/ الْفَائِدَةُ : (25/ 292) /
13/04/2026
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [مَاهِيَّةُ الحُجِّيَّةِ: مِنْ وَحْدَةِ العُنْوَانِ إِلَى تَعَدُّدِ المَرَاتِبِ وَالأَطْوَارِ] هُنَاكَ مَبْحَثٌ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ وَالخُطُورَةِ ـ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ مِنْ بَيَانَاتِ الوَحْيِ ـ وَمُؤَدَّاهُ : أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى البَاحِثِ وَالمُسْتَنْبِطِ الفِطْنَةُ ، وَتَدَقُّقُ النَّظَرِ فِي أَنَّ لِلْحُجِّيَّةِ مَعَانِيَ مَقُولِيَّةً ، وَأَصْنَافاً وَأَنْمَاطاً مُتَفَاوِتَةً . فَلَا يَسُوغُ لَهُمَا تَوَهُّمُ أَنَّ (حَقِيقَةَ الحُجِّيَّةِ) أَوْ مَرَاتِبَ الحُجَجِ تَجْرِي عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَاهِيَّةٍ (فَارِدَةٍ) ؛ بَلْ لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْهَا كُنْهٌ مَخْصُوصٌ ، وَدَوْرٌ وَظِيفِيٌّ مُتَمَايِزٌ فِي طَوْرَيِ (تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ) وَ (أَدَائِهَا) ، بِمَا يَنْعَكِسُ جَلِيّاً عَلَى مَسَارِ الِاسْتِدْلَالِ وَقِيمَةِ الِانْكِشَافِ المَوْضُوعِيِّ . وَمِنْ مَصَادِيقِ هَذِهِ الحُجَجِ وَتَجَلِّيَاتِهَا المَعْرِفِيَّةِ : 1- الكَاشِفِيَّةُ : وَهِيَ جِهَةُ الإِبَانَةِ فِي الدَّلِيلِ ؛ فَكُلُّ مَا أَوْجَدَ فَهْماً وَأَحْدَثَ انْكِشَافاً لِلْوَاقِعِ يُسَمَّى فِي عُرْفِ المَعْرِفَةِ : (حُجَّةً). 2- البُرْهَانُ التَّامُّ : وَهِيَ البَيِّنَةُ القَاطِعَةُ الَّتِي ارْتَفَعَ عَنْهَا لَبْسُ الخَفَاءِ ، وَاسْتَقَامتْ عَلَى جَادَّةِ اليَقِينِ(1). 3- الوَسِيطُ (قَنَاةُ الإِيصَالِ) : وَيُرَادُ بِهِ ذَاتُ المَتْنِ المُبَيِّنِ لِلْحَقَائِقِ ؛ وَهُوَ مَا يُعْرَفُ فِي العُلُومِ العَقَلِيَّةِ بِـ (الوَسِيطِ البُرْهَانِيِّ) المُسْتَلْزِمِ لِلنَّتِيجَةِ ذَاتاً ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ عُنْوَانُ الحُجَّةِ أَيْضاً. 4- المُلْقِي (الفَاعِلُ لِلْبَيَانِ) : وَهُوَ المَصْدَرُ العَالِمُ وَالمُعَلِّمُ(2) المَفِيضُ لِلدَّلِيلِ ؛ فَمُصْدِرُ الحَقِيقَةِ وَمُظْهِرُهَا يُعَدُّ فِي مَنْطِقِ الوَحْيِ (حُجَّةً). 5- الشَّاهِدُ وَالمُرَاقِبُ : وَهِيَ الحُجِّيَّةُ القَائِمَةُ عَلَى الرَّقَابَةِ وَالشُّهُودِ المَلَكُوتِيِّ عَلَى مَسَارِ التَّكْلِيفِ. 6- المُرَبِّي : وَهِيَ الحُجِّيَّةُ ذَاتُ البُعْدِ التَّكْمِيلِيِّ الَّتِي تَقُومُ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَسْدِيدِهَا نَحْوَ الحَقِّ. 7- المُتَلَقِّي (القَابِلُ لِلْبَيَانِ) : وَهُوَ المُتَعَلِّمُ المُنْفَعِلُ بِالدَّلِيلِ ؛ فَمَا يَنْطَبِعُ فِي نَفْسِ القَابِلِ مِنَ الفَهْمِ وَاليَقِينِ يُسَمَّى ـ بِاعْتِبَارِ حُصُولِهِ ـ (حُجَّةً). 8- المُنْجِزِيَّةُ وَالمُعَذِّرِيَّةُ : وَهِيَ الوَظِيفَةُ الأُصُولِيَّةُ لِلْحُجَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي قَطْعَ مَعْذِرَةِ المَكَلَّفِ أَوْ إِثْبَاتَهَا. 9- المَوْلَوِيَّةُ : وَهِيَ جِهَةُ السُّلْطَانِ وَحَقُّ الطَّاعَةِ المُنْبَثِقِ مِنْ مَقَامِ الآمِرِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ . [تَحْلِيلُ التَّفَاوُتِ السِّنْخِيِّ لِلْحُجِّيَّةِ وَتَفْكِيكُ مَفْهُومِ اليَقِينِ] إِنَّ هَذَا التَّعَدُّدَ القَائِمَ فِي مَاهِيَّةِ الحُجِّيَّةِ وَمَرَاتِبِهَا لَيْسَ تَعَدُّداً بِاعْتِبَارِ الأَفْرَادِ وَالمَصَادِيقِ فَحَسْبُ ، بَلْ هُوَ اخْتِلَافٌ جَوْهَرِيٌّ يَعُودُ إِلَى (سِنْخِ الحُجِّيَّةِ) وَنَمَطِهَا وَطَبِيعَتِهَا الوَظِيفِيَّةِ . وَمِنْ هُنَا نَجِدُ الأُصُولِيَّ الحَاذِقَ يَنْتَقِي لِلْحُجِّيَّةِ مَعْنًى رُتْبِيّاً فِي (مَبْحَثِ القَطْعِ) ، وَيَصِيغُ لَهَا مَعْنًى آخَرَ فِي (مَبْحَثِ الحُجَجِ وَالأَمَارَاتِ) ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى تَعْرِيفٍ ثَالِثٍ فِي (الأُصُولِ العَمَلِيَّةِ) ، وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ . وَلَيْسَ هَذَا التَّغَايُرُ نَاتِجاً عَنِ اضْطِرَابٍ فِي المَبْنَى ، بَلْ هُوَ (اضْطِرَارٌ مَنْهَجِيٌّ) تَقْتَضِيهِ ضَرُورَةُ الدِّقَّةِ ؛ لِتَوْفِيرِ التَّفَاسِيرِ المُلَائِمَةِ لِكُلِّ نَوْعٍ ، وَتَنْزِيلِ كُلِّ مَبْحَثٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ المَعَانِي. وَمِمَّا سَلَفَ يَنْجَلِي : أَنَّ إِطْلَاقَ عُنْوَانِ (اليَقِينِ الحُجَّةِ) لَا يَنْحَصِرُ فِي مَرْتَبَةِ (الإِذْعَانِ النَّفْسِيِّ) وَالقَطْعِ الحَاصِلِ لَدَى المُتَيَقِّنِ ـ شَرِيطَةَ سَدَادِ مَنْشَئِهِ وَمُطَابَقَتِهِ لِلْوَاقِعِ ـ بَلْ يَتَّسِعُ لِيَشْمَلَ (ذَاتَ الدَّلِيلِ) ، وَيَسْتَوْعِبَ أَسْبَابَ الإِذْعَانِ وَمُقَدِّمَاتِ البَيَانِ كَافَّةً . وَمِنْ هُنَا وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ ـ سِيَاقاً لِذَمِّ بَعْضِ الأُمَمِ ـ وَصْفُ اعْتِقَادِهِمُ الجَازِمِ بِأَنَّهُ (ظَنٌّ مُتَشَابِهٌ) ؛ لِافْتِقَارِهِ إِلَى الرَّكِيزَةِ البُرْهَانِيَّةِ. فَلَاحِظْ : بَيَانَاتِ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ الْمُقْتَصِّ لِخَبَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾(3). فَقَدْ وَسَمَ المَوْلَىٰ (جَلَّ قُدْسُهُ) قَطْعَهُمْ بِصَلْبِ المَسِيحِ عِيسَىٰ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِوَصْفِ (الظَّنِّ المُتَشَابِهِ) ؛ وَذَٰلِكَ لِقِيَامِهِ عَلَى رَكِيزَةٍ مِنَ الأَسْبَابِ وَالمُقَدِّمَاتِ الَّتِي لَا تَسْتَلْزِمُ النَّتِيجَةَ الحَقَّةَ بِنَحْوِ (الضَّرُورَةِ المَنْطِقِيَّةِ) . فَنَفْيُ "اليَقِينِ" فِي هَٰذَا المَقَامِ لَمْ يَكُنْ بِلِحَاظِ انْتِفَاءِ حَالَةِ (الإِذْعَانِ النَّفْسِيِّ) لَدَيْهِمْ ، بَلْ بِلِحَاظِ فِقْدَانِ (السَّبَبِ المَوْضُوعِيِّ) المُوجِبِ لِلْعِلْمِ بِالضَّرُورَةِ. وَيَتَجَلَّىٰ هَٰذَا المَعْنَىٰ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾(4). فَهَٰذَانِ آيَتَانِ وَحْيَانِيَّتَانِ ، خَلَعَ الوَحْيُ عَلَيْهِمَا عُنْوَانَ (الحُجِّيَّةِ) وَ (البُرْهَانِ) بِلِحَاظِ "ذَاتِ مَا أُلْقِيَ" ؛ وَهُوَ السَّبَبُ المَعْرِفِيُّ وَالمُقَدِّمَةُ المُورِثَةُ لِلْيَقِينِ حَقّاً . فَرَغْمَ أَنَّ أَقْوَامَ القُرُونِ الأُولَىٰ وَطَاغِيَةَ عَصْرِهِ "فِرْعَوْنَ" لَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الجَزْمُ وَلَا الإِذْعَانُ بِتِلْكَ البَيَانَاتِ وَالمُعَجِزَاتِ ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ ضَمَائِرُهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِهَا ، إِلَّا أَنَّ الحَقَّ (سُبْحَانَهُ) مَنَحَهَا صِفَةَ "البُرْهَانِ" ؛ لِكَوْنِهَا مُقَدِّمَاتٍ صَالِحَةً لِإِنْتَاجِ اليَقِينِ لَوْ خُلِّيَ العَقْلُ وَفِطْرَتَهُ. ثُمَّ إِنَّ الحُكَمَاءَ وَالفَلَاسِفَةَ ـ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَرْبَابِ المَنْطِقِ ـ قَدِ اسْتَقَوْا هَٰذِهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ الدَّقِيقَةَ مِنْ مِشْكَاةِ الوَحْيِ ، ثُمَّ صَاغُوهَا فِي قَوَالِبِهِمُ المَعْرِفِيَّةِ بَعْدَ ذَٰلِكَ . [نَقْدُ المَبْنَى السَّيْكُولُوجِيِّ لِلْقَطْعِ: مَوْضُوعِيَّةُ اليَقِينِ فِي قِبَالِ ذَاتِيَّةِ الإِذْعَانِ] هَذَا وَقَدْ نَحَا جُمْهُورُ الأُصُولِيِّينَ فِي القُرُونِ الثَّلَاثَةِ المُتَأَخِّرَةِ مَنْحًى مُغَايِراً لِمَا تَقَرَّرَ ؛ إِذْ قَصَرُوا (الحُجِّيَّةَ الذَّاتِيَّةَ) عَلَى رُتْبَةِ الإِذْعَانِ وَالجَزْمِ النَّفْسِيِّ ، فَأَسْنَدُوا مِلَاكَ الحُجِّيَّةِ لِلْقَطْعِ بِمَا هُوَ (حَالَةٌ سَيكُولُوجِيَّةٌ) ، دُونَ اليَقِينِ بِمَا هُوَ (انْكِشَافٌ بَرْهَانِيٌّ). وَالحَقُّ الَّذِي تَعْضُدُهُ نُصُوصُ الوَحْيِ وَيَقْتَضِيهِ (التَّحْقِيقُ المَنَاطِيُّ) : أَنَّ حُجِّيَّةَ الإِذْعَانِ وَالجَزْمِ وَالقَطْعِ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً لِعَيْنِ النَّفْسِ ، وَلَا تَدُورُ الحُجِّيَّةُ وُجُوداً وَعَدَماً مَدَارَ شِدَّةِ الإِذْعَانِ أَوْ ضَعْفِهِ فِي الوِجْدَانِ ، بَلْ مَدَارُهَا الكَاشِفِيَّةُ الحَقَّةُ عَنِ الوَاقِعِ. نَعَمْ ؛ إِنَّ المُرْتَكَزَ العِلْمِيَّ يَقْضِي بِإِطْلَاقِ عُنْوَانِ (الحُجِّيَّةِ) عَلَى مَبَادِئِ النَّتِيجَةِ وَمُقَدِّمَاتِ الإِذْعَانِ ، وَإِنْ كَانَ جَعْلُهُمُ (القَطْعَ) مَدَاراً لِلْحُجِّيَّةِ لَا يُسْعِفُ فِي تَحْقِيقِ هَذَا المَقْصِدِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ تَقَرَّرَ فِي بَحْثِ (قَطْعِ القَطَّاعِ) : أَنَّ مَنَاطَ الحُجِّيَّةِ لَيْسَ هُوَ القَطْعُ بِمَا هُوَ (انْكِشَافٌ نَفْسِيٌّ مَحْضٌ) ، بَلْ بِمَا يَحُفُّهُ مِنْ أَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَاتٍ صَالِحَةٍ لِلِاسْتِنَادِ بِمُوجِبِ النَّظْمِ المَنْطِقِيِّ. وَلَوْ قِيلَ : إِنَّ المَدَارَ هُوَ القَطْعُ بِمَا هُوَ إِذْعَانٌ مُجَرَّدٌ ـ دُونَ نَظَرٍ لِسَدَادِ المُقَدِّمَاتِ ـ لَلَزِمَ القَوْلُ بِمُعَذِّرِيَّةِ كُلِّ مَنِ اعْتَنَقَ عَقِيدَةً فَاسِدَةً أَوْ رُؤْيَةً ضَالَّةً مَا دَامَ قَاطِعاً بِهَا ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالوِجْدَانِ وَبِضَرُورَةِ الوَحْيِ وَالعَقْلِ . وَإِذَا بَطَلَ (التَّالِي) بَطَلَ (المُقَدَّمُ) ضَرُورَةً ؛ وَمِنْ هُنَا يَلْزَمُ مُسَاءَلَتُهُ وَمُؤَاخَذَتُهُ بِلِحَاظِ خَلَلِ الأَسْبَابِ وَالمُقَدِّمَاتِ الَّتِي أَفْضَتْ بِهِ إِلَى تِلْكَ النَّتِيجَةِ. وَيُضَافُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ : مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) فِي دُعَاءِ كُمَيْلٍ : « ... فَبِاليَقِينِ أَقْطَعُ ... »(5). فإِنَّه برهانٌ وحيانيٌّ دالٌّ عَلَى جُمْلَةِ حِكَمٍ ، مِنْهَا : أَنَّ (اليَقِينَ) يُغَايِرُ (القَطْعَ) مَفْهُوماً وَمَصْدَاقاً ؛ إِذِ اليَقِينُ أَحَدُ مُسْتَنَدَاتِ القَطْعِ وَمَبَادِئِهِ لَا العَكْسُ. [الفَصْلُ المَنْهَجِيُّ بَيْنَ اليَقِينِ وَالقَطْعِ: نَحْوَ تَصْحِيحِ مَسَارِ الحُجِّيَّةِ الذَّاتِيَّةِ] وَحَاصِلُ تِلْكَ المُنَافَاةِ وَالمُغَايَرَةِ : أَنَّ (اليَقِينَ) فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ القُوَى الإِدْرَاكِيَّةِ العِلْمِيَّةِ ـ العَقْلِ النَّظَرِيِّ ـ لَدَى النَّفْسِ ، بِخِلَافِ (القَطْعِ) ؛ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ : جَزْمٍ ، وَتَسْلِيمٍ ، وَانْقِيَادٍ ، وَهِيَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ (العَقْلِ العَمَلِيِّ) . وَعَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ مَدَارَ مَبَاحِثِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ ، وَالهِدَايَةِ وَالضَّلَالِ ، وَالتَّصْدِيقِ وَالكُفْرِ ؛ إِنَّمَا يَنْضَبِطُ بِأَفْعَالِ العَقْلِ العَمَلِيِّ وَوَظَائِفِهِ الأَصِيلَةِ ، لَا بِمُجَرَّدِ الإِدْرَاكِ الصُّورِيِّ. وَهَذَا المَبْحَثُ قَدِ التَبَسَ فِي جُمْلَةٍ مِنْ تَحْرِيرَاتِهِ : الفِقْهِيَّةِ وَالكَلَامِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ ؛ بِسَبَبِ دَمْجِ (ابْنِ سِينَا) بَيْنَ اليَقِينِ وَالقَطْعِ ، وَهُوَ مَا وَلَّدَ الِاشْتِبَاهَ لَدَى جَحَافِلِ الفَلَاسِفَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا ؛ بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ (الفَارَابِيُّ) ، وَمِنْ قَبْلِهِ (سُقْرَاطُ) وَ (أَفَلَاطُونُ) وَ (أَرِسْطُو) ؛ فَإِنَّهُمْ فَرَزُوا بَيْنَهُمَا فَرْزاً مَاهَوِيّاً. وَعَلَيْهِ : فَـ (القَطْعُ) تَارَةً يَكُونُ نَاشِئاً عَنِ اليَقِينِ ، وَأُخْرَى عَنْ غَيْرِهِ ؛ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ أَسْبَابٍ وَمَنَاشِئَ لَا تَصْلُحُ لِإِيرَاثِ العِلْمِ الحَقِيقِيِّ. إِذَنْ : الأَسْبَابُ وَالمُقَدِّمَاتُ المُنْتِجَةُ لِلْكَشْفِ التَّامِّ وَالمُطَابِقَةِ لِلْوَاقِعِ هِيَ وَحْدَهَا المَوْسُومَةُ بِـ (الحُجِّيَّةِ الذَّاتِيَّةِ) ؛ وَهِيَ حُجِّيَّةُ اليَقِينِ ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذِهِ مِنَ البُحُوثِ المُسْتَجِدَّةِ الَّتِي لَمْ تُحَرَّرْ فِي عِلْمِ الأُصُولِ بِشَكْلٍ دَقِيقٍ ؛ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ إِصْلَاحَ عُنْوَانِ (الحُجِّيَّةِ الذَّاتِيَّةِ) وَحَصْرَهَا فِي اليَقِينِ لَا فِي مُطْلَقِ القَطْعِ. وَبِالجُمْلَةِ : فَإِنَّ أَبْحَاثَ هَذَا الِاخْتِلَافِ السِّنْخِيِّ غَيْرُ مُسْتَوْفَاةٍ ، وَمَسِيرُهَا العِلْمِيُّ لَا زَالَ يَقْتَضِي تَحَرِّيَاتٍ وَتَحْقِيقَاتٍ بَالِغَةً ؛ إِذْ سَبَبُ أَكْثَرِ الإِخْفَاقَاتِ لَدَى البَاحِثِينَ هُوَ : تَوَهُّمُهُمْ وَحْدَةَ مَعَانِي الحُجِّيَّةِ وَعَدَمَ تَعَدُّدِهَا . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) [قِيمةُ التَّصَوُّرِ فِي التَّكَامُلِ المَعْرِفِيِّ: نَقْدُ الِانْكِفَاءِ عَنِ المَادَّةِ الوَحْيَانِيَّةِ] إِنَّ (الحُجِّيَّةَ) وَالتَّعَبُّدَ بِهَذَا المَعْنَى المَعْرِفِيِّ الرَّصِينِ مَا هِيَ إِلَّا (نُورٌ) يَقْذِفُهُ اللهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ . وَعَلَيْهِ ؛ فَمَا بَالُ أَرْبَابِ الفَلْسَفَةِ وَالمَنْطِقِ وَالتَّيَّارَاتِ الحَدَاثَوِيَّةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ يَنْكَفِئُونَ عَنْ بَيَانَاتِ الوَحْيِ الشَّرِيفِ ؟! أَوَلَيْسُوا هُمُ القَائِلِينَ بِالقَاعِدَةِ المَنْطِقِيَّةِ : «إِذَا وَرَدَ الِاحْتِمَالُ بَطَلَ الِاسْتِدْلَالُ»؟ أَفَلَا تُوَلِّدُ المَضَامِينُ المَنْقُولَةُ عَنِ المَعْدِنِ الوَحْيَانِيِّ ـ فِي أَدْنَى مَرَاتِبِهَا ـ (احْتِمَالاً) جَدِيراً بِالبَحْثِ وَالنَّظَرِ؟! وَمَا بَالُ (المُلَّا صَدْرَا) قَدْ حَصَرَ حُجِّيَّةَ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ وَالتَّعَبُّدِيِّ فِي دَائِرَةِ (اليَقِينِ وَالتَّصْدِيقِ) فَحَسْبُ ، وَالحَالُ أَنَّ (التَّصَوُّرَ) فِي حَدِّ ذَاتِهِ جَوْهَرَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ نَفِيسَةٌ فِي مَيَادِينِ البُحُوثِ العِلْمِيَّةِ ؟ إِذْ هُوَ المِفْتَاحُ الأَسَاسُ لِاسْتِكْنَاهِ الحَقَائِقِ وَبُلُوغِ النَّتَائِجِ المَوْضُوعِيَّةِ . بَلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْفَعُ غَيَاهِبَ (الجَهْلِ المُرَكَّبِ) وَيُزَحْزِحُ رُكَامَهُ غَيْرُ فَتْحِ بَابِ (التَّصَوُّرِ وَالِاحْتِمَالِ) ؟! وَيَا لَهَا مِنْ ثَمَرَةٍ عِلْمِيَّةٍ بَاذِخَةٍ ؛ فَإِنَّ جُلَّ ضَلَالِ البَشَرِيَّةِ وَإِخْفَاقَاتِهَا المَعْرِفِيَّةِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ سِنْخِ ذَلِكَ الجَهْلِ المُرَكَّبِ . (2) [الرَّاتِبَةُ المَعْرِفِيَّةُ لِمَعَادِنِ الوَحْيِ وَسِيَادَةُ المَقَامِ الِاصْطِفَائِيِّ] إِنَّ هَذَا المَقَامَ لِأَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) مَقَامٌ سَنِيٌّ غَفَلَتْ عَنْهُ المَدَارِسُ المَعْرِفِيَّةُ البَشَرِيَّةُ ؛ وَهُوَ مَا يَكْشِفُ عَنْ سِرِّ انْكِفَاءِ الفَلَاسِفَةِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ عَنْ بَيَانَاتِ الوَحْيِ الشَّرِيفِ. وَبِالجُمْلَةِ : فَقَدْ نَصَبَ البَارِي (جَلَّ شَأْنُهُ) طَوَاقِمَ وَمَرَاتِبَ مِنَ المَعْنِيِّينَ بِالتَّعْلِيمِ وَالهِدَايَةِ : أَوَّلُهَا : الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْصِيَاءُ وَالأَصْفِيَاءُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، وَيَتَرَبَّعُ عَلَى ذُرْوَةِ هَذَا الهَرَمِ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ وَآلُ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ (الدَّائِرَةِ الِاصْطِفَائِيَّةِ الأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةِ) ؛ إِذْ هُمْ يُحْدِثُونَ نَمَطاً مِنَ العِلْمِ الَّذِي يَقْصُرُ عَنْ نَيْلِهِ بَاعُ البَشَرِ ، وَتَعْجِزُ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِهِ مَكِنَتُهُمْ لَوْلَا مِدَادُ فَيْضِهِمْ. ثَانِيهَا : عُمُومُ المُؤْمِنِينَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِمْ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ ؛ مِنْهَا قَوْلُهُ (جَلَّ وَعَلَا) : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران : 104] ، وَيَبْقَى المِصْدَاقُ الأَجْلَى وَالأَتَمُّ لِهَذَا البَيَانِ الوَحْيَانِيِّ هُمْ أَهْلُ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) بِرُتْبَتَيْهِمُ الِاصْطِفَائِيَّتَيْنِ. ثَالِثُهَا : الفُقَهَاءُ المَوْسُومُونَ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ أَيْضاً ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾[التوبة: 122] . (3) النِّسَاءِ : 107. (4) الْقَصَصِ : 31ـ 32. (5) إِقبال الأَعمال ، 3: 336