (عِلْمُ الرِّجَالِ) فِي حَقِيقَتِهِ هُوَ عِلْمُ مَضَامِينَ ، لَا مُجَرَّدُ عِلْمِ نُقُولٍ وَتَتَبُّعِ أَسَانِيدَ . وَمِنْ هُنَا يَنْجَلِي المُرَادُ : مِنْ أَنَّ دَعْوَى (صِحَّةِ الكِتَابِ) عِنْدَ أَعْلَامِ الطَّائِفَةِ ـ كَالكُلَيْنِيِّ فِي (الكَافِي) ، وَابْنِ قُولَوَيْهِ فِي (كَامِلِ الزِّيَارَاتِ) ، وَالخَزَّازِ القُمِّيِّ فِي (كِفَايَةِ الأَثَرِ) ، وَالصَّدُوقِ فِي (الفَقِيهِ) ، وَالطُّوسِيِّ فِي (التَّهْذِيبِ) ـ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ صِحَّةَ الصُّدُورِ المَبْنِيَّةَ عَلَى اتِّصَالِ السَّنَدِ ؛ إِذْ تَمْتَلِئُ جَنَبَاتُ هَذِهِ الكُتُبِ بِالمَرَاسِيلِ وَالمَقْطُوعَاتِ وَالمَرْفُوعَاتِ. بَلْ مَدَارُ الصِّحَّةِ عِنْدَهُمْ يَرْتَكِزُ عَلَى (حُجِّيَّةِ المَتْنِ وَالمَضْمُونِ) ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا أُودِعَ فِيهَا لَا يُصَادِمُ ضَرُورَاتِ الدِّينِ ، وَلَا يُخَالِفُ مُحْكَمَاتِ الشَّرِيعَةِ . فَحِينَمَا يَرْوِي الكُلَيْنِيُّ وَالصَّدُوقُ (مَثَلًا) عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) قَوْلَهُ : « ... إِنَّ نُورَ أَبِي يَوْمَ القِيَامَةِ يُطْفِئُ أَنْوَارَ الخَلَائِقِ إِلَّا خَمْسَةَ أَنْوَارٍ : نُورَ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، وَنُورِي(1) ، وَنُورَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ ، وَنُورَ تِسْعَةٍ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ ؛ فَإِنَّ نُورَهُ مِنْ نُورِنَا الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ » (2) ؛ فَإِنَّ مُرَادَهُمَا بِالإِيرَادِ أَنَّ مَضْمُونَ هَذَا الخَبَرِ ـ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَدَى اعْتِبَارِ طَرِيقِهِ وَصِحَّةِ صُدُورِهِ ـ لَا يَتَصَادَمُ مَعَ مَبَانِي العَقِيدَةِ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنِ الخُطُوطِ العَامَّةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، بَلْ يَنْسَجِمُ مَعَ مُحْكَمَاتِ الوَحْيِ نَسْجاً وَاحِداً . [التَّمَايُزُ المَنْهَجِيُّ بَيْنَ مَسْلَكِ الفُقَهَاءِ وَمَشْرَبِ المُحَدِّثِينَ] إِذَنْ : مَنْهَجُ الفُقَهَاءِ وَمَسْلَكُهُمْ فِي هَذَا المَقَامِ يَتَبَايَنُ جَوْهَرِيّاً عَنْ مَنْهَجِ المُحَدِّثِينَ وَمَشْرَبِهِمْ ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الَّذِي يَرْفَعُ شِعَارَ (صِحَّةِ الصُّدُورِ) وَيَجْعَلُهَا مِعْيَارَهُ الأَوْحَدَ ، دُونَ أَنْ يُقِيمَ وَزْناً لِـ (مَتَانَةِ المَضْمُونِ) وَمُوَافَقَتِهِ لِلمُحْكَمَاتِ ، فَقَدْ نَأَى بِمَنْزَعِهِ عَنْ مَنْهَجِ فُقَهَاءِ الإِمَامِيَّةِ الرَّاسِخِينَ ، وَانْحَازَ إِلَى مَسْلَكِ المُحَدِّثِينَ الَّذِي يَقِفُ عِنْدَ ظَوَاهِرِ النَّقْلِ وَأَسَانِيدِهِ . [دَلَالَةُ التَّدْوِينِ عَلَى مَقَامَاتِ الدَّائِرَةِ الِاصْطِفَائِيَّةِ الثَّانِيَةِ] وَمِنْهُ يَنْجَلِي المُرَادُ : أَنَّ أَسَاطِينَ الطَّائِفَةِ وَزُعَمَاءَ مَدْرَسَةِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ـ كَالكُلَيْنِيِّ ، وَالصَّدُوقِ ، وَالمُفِيدِ ، وَالمُرْتَضَى ، وَالطُّوسِيِّ ـ حِينَمَا عَمَدُوا إِلَى إِيدَاعِ مَرْوِيَّاتٍ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ تَخْتَصُّ بِأَفْرَادِ (الدَّائِرَةِ الِاصْطِفَائِيَّةِ الثَّانِيَةِ) ؛ فَإِنَّ مَسْلَكَهُمْ هَذَا يَعْكِسُ رُؤْيَةً مَعْرِفِيَّةً مَفَادُهَا : أَنَّ لِأَصْحَابِ هَذِهِ الدَّائِرَةِ شَأْناً مَلَكُوتِيّاً عَظِيماً ، وَحَظّاً وَافِراً مِنَ الِاصْطِفَاءِ ، وَعَلَاوَةً رُتْبِيَّةً تُمَيِّزُهُمْ عَنْ سَائِرِ المَرَاتِبِ دُونَ المَعْصُومِ . [الحُجِّيَّةُ الوَحْيَانِيَّةُ لِبَيَانَاتِ الوَحْيِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُصُوصُهُ ] وَمِمَّا سَلَفَ يَنْجَلِي أَمْرٌ بَالِغُ الدِّقَّةِ : وَهُوَ أَنَّ (وَحْيَانِيَّةَ) بَيَانَاتِ القُرْآنِ المَجِيدِ وَتُرَاثِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) لَا تَنْضَبِطُ وَلَا تُسْتَحْصَلُ عَنْ يَقِينٍ عَبْرَ آليَّاتِ (اليَقِينِ الحِسِّيِّ) أَوِ (التَّوَاتُرِ السَّنَدِيِّ) البَشَرِيِّ المَحْضِ ؛ لِكَوْنِهِمَا أَدَوَاتٍ حِسِّيَّةً قَاصِرَةً. إِذْ لَوْ كَانَ مَدَارُ الوَحْيِ عَلَيْهِمَا ، لَأَضْحَى ـ وَالعِيَاذُ بِاللهِ ـ نِتَاجاً بَشَرِيّاً عُرْضَةً لِلزَّيْغِ وَالخَطَأِ وَالِاشْتِبَاهِ ، وَلَاسْتَطَاعَتِ الدِّيَانَاتُ المُنْحَرِفَةُ ـ كَاليَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالبُوذِيَّةِ وَمَا شَاكَلَهَا ـ أَنْ تَتَّخِذَ مِنْ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِإِثْبَاتِ سَمَاوِيَّةِ كُتُبِهَا المُحَرَّفَةِ. بَلِ التَّحْقِيقُ يَقْتَضِي : أَنَّ وَحْيَانِيَّةَ النَّصِّ تُسْتَفَادُ وَتَنْضَبِطُ مِنْ ذَاتِ البَيَانِ ، وَمِمَّا تَحْمِلُهُ المَتُونُ وَالمَضَامِينُ مِنْ عُلُومٍ لَدُنِّيَّةٍ ، وَمَعَارِفَ قُدُسِيَّةٍ ، وَنُورٍ هَادٍ ؛ وَهِيَ المُقَوِّمَاتُ الَّتِي تُوَلِّدُ القَطْعَ وَاليَقِينَ العَقْلِيَّ ، بَلْ وَاليَقِينَ الوَحْيَانِيَّ أَيْضاً . فَنَفْسُ (البَرَاهِينِ الوَحْيَانِيَّةِ) وَالعِلْمِيَّةِ المَسْطُورَةِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَتُرَاثِ العِتْرَةِ الطَّاهِرَةِ ، هِيَ ـ فِي حَدِّ ذَاتِهَا ـ الحُجَّةُ البَالِغَةُ وَالمُثْبِتُ الأَوَّلُ لِحُجِّيَّتِهِمَا الإِلَهِيَّةِ. [مَرْكَزِيَّةُ المَعْصُومِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي تَقْوِيمِ الحُجِّيَّةِ الوَحْيَانِيَّةِ ] وَهَذِهِ الحُجِّيَّةُ (المَلَكُوتِيَّةُ) عَصِيَّةٌ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ النُّخَبِ البَشَرِيَّةِ ؛ إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى انْتِحَالِهَا ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى اسْتِنْشَاقِ شَذَاهَا أَوْ بُلُوغِ ضِفَافِهَا. وَمِنْ هُنَا ، انْعَقَدَ مَذْهَبُ أَعْلَامِ الإِمَامِيَّةِ عَلَى أَنَّ (إِجْمَاعَ الأُمَّةِ) بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً شَرْعِيَّةً مَا لَمْ يَكُنْ شَخْصُ المَعْصُومِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَحَدَ المِجْمِعِينَ ؛ وَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ : نَفْيُ (الحُجِّيَّةِ الوَحْيَانِيَّةِ) عَنْ نِتَاجِ البَشَرِ ، وَإِلَّا فَإِنَّ (اليَقِينِ الحِسِّيَّ) وَالحُجِّيَّةَ الرَّاجِعَةَ إِلَى التَّوَاتُرِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ ثَابِتَانِ بِحَسَبِ الفَرْضِ ، لَكِنَّهُمَا لَا يَرْقَيَانِ لِمَقَامِ العِصْمَةِ الوَحْيَانِيَّةِ. وَبِالْجُمْلَةِ : لَقَدْ تَطَابَقَتْ كَلِمَةُ عُلَمَاءِ الإِمَامِيَّةِ ـ قَاطِبَةً ـ مِنْ فُقَهَاءَ وَأُصُولِيِّينَ وَمُتَكَلِّمِينَ وَمُفَسِّرِينَ وَمُحَدِّثِينَ وَرِجَالِيِّينَ ، عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ ـ سَوَاءٌ فِي مَقَامِ الِاسْتِظْهَارِ أَوِ الِاسْتِنْبَاطِ أَوِ الصُّدُورِ ، وَعَلَى كَافَّةِ الأَصْعِدَةِ المَعْرِفِيَّةِ ـ يَفْتَقِرُ إِلَى الحُجِّيَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ لُطْفُ المَعْصُومِ وَشَخْصُهُ مُنْضَمّاً إِلَيْهِ ؛ وَإِلَّا لَظَلَّ حَبِيسَ (النِّتَاجِ البَشَرِيِّ) الخَاضِعِ لِمَوَازِينِ الإِصَابَةِ وَالخَطَأِ . [مُحَاكَمَةُ التَّهَافُتِ الظَّاهِرِيِّ بَيْنَ مَبْنَى الحُجِّيَّةِ وَنَفْيِ حُجِّيَّةِ الإِجْمَاعِ] إِنْ قُلْتَ : كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا المَبْنَى المَانِعُ لِحُجِّيَّةِ الإِجْمَاعِ مَعَ تَقْرِيرَاتِهِمُ الأُصُولِيَّةِ القَائِلَةِ بِحُجِّيَّةِ (التَّوَاتُرِ) وَ (الِاسْتِفَاضَةِ) ، بَلْ وَالِاحْتِجَاجِ بِمُطْلَقِ (خَبَرِ الثِّقَةِ) الَّذِي لَا يُفِيدُ فِي ذَاتِهِ إِلَّا الظَّنَّ؟ بَيَانُ ذَلِكَ : كَيْفَ يُصَارُ إِلَى هَدْرِ حُجِّيَّةِ (اتِّفَاقِ الأُمَّةِ) عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهَا ـ مُنْذُ الصَّدْرِ الأَوَّلِ وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا ـ وَإِنْ كَانَ ضِمْنَ مِلَاكِ هَذَا الِاتِّفَاقِ مَنْ هُمْ قِمَمُ الفِقْهِ وَأَوْتَادُ العِلْمِ وَعُدُولُ المُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ يُذْعَنُ ـ فِي المَقَامِ الآخَرِ ـ لِحُجِّيَّةِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ ، بَلْ وَتُرَتَّبُ الآثَارُ عَلَى خَبَرِ (الثِّقَةِ) وَإِنْ كَانَ مُنْحَرِفَ العَقِيدَةِ وَالمَسْلَكِ ؟! إِنَّ هَذَا المَنْحَى يُلَامِسُ حُدُودَ (التَّهَافُتِ المَنْطِقِيِّ) الَّذِي هُوَ أَظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ. [الضَّابِطُ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ القَدَاسَةِ الوَحْيَانِيَّةِ وَاليَقِينِ الحِسِّيِّ] قُلْتُ : يَنْحَلُّ الإِشْكَالُ بِمَا تَقَرَّرَ آنِفاً ؛ مِنْ أَنَّ مَحَطَّ نَفْيِ الحُجِّيَّةِ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا يَنْصَبُّ عَلَى سَلْبِ (الدَّرَجَةِ وَالقَدَاسَةِ الوَحْيَانِيَّةِ) عَنْ غَيْرِ المَعْصُومِ. وَبِنَاءً عَلَيْهِ : فَإِنَّ (الضَّرُورَةَ) وَ (التَّوَاتُرَ) ـ فَضْلاً عَنِ الِاسْتِفَاضَةِ وَخَبَرِ الثِّقَةِ ـ وَإِنْ كَانَتْ بِمَجْمُوعِهَا تُفْضِي إِلَى (يَقِينٍ حِسِّيٍّ) أَوْ طُمَأْنِينَةٍ عَقْلَائِيَّةٍ ، إِلَّا أَنَّهَا تَقْصُرُ رُتْبَةً عَنْ بُلُوغِ شَأْوِ (اليَقِينِ الوَحْيَانِيِّ) وَقَدَاسَتِهِ ؛ إِذِ الفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مَاهَوِيٌّ بَيْنَ نِتَاجٍ بَشَرِيٍّ يَعْتَمِدُ الِاسْتِقْرَاءَ ، وَبَيْنَ نُورٍ إِلَهِيٍّ يَعْتَصِمُ بِالعِصْمَةِ الأَزَلِيَّةِ. [الخُلَاصَةُ المَنْهَجِيَّةُ: التَّفَاضُلُ الرُّتَبِيُّ بَيْنَ أَنْمَاطِ الحُجَجِ] وَبِالْجُمْلَةِ : إِنَّ مَدْرَسَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) تَنْظُرُ إِلَى (اليَقِينِ الوَحْيَانِيِّ) ـ بَلْ وَاليَقِينِ العَقْلِيِّ البُرْهَانِيِّ ـ بِوَصْفِهِمَا نَمَطَيْنِ يَتَبَايَنَانِ فِي قِيمَتِهِمَا العِلْمِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ عَنِ (اليَقِينِ الحِسِّيِّ) المَحْضِ. وَمُؤَدَّى هَذِهِ الجَدَلِيَّةِ المَعْرِفِيَّةِ : أَنَّ عُلَمَاءَ الإِمَامِيَّةِ لَا يَقِفُونَ عِنْدَ ظَوَاهِرِ الحُجِّيَّةِ ، بَلْ يَغُوصُونَ فِي تَحْرِيرِ (رُتَبِ الحُجَجِ) وَهَنْدَسَةِ (نِظَامِهَا السِّيَادِيِّ) ؛ لِتَمْيِيزِ مَا هُوَ مُعْتَصِمٌ بِالعِصْمَةِ الإِلَهِيَّةِ عَمَّا هُوَ رَهِينُ الِاسْتِقْرَاءِ البَشَرِيِّ . [تَهَافُتُ الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّوَاتُرِ الحِسِّيِّ عَلَى الحُجِّيَّةِ الوَحْيَانِيَّةِ ] وَمِنْهُ يَنْجَلِي مَدَى فَسَادِ مَا جَنَحَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ البَاحِثِينَ ـ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مَحْسُوبٌ عَلَى الوَسَطِ الدَّاخِلِيِّ ـ ؛ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ حُجِّيَّةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ تَنْبَنِي عَلَى (التَّوَاتُرِ الحِسِّيِّ) وَقَطْعِيَّةِ السَّنَدِ عَبْرَ تَرَاكُمِ طَبَقَاتِ الرُّوَاةِ جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ. وَهِيَ لَعَمْرُ الحَقِّ دَعْوَى ضَحِلَةٌ ، عَارِيَةٌ عَنْ كُلِّ وَزْنٍ عِلْمِيٍّ ؛ ذَلِكَ أَنَّ قِيمَةَ (التَّوَاتُرِ السَّنَدِيِّ) ـ وَإِنْ أَفَادَتْ يَقِيناً ـ فَإِنَّمَا هُوَ يَقِينٌ حِسِّيٌّ بَشَرِيٌّ ، بَيْنَمَا حُجِّيَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ حُجِّيَّةٌ (وَحْيَانِيَّةٌ مُعْجِزَةٌ) ؛ فَأَيْنَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيَّا ؟ بَلْ يَلْزَمُ مِنْ مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ ـ وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَىٰ ـ أَنْ يَهْبِطَ كِتَابُ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) إِلَى مَصَافِّ كُتُبِ البَشَرِ الَّتِي تُسْتَمَدُّ مَشْرُوعِيَّتُهَا مِنَ التَّوَاتُرِ التَّارِيخِيِّ ، وَالَّتِي يُقِرُّ الجَمِيعُ ـ قَدِيماً وَحَدِيثاً ، مِنْ مُتَأَلِّهِينَ وَمَادِّيِّينَ ـ بِأَنَّهَا نِتَاجٌ يَعْتَوِرُهُ الخَطَأُ ، وَيَقْصُرُ عَنْ تَشْخِيصِ الوَاقِعِ بِصُورَةٍ مَعْصُومَةٍ . وَمِنْ ثَمَّ ؛ فَقَدْ رَصَدَتِ الدِّرَاسَاتُ العِلْمِيَّةُ فِي حُقُولٍ شَتَّى مَا يَرْبُو عَلَى (خَمْسِمِائَةِ) نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ (الخَطَأِ الحِسِّيِّ) ، بَلْ ذَهَبَتِ النَّظَرِيَّاتُ الحَدِيثَةُ إِلَى إِحْصَاءِ (ثَمَانِمِائَةِ) نَوْعٍ ، لِكُلٍّ مِنْهَا مَصَادِيقُ وَأَمْثِلَةٌ لَا تُحْصَى ، وَمِنْ بَيِّنِ تِلْكَ الشَّوَاهِدِ : الأَوَّلُ : أَنَّ الرَّائِيَ لِصُوَرِ (التِّلْفَازِ) يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا ذَاتُ حَرَكَةٍ مُتَّصِلَةٍ ، بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ الوَاقِعِيَّةُ تَنْفِي ذَلِكَ تَمَاماً ؛ إِذْ مَا هِيَ إِلَّا حُزْمَةٌ مِنْ صُوَرٍ سَاكِنَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ ، تُبَثُّ فِي الثَّانِيَةِ الوَاحِدَةِ بِعَشَرَاتِ الأُطُرِ ، بِحَيْثُ يَعْجِزُ النِّظَامُ البَصَرِيُّ عَنْ إِدْرَاكِ الفَوَاصِلِ الزَّمَنِيَّةِ بَيْنَهَا . فَنَتِيجَةً لِتَسَارُعِ تَوَارُدِ هَذِهِ الصُّوَرِ ، وَقُصُورِ القُوَّةِ البَاصِرَةِ عَنْ تَمْيِيزِ الِانْقِطَاعِ بَيْنَ لَحَظَاتِهَا ، تَقَعُ العَيْنُ فِي (حِبَالِ الخِدَاعِ) ، فَتَحْسَبُ السَّاكِنَ مِمَّا يَتَحَرَّكُ . الثَّانِي (الشُّعْلَةُ الجَوَّالَةُ) : وَهِيَ مَا يَتَجَلَّى حِينَمَا تُوضَعُ جَمْرَةٌ مُتَوَهِّجَةٌ فِي طَرَفِ خَيْطٍ أَوْ عَصًا ، ثُمَّ تُدَارُ بِحَرَكَةٍ دَوَّارَةٍ سَرِيعَةٍ ؛ فَإِنَّ الرَّائِيَ يَحْسَبُهَا حَلَقَةً دَائِرِيَّةً مُتَّصِلَةً ؛ وَذَلِكَ لِتَسَارُعِ انْطِبَاعِ الصُّوَرِ فِي العَيْنِ بِطَرِيقَةٍ تَعْجِزُ مَعَهَا عَنْ تَمْيِيزِ الفَوَاصِلِ الزَّمَانِيَّةِ وَالمَكَانِيَّةِ لِحَرَكَةِ الجَمْرَةِ. الثَّالِثُ (أَوْهَامُ الأَجْرَامِ السَّمَاوِيَّةِ) : فَقَدْ بَرْهَنَ العِلْمُ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ الَّتِي نَرْقُبُهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الوَاقِعِ الرَّاهِنِ ؛ إِذْ قَدْ تَلَاشَتْ وَفَنِيَتْ مُنْذُ مَلَايِينَ السِّنِينَ ، غَيْرَ أَنَّ أَبْعَادَهَا السَّحِيقَةَ جَعَلَتْ صُوَرَهَا الضَّوْئِيَّةَ لَا تَصِلُ إِلَى بَصَرِنَا إِلَّا فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الحِسَّ يَرَى "تَارِيخاً" لَا حَاضِراً. الرَّابِعُ (خِدَاعُ المَقَايِيسِ الكَوْنِيَّةِ) : أَنَّ النَّاظِرَ إِلَى المَجَرَّاتِ البَعِيدَةِ يَرَاهَا فِي حَجْمِ "رَأْسِ الإِبْرَةِ" لِفَرْطِ البُعْدِ ، بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ الوَاقِعِيَّةُ تَقْطَعُ بِأَنَّهَا كِيَانَاتٌ مَهُولَةٌ تَحْوِي مَلَايِينَ النُّجُومِ ، وَهَذَا يُثْبِتُ عَمَى الحِسِّ عَنْ إِدْرَاكِ الحَقَائِقِ المِقْدَارِيَّةِ عَلَى وَجْهِهَا. الخَامِسُ (المُغَالَطَةُ السَّمْعِيَّةُ) : وَتَتَمَثَّلُ فِي الأَصْوَاتِ المُسَجَّلَةِ ؛ حَيْثُ يَنْطَلِي عَلَى السَّامِعِ الوَهْمُ بِأَنَّ مَا يَلِجُ أُذُنَهُ يُبَثُّ لَحْظَةَ النُّطْقِ بِهِ (بَثّاً حَيّاً) ، وَالحَالُ أَنَّهُ صَدًى لِوَاقِعَةٍ صَوْتِيَّةٍ مَضَتْ ، مِمَّا يُؤَكِّدُ قُصُورَ السَّمْعِ عَنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الِاتِّصَالِ المَكَانِيِّ وَالِانْفِصَالِ الزَّمَانِيِّ. [قُصُورُ الإِدْرَاكِ البَصَرِيِّ فِي مَنْظُورِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ] بَلْ إِنَّ الِارْتِيَابَ فِي صِحَّةِ مَدَارِكِ الحِسِّ وَتَنْبِيهَ العُقُولِ إِلَى اشْتِبَاهَاتِهِ ، مَطْلَبٌ قَدْ أَسَّسَتْ لَهُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ بِمَا يَقْطَعُ دَابِرَ الشَّكِّ ؛ وَمِنْ جَلِيِّ ذَلِكَ : بَيَانُ الْإِمَامِ الْهَادِي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : « كَتَبْتُ إِلَىٰ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَسْأَلُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ ، فَكَتَبَ : لَا تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ هَوَاءٌ لَمْ يَنْفُذْهُ الْبَصَرُ ، فَإِذَا انْقَطَعَ الْهَوَاءُ عَنِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ لَمْ تَصِحَّ الرُّؤْيَةُ ؛ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ ؛ لِأَنَّ الرَّائِيَ مَتَىٰ سَاوَى الْمَرْئِيَّ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ بَيْنَهُمَا فِي الرُّؤْيَةِ وَجَبَ الِاشْتِبَاهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا بُدَّ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْمُسَبَّبَاتِ»(3). وَمُقْتَضَى هَذَا البُرْهَانِ المَعْصُومِيِّ : أَنَّ كُلَّ إِدْرَاكٍ حِسِّيٍّ رَهِينٌ بِشُرُوطٍ فِيزْيَائِيَّةٍ وَأَسْبَابٍ عَرَضِيَّةٍ ، مَتَى مَا اخْتَلَّتْ أَوْ تَشَابَهَتْ ، انْقَلَبَ اليَقِينُ الحِسِّيُّ وَهْماً ، وَأَوْقَعَ صَاحِبَهُ فِي مَهَاوِي التَّشْبِيهِ وَالِاشْتِبَاهِ . إِذَنْ : (الْحِسُّ) بِجَمِيعِ مَرَاتِبِهِ وَحَالَاتِهِ قَاصِرٌ عَنْ تَشْخِيصِ كُنْهِ الْوَاقِعِ بِدِقَّةٍ تَقِينِيَّةٍ ؛ فَلَا يَصِحُّ ـ بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ ـ الِارْتِهَانُ إِلَيْهِ بِوَصْفِهِ المِعْيَارَ الأَسْمَى أَوْ (الصَّنَمَ المَعْرِفِيَّ الأَكْبَرَ) ؛ لِمَا يَعْتَرِيهِ مِنْ وَهَنٍ ذَاتِيٍّ وَاضْطِرَابٍ فِي الِانْضِبَاطِ . وَمِنْ ثَمَّ ؛ يَتَحَتَّمُ فِي مَقَامِ اسْتِكْنَاهِ الحَقَائِقِ العُظْمَى الِاعْتِمَادُ عَلَى (العَقْلِ البُرْهَانِيِّ) ، وَمِنْ وَرَائِهِ (الوَحْيُ المَعْصُومُ) ؛ بِوَصْفِهِمَا المَرْجِعِيَّةَ العُلْيَا الَّتِي تُصَحِّحُ مَسَارَ المَدَارِكِ وَتَقْطَعُ دَابِرَ الِاشْتِبَاهِ . [الهَنْدَسَةُ الرُّتَبِيَّةُ لِلْيَقِينِيَّاتِ وَأَثَرُهَا فِي سَدَادِ الِاسْتِدْلَالِ] وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ ؛ صَنَّفَ المَنَاطِقَةُ (اليَقِينِيَّاتِ) إِلَى أَقْسَامٍ سِتَّةٍ ، تَرْتَقِي مَعَارِجَهَا بَدْءاً بِـ (الأَوَّلِيَّاتِ) ، ثُمَّ (المُشَاهَدَاتِ الحِسِّيَّةِ) ، فَـ (التَّجْرِبِيَّاتِ) ، فَمَا يَتْلُوهَا مِنْ (المُتَوَاتِرَاتِ) ، وَ (الحَدْسِيَّاتِ) ، وُصُولاً إِلَى (الفِطْرِيَّاتِ) ؛ فَجَعَلُوا الحِسِّيَّاتِ فِي المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ، بَيْنَمَا اسْتَقَرَّتِ المُتَوَاتِرَاتُ فِي الرَّابِعَةِ . وَمُؤَدَّى هَذَا التَّصْنِيفِ : أَنَّ كُلاًّ مِنَ (الإِحْكَامِ) وَ (الحُجِّيَّةِ) وَ (اليَقِينِ) يَقَعُ فِي مَنْظُومَةٍ ذَاتِ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ وَدَرَجَاتٍ مُتَفَاضِلَةٍ. إِنَّ الوَعْيَ بِأَصْلِ الحُجِّيَّةِ دُونَ الِالتِفَاتِ إِلَى سِلْسِلَةِ مَرَاتِبِهَا التَّشْكِيكِيَّةِ لَا يُثْمِرُ سَدَاداً فِي النَّظَرِ وَلَا صَوَاباً فِي الِاسْتِنْتَاجِ ؛ إِذْ إِنَّ التَّشَبُّثَ بِحُجِّيَّةِ دَلِيلٍ مَا عَلَى وَجْهِ التَّعْمِيمِ المُرْسَلِ ـ مَعَ الجَهْلِ بِرُتْبَتِهِ فِي السُّلَّمِ المَعْرِفِيِّ ـ يُفْضِي بِالبَاحِثِ إِلَى الِاعْتِصَامِ بـ (الظَّنِّ المُرَكَّبِ) أَوْ (المُتَشَابِهِ) . فَالدَّلِيلُ ـ وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مُحْكَمًا وَيُورِثُ القَطْعَ ـ إِلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ اليَقِينِ لِيُضْحِيَ "ظَنِّيّاً مُتَشَابِهاً" حِينَمَا يُوضَعُ فِي قِبَالِ مَا هُوَ (أَحْكَمُ) مِنْهُ مَنَالاً وَ (أَنْوَرُ) بُرْهَاناً . إِذَنْ : لِلْمُحْكَمِ وَالْيَقِينِ ـ بَلْ وَلِلظُّنُونِ أَيْضاً ـ طَبَقَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ وَمَرَاتِبُ مُتَفَاضِلَةٌ فِي حُجِّيَّتِهَا الْمَعْرِفِيَّةِ . وَكَمْ مِنْ فِرْقَةٍ ضَلَّ سَعْيُهَا مِنْ فِرَقِ المُسْلِمِينَ ، نَشَأَ انْحِرَافُهَا عَنِ الجَادَّةِ لِعَدَمِ التَّفَطُّنِ لِدَقَائِقِ هَذِهِ المَرَاتِبِ وَتَبَايُنِ آثَارِهَا . وَهَذِهِ الحَقِيقَةُ تُمَثِّلُ مَلْحَمَةً عِلْمِيَّةً وَفِكْرِيَّةً نَبَّهَتْ عَلَيْهَا بَيَانَاتُ الوَحْيِ ؛ إِذْ عَاتَبَ البَارِي (جَلَّتْ عَظَمَتُهُ) بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مُحْكَمِ قَوْلِهِ : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾(4). فَقَدْ زَعَمُوا قَتْلَ نَبِيِّ اللهِ عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ارْتِهَاناً لِمُعْطَيَاتِ الحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ ، بَيْدَ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ وَصَمَ فِعْلَهُمْ ذَاكَ بِأَنَّهُ (ظَنٌّ مُتَشَابِهٌ) ؛ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ فِي ذَاتِهِ دَرَجَةً مِنَ العِلْمِ لَوْلَا مُعَارَضَتُهُ بِمَا هُوَ أَرْقَى مِنْهُ دَرَجَةً . وَإِنَّمَا كَانَ ضَلَالُهُمْ بِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ البَيِّنَاتِ وَالمَعَاجِزِ الَّتِي عَايَنُوهَا مِنْ نَبِيِّ اللهِ عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وَالَّتِي تُمَثِّلُ يَقِيناً (وَحْيَانِيّاً) مُهَيْمِناً عَلَى اليَقِينِ العَقْلِيِّ ، فَضْلاً عَنِ الحِسِّيِّ المَحْضِ . وَيَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ إِلَى نُكْتَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ جَوْهَرِيَّةٍ ؛ وَهِيَ أَنَّ مَدَيَاتِ اليَقِينِ فِي (حُجِّيَّةِ الوَحْيِ) تَنْفَتِحُ عَلَى آفَاقٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ ، تَتَسِعُ بِاتِّسَاعِ المَصْدَرِ الإِلَهِيِّ المُطْلَقِ. وَهَذَا بِخِلَافِ حُدُودِ الْيَقِينِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ (حُجِّيَّةِ العَقْلِ) ـ فَضْلاً عَنْ (حُجِّيَّةِ الحِسِّ) ـ ؛ فَإِنَّهَا مَدَارِكُ مَحْصُورَةٌ بِسَقْفِ الإِمْكَانِ البَشَرِيِّ ، وَمَحْكُومَةٌ بِأُطُرٍ مُتَنَاهِيَةٍ لَا تَتَجَاوَزُهَا . وَمِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ المَعَاجِزِ البَاهِرَةِ : أَنَّهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنْبَأَهُمْ بِاسْتِحَالَةِ قَتْلِهِ ، وَبِاسْتِمْرَارِ بَقَائِهِ حَيّاً حَتَّى يَتَشَرَّفَ بِلِقَاءِ وَظُهُورِ خَاتَمِ الأَوْصِيَاءِ(5) ؛ الإِمَامِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ عِتْرَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) ، وَالِائْتِمَامِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَهَذَا الإِخْبَارُ الغَيْبِيُّ يُمَثِّلُ فِي جَوْهَرِهِ (مُعْجِزَةً وَحْيَانِيَّةً) قَاطِعَةً ، بَيْدَ أَنَّهُمْ نَبَذُوهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا تُورِثُهُ مِنْ يَقِينٍ مَلَكُوتِيٍّ مَعْصُومٍ ، لِيَنْقَادُوا خَلْفَ يَقِينٍ أَدْنَى مَرْتَبَةً وَهُوَ (اليَقِينُ الحِسِّيُّ) ؛ فَأَدَّى بِهِمْ هَذَا الخَلَلُ المَنْهَجِيُّ إِلَى السُّقُوطِ فِي مَهَاوِي (الظَّنِّ المُرَكَّبِ) وَالِاشْتِبَاهِ . [تَفْكِيكُ المُعْضِلَةِ الرَّازِيَّةِ فِي ضَوْءِ مَرَاتِبِ الحُجِّيَّةِ] وَمِنْ هُنَا يَنْجَلِي الجَوَابُ عَنِ المَعْضِلَةِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي وَاجَهَتْ (فَخْرَ الدِّينِ الرَّازِيَّ) ؛ فَمَعَ أَنَّهُ فَيْلَسُوفٌ نِحْرِيرٌ وَمُتَكَلِّمٌ قَدِيرٌ ، إِلَّا أَنَّ ذِهْنَهُ تَبَلْبَلَ ، وَمَبَانِيَهُ اضْطَرَبَتْ ، وَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الوُجُوهُ فِي تَفْسِيرِ مَفَادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ المُتَقَدِّمَةِ ، حَتَّى غَادَرَهَا دُونَ رَدٍّ حَاسِمٍ أَوْ جَوَابٍ سَدِيدٍ. إِذْ حَارَ فِي مَقْصِدِ البَارِي (جَلَّ شَأْنُهُ) ، وَتَسَاءَلَ مُسْتَشْكِلاً : هَلْ يَرُومُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ إِهْدَارَ مَصْدَرِيَّةِ (الحِسِّ) فِي نَيْلِ اليَقِينِ ، وَمِنْ ثَمَّ تَقْوِيضَ حُجِّيَّةِ (التَّوَاتُرِ) ؟ وَالحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلأُمَّةِ ـ فِي ظَنِّهِ ـ (6)مَصْدَرٌ سِوَاهُ لِإِثْبَاتِ أَصْلِ الدِّينِ وَقَطْعِيَّةِ صُدُورِ القُرْآنِ المَجِيدِ . وَنَصُّ عِبَارَتِهِ : « وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَىٰ لَمَّا حَكَىٰ عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوا عِيسَىٰ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاللَّهُ تَعَالَىٰ كَذَّبَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّعْوَىٰ ، وَقَالَ : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾(7)، وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ : ... السُّؤَالُ الثَّانِي : أَنَّهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ يُلْقِي شَبَهَ إِنْسَانٍ عَلَىٰ إِنْسَانٍ آخَرَ فَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ السَّفْسَطَةِ ؛ فَإِنَّا إِذَا رَأَيْنَا زَيْدًا فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِزَيْدٍ ، وَلَكِنَّهُ أَلْقَىٰ شَبَهَ زَيْدٍ عَلَيْهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْمِلْكُ وُثُوقًا بِهِ ، وَأَيْضًا يُفْضِي إِلَى الْقَدْحِ فِي التَّوَاتُرِ ؛ لِأَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِشَرْطِ انْتِهَائِهِ فِي الْآخِرِ إِلَى الْمَحْسُوسِ ، فَإِذَا جَوَّزْنَا حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ تَوَجَّهَ الطَّعْنُ فِي التَّوَاتُرِ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ ... وَبِالْجُمْلَةِ : فَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي التَّوَاتُرِ ، وَالطَّعْنُ فِيهِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي نُبُوَّةِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ (عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ) ، فَهَذَا فَرْعٌ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي الْأُصُولِ فَكَانَ مَرْدُودًا. وَالْجَوَابُ: اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَذَكَرُوا وُجُوهًا : الْأَوَّلُ : ... الثَّانِي : ... الثَّالِثُ : ... الرَّابِعُ : ... وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مُتَعَارِضَةٌ مُتَدَافِعَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ»(8). وَجَوَابُهَا : قَدْ تَبَيَّنَ وَانْجَلَى بِمَا سَلَفَ مِنَ التَّقْرِيرِ ؛ فَإِنَّ حُجِّيَّةَ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ وَقَدَاسَتَهُ لَمْ تُسْتَمَدَّ ـ أَصَالَةً ـ مِنْ خِلَالِ الِاتِّفَاقِ الجَمْعِيِّ ، أَوْ تَوَاتُرِ نُسَخِهِ بَيْنَ أَجْيَالِ الأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا ؛ إِذْ لَيْسَ التَّوَاتُرُ إِلَّا طَرِيقاً حِسِّيّاً لِلثُّبُوتِ التَّارِيخِيِّ . بَلِ التَّحْقِيقُ يَقْتَضِي : أَنَّ حُجِّيَّتَهُ قَدْ نَهَضَتْ عَلَى رُكْنِ (القَطْعِ العَقْلِيِّ البُرْهَانِيِّ) ، بَلْ وَ (اليَقِينِ الوَحْيَانِيِّ) المُسْتَفَادِ مِنْ مَضَامِينِهِ الإِعْجَازِيَّةِ ، المُفَسَّرَةِ بِبَيَانَاتِ عِدْلِ القُرْآنِ وَهُمْ (أَهْلُ البَيْتِ) صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ. وَلَوْلَا هَذَا الِاعْتِصَامُ بِاليَقِينِ الوَحْيَانِيِّ ، لَهَبَطَ القُرْآنُ إِلَى مَصَافِّ النِّتَاجِ البَشَرِيِّ الخَاضِعِ لِقَوَانِينِ المَادَّةِ ، وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ (الرَّازِيِّ) مِنْ جُذُورِهِ ، وَتَتَهَاوَى مَعَهُ شُبُهَاتُ (الحَدَاثَوِيِّينَ) الَّذِينَ حَاوَلُوا أَنْسَنَةَ النَّصِّ الوَحْيَانِيِّ وَإِخْضَاعَهُ لِمَقَايِيسِ النَّقْدِ البَشَرِيِّ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فِي رِوَايَةِ الشَّيْخِ بَعْدَ قَوْلِهِ : « وَنُورِي » « وَنُورِ فَاطِمَةَ » . وَعَلَىٰ هَذَا فَالْخَمْسَةُ إِمَّا مَبْنِيٌّ عَلَىٰ اتِّحَادِ نُورَيْ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا ، أَوِ اتِّحَادِ نُورَيِ الْحَسَنَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ؛ بِقَرِينَةِ عَدَمِ تَوَسُّطِ النُّورِ فِي الْبَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : « وَنُورُ تِسْعَةٍ » مَعْطُوفًا عَلَى الْخَمْسَةِ . (بِحَارُ الْأَنْوَارِ). (2) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 35 : 69 / ح 3. أَمَالِي الشَّيْخِ : 192. الْإِحْتِجَاجُ : 122. (3) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 4 : 34 / ح 12. (4) النِّسَاءُ : 157. (5) لَقَدْ تَضَافَرَتْ بَيَانَاتُ الآثَارِ وَالنُّصُوصِ المَرْوِيَّةِ عَلَى تَقْرِيرِ حَقِيقَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ مَفَادُهَا : أَنَّ (مَقَامَ خَاتَمِ الأَوْصِيَاءِ) رُتْبَةٌ قُدْسِيَّةٌ يَشْتَرِكُ فِي مَلَاكِهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَحَفِيدُهُ الإِمَامُ الثَّانِي عَشَرَ (صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا أَبَدَ الآبِدِينَ) . (6) وَيَنْفَرِدُ عَنْ ذَلِكَ الِانْحِصَارِ مَنْهَجُ (مَدْرَسَةِ أَهْلِ البَيْتِ) ـ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ ـ ؛ إِذْ لَا يَقِفُونَ عِنْدَ عَتَبَاتِ الحِسِّ وَالتَّوَاتُرِ البَشَرِيِّ ، بَلْ يَعْتَصِمُونَ بِمَصْدَرٍ أَعْلَى وَأَقْوَمَ ، وَهُوَ (الوَحْيُ المَعْصُومُ) المُسْتَمِرُّ فِي ظِلَالِ الحُجَجِ الإِلَهِيَّةِ . (7) النِّسَاءُ : 157. (8) تَفْسِيرُ الرَّازِيِّ ، ج 11، سُورَةُ النِّسَاءِ ، آيَةُ : 157، ص: 99 ـ 100