/ الْفَائِدَةُ : (27/ 294) /

18/04/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [المُوَازَنَةُ بَيْنَ الحُجَجِ وَمَنَاهِجُ التَّرْجِيحِ] [تَرَاتُبِيَّةُ الأَدِلَّةِ: الحُجَجُ عَلَى مَرَاتِبَ وَطَبَقَاتٍ] [نِسْبِيَّةُ الحُجِّيَّةِ : اِسْتِحَالَةُ القَطْعِيِّ ظَنّاً عِنْدَ المُعَارَضَةِ بِالأَقْوَى] إِنَّ لِلْمُحْكَمَاتِ وَاليَقِينِيَّاتِ ، وَلِمَقَامَاتِ الحُجِّيَّةِ سَلَالِمَ وَدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةً فِي الإِحْكَامِ ؛ وَإِنَّ الإِدْرَاكَ لِأَصْلِ الحُجِّيَّةِ مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ تَرَاتُبِيَّةِ نِظَامِهَا وَتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ مَتَانَتِهَا ، مَزْلَقَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ لَا تُفْضِي إِلَىٰ سَدَادٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَلَا إِلَىٰ صَوَابٍ فِي النَّتَائِجِ . فَالتَّشَبُّثُ بِدَلِيلٍ مَا عَلَىٰ وَجْهِ التَّعْمِيمِ المُطْلَقِ ـ بِمَعْزِلٍ عَنْ رِعَايَةِ رُتْبَتِهِ فِي سُلَّمِ المَعْرِفَةِ ـ لَيْسَ إِلَّا اعْتِصَاماً بِـ (الظَّنِّ المَوْسُومِ بِالتَّشَابُه) ؛ إِذِ الدَّلِيلُ ، وَإِنْ قَامَ فِي ذَاتِهِ عَلَىٰ أَرْكَانِ اليَقِينِ ، إِلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ عِنْدَ التَّمَانُعِ مَعَ مَا هُوَ أَمْتَنُ مِنْهُ أَنْطُولُوجِيَّاً وَمَعْرِفِيَّاً ، فَيَنْحَطُّ قَسْراً مِنْ شُمُوخِ اليَقِينِ إِلَىٰ حَضِيضِ الظَّنِّ النِّسْبِيِّ . وَمِنْ ثَمَّ ؛ فَإِنَّ لِلْمُحْكَمَاتِ وَاليَقِينِيَّاتِ تَرَاتُبًا طَبَقِيًّا ؛ يَسْتَوْجِبُ عَرْضَ المَرْجُوحِ عَلَى الرَّاجِحِ ، وَتَحْكِيمَ المَرْتَبَةِ الصَّاعِدَةِ فِي النَّازِلَةِ ، وَالأَقْوَىٰ فِي الأَضْعَفِ ؛ وَإِلَّا كَانَ المَصِيرُ إِلَىٰ مَتَاهَاتِ الزَّيْغِ وَمَهَاوِي الِانْحِرَافِ . وَهَذَا المِعْيَارُ هُوَ الكَاشِفُ عَنْ عِلَّةِ انْحِرَافِ جُمْلَةٍ مِنَ المَذَاهِبِ وَالفِرَقِ ؛ إِذْ كَانَ ضَلَالُهَا نَاشِئًا مِنْ عَدَمِ التَّفَطُّنِ لِهَذَا التَّفَاوُتِ الرُّتْبِيِّ ، وَالذُّهُولِ عَنْ حَقِيقَةِ التَّمَايُزِ بَيْنَ طَبَقَاتِ الأَدِلَّةِ وَمَرَاتِبِ الغَايَاتِ . وَتِلْكَ مَلْحَمَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ ، وَمَنْعَطَفٌ عَقَدِيٌّ بَالِغُ الأَهَمِيَّةِ وَالخُطُورَةِ ، قَدْ شَدَّدَتْ عَلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ بِمَا لَا يَقْبَلُ اللَّبْسَ ؛ وَتَجَلَّىٰ ذَلِكَ جَلِيًّا فِي السِّيرَةِ الِاحْتِجَاجِيَّةِ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِبَّانَ حُرُوبِهِ الثَّلَاثِ : (الجَمَلِ ، وَصِفِّينَ ، وَالنَّهْرَوَانِ) . وَمِنْ ثَمَّ ، وَقَعَ الكَثِيرُ فِي وَهْمِ الحِسِّ ؛ حِينَ حَسِبُوا أَنَّ الغَايَةَ القُصْوَىٰ لِتِلْكَ المَعَارِكِ نَازِعَةٌ نَحْوَ الحَسْمِ العَسْكَرِيِّ وَإِبَادَةِ الخُصُومِ فَحَسْبُ ؛ بَيْدَ أَنَّ الحَقِيقَةَ المُتَوخَّاةَ الَّتِي أَنْجَزَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تَتَمَثَّلُ فِي (فَقْءِ عَيْنِ الفِتْنَةِ) ؛ بِوَصْفِهَا عَمَلِيَّةً جِرَاحِيَّةً لِتَفْكِيكِ بُنْيَةِ الضَّلَالِ ، لَا مُجَرَّدَ سَحْقٍ لِلأَبْدَانِ . وَإِلَىٰ هَذَا أَشارَتْ بَياناتُهُ (صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، مِنْها : أَوَّلاً : بَيانُهُ (عَلَيْهِ السَّلامُ) : « ... فَأَنا فَقَأْتُ عَيْنَ الفِتْنَةِ بِباطِنِها وَظاهِرِها ... »(1) . ثانِياً : بَيانُهُ (عَلَيْهِ السَّلامُ) أَيْضاً : « ... فَأَنا فَقَأْتُ عَيْنَ الفِتْنَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْها أَحَدٌ غَيْرِي ، بَعْدَ أَنْ ماجَ غَيْهَبُها ، وَاشْتَدَّ كَلَبُها ... »(2) . ثَالِثاً : بَيَانُهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَيْضاً : « أَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ، وَلَوْلَا أَنَا مَا قُوتِلَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ وَلَا أَصْحَابُ الْجَمَلِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أَخْشَىٰ أَنْ تَتَّكِلُوا فَتَدَعُوا الْعَمَلَ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِالَّذِي قَضَى اللّٰـهُ عَلَىٰ لِسَانِ نَبِيِّكُمْ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ ؛ مُبْصِراً بِضَلَالِهِمْ ، عَارِفاً لِلْهُدَىٰ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ »(3). رَابِعاً : بَيَانُ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ فِي تَفْسِيرِهِ لِبَيَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِمَا) : « ... فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ ، وَأَقْتُلُ أُصُولَ الضَّلَالَةِ ... »(4). وَدَلالَةُ الجَمِيعِ واضِحَةٌ ؛ فَإِنَّهُ (عَلَيْهِ السَّلامُ) أَرْسَىٰ ـ فِي مَوْقِعَةِ الجَمَلِ مَثَلًا ـ مِعْياراً ناقِضاً لِلتَّقْدِيسِ الصُّورِيِّ ؛ مُفَادُهُ أَنَّ الرُّتْبَةَ الِاعْتِبَارِيَّةَ لِلصُّحْبَةِ أَوْ لِأُمُومَةِ المُؤْمِنِينَ لَا تُشَكِّلُ حَصَانَةً أَمَامَ الزَّيْغِ عَنْ جَادَّةِ الدِّينِ ، وَلَا تَقْبَلُ المُقَايَضَةَ عَلَىٰ الثَّوَابِتِ ؛ فَإِذَا مَا اصْطَدَمَتِ الذَّوَاتُ بِالحَقِيقَةِ ، كَانَ الِانْتِصَارُ لِلأَصْلِ الدِّينِيِّ هُوَ الغَايَةَ القُصْوَىٰ . إِنَّ هَذِهِ البَصِيرَةَ المَقَاصِدِيَّةَ ، وَتَشْيِيدَ أَرْكَانِ هَذِهِ المَرَاتِبِ المَعْرِفِيَّةِ ، لَيَرْبُوَانِ ـ بِأَمَادٍ شَاسِعَةٍ ـ عَلَىٰ مُجَرَّدِ الظَّفَرِ المَيْدَانِيِّ وَالحَسْمِ العَسْكَرِيِّ فِي وَقْعَةِ الجَمَلِ ، أَوْ سَحْقِ مَنْ حَادَ عَنِ الحَقِّ مِنَ الصَّحْبِ . كَمَا أَنَّهَا تَبُزُّ فِي خُطُورَتِهَا كَسْرَ الشَّوْكَةِ المَادِّيَّةِ لِمُعَاوِيَةَ فِي صِفِّينَ ؛ إِذِ الغَايَةُ القُصْوَىٰ تكمُنُ فِي إِرْسَاءِ المَنَاظِمِ الإِنْسَانِيَّةِ ، وَتَقْعِيدِ الثَّوَابِتِ الحَضَارِيَّةِ الكَوْنِيَّةِ الَّتِي تَقْهَرُ الِانْدِثَارَ. وَمِثَالُ ذَلِكَ : أَنَّ المَنْظُورَ الَّذِي هَيْمَنَ عَلَىٰ الذِّهْنِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ آنَذَاكَ ، كَانَ يَقْضِي بِتَقْدِيمِ (القُرْآنِ الصَّامِتِ) ـ المُمَثَّلِ فِي المَصَاحِفِ ـ عَلَىٰ (القُرْآنِ النَّاطِقِ) المُمَثَّلِ فِي الإِمَامِ الحَقِّ . بَيْدَ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَدْ جَلَّىٰ فِي صِفِّينَ تَهَافُتَ هَذَا الِارْتِيَادِ وَضَحَالَةَ هَذَا التَّصَوُّرِ ؛ حَيْثُ أَقَامَ البُرْهَانَ عَلَىٰ أَنَّ المَصَاحِفَ الصَّامِتَةَ لَا تَعْصِمُ مِنَ الضَّلَالِ ، وَلَا تَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ، مَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِالقُرْآنِ النَّاطِقِ كَشَارِحٍ وَمُبَيِّنٍ وَقَيِّمٍ . وَتِلْكَ هِيَ العِبْرَةُ الفَارِقَةُ ، وَالبَصِيرَةُ النَّافِذَةُ الَّتِي أَرْسَى دَعَائِمَهَا وَأَمْضَى مَعَالِمَهَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ؛ إِذْ هِيَ فِي مِعْيَارِ المَعْرِفَةِ وَمِيزَانِ الدِّينِ أَوْفَرُ جَدْوَى ، وَأَبْعَدُ مَدًى وَأَثَراً مِنْ مُجَرَّدِ الِاسْتِيصَالِ المَادِّيِّ لِلْخَصْمِ ، أَوْ تَقْوِيضِ أَرْكَانِ حُشُودِهِ . وَعَلَى هَذَا المَنْهَجِ الرَّصِينِ تُقَاسُ مَلْحَمَةُ "النَّهْرَوَانِ" ؛ فَإِنَّ مَا اجْتَبَاهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) فِيهَا مِنَ المُنْجَزِ الحَضَارِيِّ لَيَرْبُو ـ بِمَرَاحِلَ شَاسِعَةٍ ـ عَلَى مَكَاسِبِ الحَسْمِ العَسْكَرِيِّ وَإِبَادَةِ المَارِقِينَ ؛ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَظِنَّةَ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ ، فَقَأَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَيْنَهَا ، وَشَيَّدَ بِإِزَائِهَا بَصِيرَةً قِيَمِيَّةً غَائِرَةً ، لَمْ تَقْتَصِرْ فُيُوضَاتُهَا عَلَى المَدَى الإِسْلَامِيِّ ، بَلْ تَعَدَّتْهُ لِتَشْمَلَ الأُفُقَ الإِنْسَانِيَّ ، وَتَسْتَوْعِبَ النِّظَامَ الكَوْنِيَّ بِأَسْرِهِ . لَقَدِ اتَّخَذَ الخَوَارِجُ(5) مِنْ أَوْرَادِ التَّقْدِيسِ جُنَّةً ، وَاعْتَصَمُوا بِشِعَارِ (لَا حُكْمَ إِلَّا لِلّٰهِ) مَعْقِلًا ؛ وَهُوَ فِي جَوْهَرِهِ مَبْدَأُ حَقٍّ وَقِسْطٍ ، بَيْدَ أَنَّ الضَّلَالَ كَانَ ثَاوِيًا فِي آلِيَّاتِ تَنْزِيلِهِ وَمَقَاصِدِ مُعْتَنِقِيهِ ؛ مِمَّا يُؤَسِّسُ لِرَكِيزَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ حَاكِمَةٍ مَفَادُهَا : أَنَّ بَهَاءَ الشِّعَارِ العَادِلِ يَجِبُ أَلَّا يَسْتَهْوِيَ أُولِي النُّهَى ، بَلْ يَنْبَغِي النَّفَاذُ إِلَى مَآلَاتِهِ وَمَا بَطَنَ مِنْ غَايَاتِهِ . وَمِنْ هُنَا انْبَلَجَ رَدُّ الإِمَامِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الفَاصِلُ إِذْ وَسَمَ مَنْطِقَهُمْ بِقَوْلِهِ : « كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ »(6). وَمُقْتَضَى هَذَا التَّأْصِيلِ : أَنَّ مَفَاهِيمَ الحَقِّ ذَاتَهَا قَدْ تُسْتَحَالُ لَبُوسًا لِلْفِتْنَةِ ؛ وَعَلَيْهِ ، فَإِنَّ قَدَاسَةَ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ ، وَمَقَامَ أُمُومَةِ المُؤْمِنِينَ ، وَصُحْبَةَ خَاتَمِ المُرْسَلِينَ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، قَدْ تَتَحَوَّلُ جَمِيعُهَا إِلَى مَوَاضِعِ اِبْتِلَاءٍ وَمَحَكَّاتٍ لِلتَّمْحِيصِ. وَتِلْكَ فِتَنٌ لَا تَنْقَشِعُ غَيَاهِبُهَا، وَلَا تُطْفَأُ نَائِرَتُهَا ، إِلَّا بِالِارْتِهَانِ إِلَى مِعْيَارِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ بِوَصْفِهِمُ القَرِينَ العِدْلَ لِلْكِتَابِ وَالمِيزَانَ الَّذِي لَا يَحِيدُ . [تَلازُمُ المِعْيَارِيَّةِ بَيْنَ القُرْآنَيْنِ: الصَّامِتِ وَالنَّاطِقِ] وَعَلَيْهِ : فَإِنَّ القُرْآنَ الصَّامِتَ يَؤُولُ ـ لَا مَحَالَةَ ـ إِلَى مَظِنَّةِ الفِتْنَةِ مَتَى مَا انْفَصَمَتْ عُرَاهُ عَنِ القُرْآنِ النَّاطِقِ . ثُمَّ إِنَّ تَجْذِيرَ هَذِهِ البَصِيرَةِ وَمَا ضَاهَاهَا فِي وِجْدَانِ الأُمَّةِ ، بَلْ فِي ضَمِيرِ الإِنْسَانِيَّةِ وَكَافَّةِ العَوَالِمِ وَبَرِيَّتِهَا ، لَا يَتَهَيَّأُ إِلَّا عَلَى يَدِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ) ؛ إِذْ مَنْ ذَا الَّذِي كَانَ يَجْرُؤُ عَلَى مُنَاجَزَةِ (أُمِّ المُؤْمِنِينَ) وَنُخْبَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ـ إِذَا مَا نَاصَبُوا أَصْلَ الدِّينِ العِدَاءَ ـ سِوَى أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ؛ بِوَصْفِهِمُ الذَّائِدِينَ عَنْ حِيَاضِ الشَّرِيعَةِ ، وَالمُرَمِّمِينَ لِبِنَاءِ الإِسْلَامِ ، وَالمُؤَصِّلِينَ لِدَعَائِمِهِ بَعْدَ رَحِيلِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ). وَالخُلَاصَةُ : أَنَّ العِبْرَةَ الَّتِي نَشَدَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ مَلَاحِمِهِ ، تَرْبُو ـ بِمَرَاحِلَ لَا تُدْرَكُ ـ عَلَى المَكَاسِبِ السِّيَاسِيَّةِ الضَّيِّقَةِ أَوِ الِانْتِصَارَاتِ العَسْكَرِيَّةِ العَابِرَةِ ؛ إِنَّهَا (بَصِيرَةٌ بِنْيَوِيَّةٌ) مَعْرِفِيَّةٌ ، وَرُؤْيَةٌ عَقَدِيَّةٌ حَضَارِيَّةٌ ؛ تَنْتَظِمُ بِهَا مَقَاصِدُ الدِّينِ القَيِّمِ ، وَتَظَلُّ شَاخِصَةً بِآثَارِهَا المَلَكُوتِيَّةِ إِلَى مَا بَعْدَ النَّشْأَةِ الأُخْرَوِيَّةِ ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ عَلَى كُلِّ ذِي لُبٍّ الِارْتِهَانَ إِلَيْهَا ، وَالعَضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ . [مُوجِبَاتُ حُصُولِ الشُّبْهَةِ لَدَى المَخْلُوقِ] وَمِمَّا سَلَفَ يَنْجَلِي : أَنَّ عِلَّةَ حُصُولِ الشُّبْهَةِ ، وَمَنْشَأَ وُقُوعِ الِالتِبَاسِ لَدَى الإِنْسَانِ ـ بَلْ لَدَى عُمُومِ المَخْلُوقَاتِ غَالِبًا ـ تَكْمُنُ فِي الِاعْتِصَامِ بِمَا لَهُ (صُورَةُ الحُجِّيَّةِ) دُونَ حَقِيقَتِهَا ، أَوْ فِي التَّمَسُّكِ بِحُجِّيَّةٍ مَرْجُوحَةٍ فِي قُبَالَةِ مَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهَا مِلَاكًا وَأَقْوَى دَلَالَةً . وَإِنَّ كَمَالَ النَّبَاهَةِ لِلرَّشَادِ ، وَأَصَالَةَ الفِطْنَةِ لِلسَّدَادِ ، وَصِدْقَ اليَقَظَةِ لِلصَّوَابِ ، لَتَرْتَهِنُ جَمِيعُهَا فِي قُدْرَةِ العَقْلِ عَلَى اسْتِقْرَاءِ مَنْظُومَةِ الأَدِلَّةِ وَالحُجَجِ ، وَالتَّدَبُّرِ فِي تَرَاتُبِ مَنَاظِمِهَا. بَيَانُ ذَلِكَ : أَنَّ الإِدْرَاكَاتِ العَقْلِيَّةَ ـ سَوَاءٌ كَانَتْ مُورِثَةً لِلْقَطْعِ وَاليَقِينِ أَمْ لَا ـ تَتَفَاوَتُ عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ ؛ وَالمَرْتَبَةُ الدَّانِيَةُ مِنْ مَرَاتِبِ اليَقِينِ تَنْقَلِبُ (ظَنًّا) عِنْدَ لِحَاظِهَا بِالقِيَاسِ إِلَى المَرَاتِبِ العُلْيَا ؛ وَذَلِكَ لِمَحْدُودِيَّةِ الدَّائِرَةِ الإِدْرَاكِيَّةِ لِلأَدْنَى (كَمًّا وَكَيْفًا) ، أَوْ لِمَحْدُودِيَّةِ أَحَدِهِمَا ؛ كَالمَدَى الكَيْفِيِّ مَثَلًا ؛ إِذْ رُغْمَ لَطَافَتِهِ وَدِقَّتِهِ ، تَبْقَى كَاشِفِيَّتُهُ مَحْصُورَةً فِي حَيِّزٍ ضَيِّقٍ ، بِخِلَافِ المَرَاتِبِ الصَّاعِدَةِ الَّتِي تَهَيْمِنُ بِإِحَاطَتِهَا الوُجُودِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ عَلَى مَا دُونَهَا . [مِعْيَارِيَّةُ الِاسْتِجْلَاءِ فِي دَائِرَةِ اليَقِينِ] وَبِنَاءً عَلَيْهِ : فَيَتَحَتَّمُ رَصْدُ دَائِرَةِ اليَقِينِ بِلِحَاظِ بُعْدَيْهَا (الْكَمِّيِّ وَالْكَيْفِيِّ) ؛ وَإِنْ كَانَ البُعْدُ الكَيْفِيُّ أَلْطَفَ مَسْلَكًا ، وَأَدَقَّ مَنْزِعًا ، وَأَغْوَرَ مَدًى ـ كَمَا سَلَفَ ـ ؛ فَالوَاجِبُ عَدَمُ الذُّهُولِ عَنْ تَقَاوُمِ كِلَيْهِمَا ، أَوِ التَّغَافُلِ عَنْ مَقَامِ تَعَاضُدِهِمَا ؛ إِذْ قَدْ تَنْحَصِرُ كَاشِفِيَّةُ اليَقِينِ فِي إِحْدَى الجِهَتَيْنِ دُونَ الأُخْرَى ، وَحِينَئِذٍ يَقْصُرُ عَنْ جَلَاءِ تَمَامِ الحَقِيقَةِ ، فَيَنْحَطُّ رُتْبَةً لِيَؤُولَ فِي الوَاقِعِ إِلَى (مَرْتَبَةِ الظَّنِّ). وَلِتَقْرِيبِ هَذَا المَعْنَى الِاعْتِبَارِيِّ ؛ نَسْتَحْضِرُ المِثَالَ المَحْسُوسَ التَّالِيَ : إِنَّ مَنْ يَرْمُقُ جِسْمًا دَقِيقًا ـ كَأَجْزَاءِ السَّاعَةِ اليَدَوِيَّةِ ـ وَقَدْ غَمَرَتْهَا إِضَاءَةٌ بِقُوَّةِ مِائَةِ (وَاطٍ) ، سَيَجِدُ أَنَّ بَعْضَ تَفَاصِيلِهَا المِجْهَرِيَّةِ لَا تَبْدُو جَلِيَّةً رَغْمَ اسْتِيعَابِ الضَّوْءِ لِجِرْمِهَا ؛ فَضَوْءُ المِصْبَاحِ ـ وَإِنْ أَحَاطَ بِهَا (كَمًّا) ـ إِلَّا أَنَّ طَاقَتَهُ الِاسْتِكْشَافِيَّةَ مِنْ حَيْثُ (الكَيْفُ) ظَلَّتْ قَاصِرَةً ، فَلَمْ تَنْفُذْ إِلَى مَكَامِنِ الأَجْزَاءِ الأَدَقِّ . بَيْدَ أَنَّهُ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهَا شُعَاعٌ ذُو كَثَافَةٍ عَالِيَةٍ ـ كَأَلْفِ (وَاطٍ) مَثَلًا ـ لَانْجَلَتْ تِلْكَ الغَوَامِضُ لِلْبَصَرِ ، وَلَظَهَرَتْ خَفَايَا الهَيْئَةِ بِتَمَامِ الوُضُوحِ وَالجَلَاءِ . وَمِثَالٌ آخَرُ يُجَلِّي هَذَا المَعْنَى : عَدَسَاتُ (التِّلِسْكُوبِ) أَوِ (المِجْهَرِ) ؛ فَإِنَّ قُوَّتَهَا الكَاشِفَةَ مَرْهُونَةٌ بِتَظَافُرِ المَدَيَيْنِ (الكَمِّيِّ وَالكَيْفِيِّ) مَعًا ؛ فَكُلَّمَا تَرَقَّتْ كَفَاءَةُ المِجْهَرِ وَآلَاتِهِ ـ كَيْفًا وَكَمًّا ـ انْقَشَعَتِ السُّتُورُ عَنْ حَقَائِقَ وَمَوْجُودَاتٍ أَكْثَرَ لَطَافَةً وَدِقَّةً ، مِمَّا كَانَ يَنْأَى عَنْ مَنَالِ المَجَاهِرِ الأَدْنَى قُدْرَةً وَالأَضْعَفِ اسْتِكْنَاهًا . وَعَلَيْهِ : فَيَتَحَتَّمُ عَلَى البَاحِثِ وَالمُسْتَنْبِطِ أَلَّا يَرْكَنَا إِلَى مُجَرَّدِ تَحَقُّقِ مَرْتَبَةٍ مَا مِنْ مَرَاتِبِ اليَقِينِ ؛ إِذْ إِنَّ هَذِهِ الحُجِّيَّةَ تَنْسَلِخُ عَنْ رُتْبَتِهَا عِنْدَ لِحَاظِ مَا يَعْلُوهَا مِنَ (الحُجَجِ البَالِغَةِ) ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَا يَسُوغُ لَهُمَا التَّمَسُّكُ ـ مَثَلًا ـ بِظَوَاهِرِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ إِذَا مَا زُوحِمَتْ بِحُجَّةٍ أَرْفَعَ رُتْبَةً وَأَمْتَنَ كَشْفًا ـ كَالضَّرُورَاتِ العَقْلِيَّةِ وَالمُحْكَمَاتِ القَطْعِيَّةِ ـ ، وَكَذَا لَا يَنْهَضُ لَهُمَا دَلِيلٌ بِالتَّمَسُّكِ بِمُحْكَمَاتِ : (الكِتَابِ) ، أَوِ (السُّنَّةِ) ، أَوِ (العَقْلِ) ، أَوِ (الفِطْرَةِ) ، إِذَا كَانَتْ تَتَصَادَمُ مَعَ (مُحْكَمَاتٍ عُلْيَا) هِيَ أَعْلَى دَرَجَةً وَأَنْفَذُ سُلْطَانًا مِعْيَارِيًّا . فَيَا لِلّٰهِ مِنْ نُكْتَةٍ شَرِيفَةٍ ، وَنَفْحَةٍ لَطِيفَةٍ ، يُسْتَعْذَبُ جَنَاهَا فِكْرًا وَذَوْقًا ! وَيَا لَهُ مِنْ نِظَامٍ فِي (مَنْظُومَةِ الحُجَجِ) بَالِغِ الأَهَمِّيَّةِ ، عَظِيمِ الخُطُورَةِ ، جَزِيلِ الثَّمَرَةِ ؛ دَقِيقِ المَبْنَى ، رَقِيقِ المَعْنَى ، وَمَلْحَمَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ فِي غَايَةِ الجَلَالِ ، نَبَّهَتْ عَلَيْهَا بَيَانَاتُ مَعَارِفِ الوَحْيِ الزَّاهِرَةِ ؛ وَإِنَّ مِنْ أَجْلَى مَصَادِيقِهَا الوَاقِعِيَّةِ : مَا نَهَضَ بِهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) فِي مَلَاحِمِهِ الثَّلَاثِ . إِذْ إِنَّ جُمْلَةً مِنَ الفِرَقِ الإِسْلَامِيَّةِ وَسِوَاهَا قَدِ ارْتَطَمَتْ فِي أَوْحَالِ الِاشْتِبَاهِ ، وَتَرَدَّتْ فِي مَزَالِقِ الغِوَايَةِ ؛ جَرَّاءَ تَعَلُّقِهَا بِالحُجَّةِ الأَدْنَى رُتْبَةً ، وَنَبْذِهَا لِلْحُجَّةِ الأَعْلَى المَهَيْمِنَةِ عَلَيْهَا . كَمَا انْقَدَحَ ذَلِكَ فِي فِتْنَةِ الخَوَارِجِ إِبَّانَ مَعْرَكَتَيْ (صِفِّينَ) وَ(النَّهْرَوَانِ) ؛ حِينَمَا اعْتَصَمُوا بِالقُرْآنِ الصَّامِتِ ـ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ ـ وَهَجَرُوا مَقَامَ القُرْآنِ النَّاطِقِ ـ الإِمَامَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ـ ذَلِكَ الوُجُودَ المَوْصُولَ بَاطِنُهُ بِسَاحَةِ القُدْسِ الإِلَهِيَّةِ بِلَا وَاسِطَةٍ ؛ فَإِنَّهُ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) أَرْفَعُ حُجَّةً ، وَأَبْيَنُ مَحَجَّةً ، وَأَقْوَى دَلَالَةً مِنْ مُحْكَمَاتِ القُرْآنِ الصَّامِتِ بِوَصْفِهِ التَّرْجَمَانَ الحَيَّ وَالقَيِّمَ عَلَى الوَحْيِ . [الرَّبْطُ المَعْرِفِيُّ بَيْنَ المِثَالِ وَالمِصْدَاقِ] وَبِمُقْتَضَى هَذَا التَّقْرِيبِ ؛ يَنْجَلِي لَنَا أَنَّ نِسْبَةَ (القُرْآنِ النَّاطِقِ) ـ وَهُمْ أَهْلُ البَيْتِ صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ ـ إِلَى (القُرْآنِ الصَّامِتِ) ـ وَهُوَ المُصْحَفُ الشَّرِيفُ ـ كَنِسْبَةِ العَدَسَةِ العِمْلَاقَةِ بَالِغَةِ الِاسْتِكْنِاهِ إِلَى مَا دُونَهَا رُتْبَةً وَمَنَالًا ؛ فَإِذَا كَانَتِ المَجَاهِرُ تَتَفَاوَتُ فِي مَدَى إِبَانَتِهَا عَنْ مَكْنُونَاتِ المَادَّةِ تَبَعًا لِتَمَامِ بُعْدِهَا الكَيْفِيِّ ، فَإِنَّ المَقَامَ المَلَكُوتِيَّ لِأَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) يُمَثِّلُ "الرُّتْبَةَ الكَيْفِيَّةَ القُصْوَى" فِي مِيزَانِ الحُجَجِ ؛ إِذْ بِمَقْدُورِهِمُ النَّفَاذُ إِلَى غَوَامِضِ بَوَاطِنِ الآيَاتِ ، وَمَلَكُوتِ الحَقَائِقِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ نَيْلِهَا أَنْظَارُ مَنِ ارْتَهَنُوا لِظَوَاهِرِ الرَّسْمِ وَسَوَادِ المَصَاحِفِ . فَأَهْلُ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ) هُمُ "العَيْنُ البَاصِرَةُ" وَ"الكَاشِفَةُ القُدْسِيَّةُ" الَّتِي تَنْقَلِبُ لَدَيْهَا ظُلُمَاتُ الظُّنُونِ إِلَى ضِيَاءِ اليَقِينِ ، وَبِدُونِ الرُّجُوعِ إِلَى كَاشِفِيَّتِهِمُ المَعْصُومَةِ ، يَبْقَى البَاحِثُ حَبِيسًا لِإِضَاءَةٍ قَاصِرَةٍ لَا تَنْفُذُ إِلَى لُبَابِ المَطْلَبِ ، فَيَقَعُ ـ مِنْ حَيْثُ لَا يَعِي ـ فِي مَحْذُورِ الِاعْتِصَامِ بِالحُجَّةِ المَرْجُوحَةِ ، ذُهُولًا عَنْ بَيَانِ الحُجَّةِ الرَّاجِحَةِ المَهَيْمِنَةِ . [مِعْيَارِيَّةُ الهَيْمَنَةِ وَتَهَافُتُ الِاسْتِدْلَالِ بِالأَدْنَى] وَعَلَى هَذَا المِنْوَالِ ؛ فَلْيُقَسْ حَالُ سَائِرِ الفِتَنِ العَقَائِدِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ ، وَشُبُهَاتِ المَلَاحِدَةِ وَالمَادِّيِّينَ ، وَدَعَاوَى الإِبَاحِيَّةِ وَالحَدَاثَوِيِّينَ ، وَأَصْحَابِ المَنَاهِجِ الأَلْسُنِيَّةِ وَالهِرْمِنْطِيقِيَّةِ (تَأْوِيلِيَّةِ النُّصُوصِ) ، وَمُرَوِّجِي البَرْمَجَةِ العَصَبِيَّةِ وَمَنْ جَرَى عَلَى شَاكِلَتِهِمْ ؛ فَإِنَّ جُلَّ انْطِلَاقِهِمْ يَرْتَكِزُ عَلَى مَوَادَّ وَحُجَجٍ عِلْمِيَّةٍ قَدْ تَكُونُ حَقَّةً فِي ذَاتِهَا ، بَيْدَ أَنَّهَا تَأْتِي مُنَاقِضَةً لِمَا هُوَ أَرْفَعُ مِنْهَا مِلَاكًا وَأَعْظَمُ شَأْنًا ؛ حَيْثُ يَعْمَدُونَ إِلَى تَوظِيفِ تِلْكَ الحُجَجِ (الأَدْنَى رُتْبَةً) لِتَسْوِيغِ الإِلْحَادِ وَالمُجُونِ ، وَتَبْرِيرِ التَّهَتُّكِ وَالرَّذِيلَةِ وَالسُّقُوطِ القِيَمِيِّ . وَعَلَيْهِ : فَلَا يُعْذَرُ مَنْ تَرَدَّى فِي مَهَاوِي هَذِهِ الشُّبُهَاتِ بِدَعْوَى عُثُورِهِ عَلَى (دَلِيلٍ عِلْمِيٍّ) أَوْ (ظَاهِرَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ) اسْتَهْوَتْهُ لِتِلْكَ المَسَالِكِ ؛ إِذْ إِنَّ كُلَّ دَلِيلٍ يُصَادِمُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ حُجَّةً يَنْسَلِخُ عَنْ صِفَتِهِ المِعْيَارِيَّةِ لِيُضْحِيَ شُبْهَةً وَظَنّاً مُشْتَبِهاً ؛ وَلِذَا نَجِدُ الفُقَهَاءَ يَعْمَلُونَ بِالدَّلِيلِ ذِي الحُجِّيَّةِ ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ مُعَارَضَتِهِ لِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَاشِفِيَّةً ، وَإِلَّا سَقَطَ عَنِ الِاعْتِبَارِ رَغْمَ مَا لَهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مِنِ اقْتِضَاءٍ لِلْحُجِّيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ . وَلِإِيضَاحِ هَذَا المَقَامِ بَيَاناً جَلِيّاً لَا يَعْتَرِيهِ اللَّبْسُ ؛ نَعْمِدُ إِلَى اسْتِعْرَاضِ القَضَايَا التَّالِيَةِ : القَضِيَّةُ الأُولَى : [هَيْكَلِيَّةُ المَرَاتِبِ الطُّولِيَّةِ: ضَرُورَةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ طَبَقَاتِ المُحْكَمِ وَاليَقِينِ وَالظُّنُونِ] [المَلْحَمَةُ المَعْرِفِيَّةُ لِلْإِحْكَامِ : أَثَرُ التَّفَاوُتِ الرُّتَبِيِّ فِي عِصْمَةِ الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الزَّيْغِ] ثَمَّةَ مَلْحَمَةٌ فِكْرِيَّةٌ وَمَعْرِفِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ طَالَمَا أَكَّدَتْ عَلَيْهَا بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، حَاصِلُهَا : أَنَّ المُحْكَمَ وَالإِحْكَامَ وَالمُحْكَمَاتِ ، وَكَذَا اليَقِينَ وَالحُجَجَ ـ بَلْ حَتَّى الظُّنُونَ ـ تَتَفَاوَتُ عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ صَاعِدَةٍ ؛ وَإِنَّ الوَعْيَ بِأَصْلِ هَذِهِ المَفَاهِيمِ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى سِلْسِلَةِ مَرَاتِبِهَا الطُّولِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ ـ لَا مَحَالَةَ ـ الوُقُوعَ فِي حَمْأَةِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ وَالِانْحِرَافِ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ وَتَحْصِيلِ النَّتَائِجِ . وَعِلَّةُ ذَلِكَ : أَنَّ التَّشَبُّثَ بِحُجِّيَّةِ حُجَّةٍ مَا عَلَى نَحْوِ التَّعْمِيمِ المُطْلَقِ ، دُونَ مَعْرِفَةِ رُتْبَتِهَا وَدَرَجَتِهَا فِي سُلَّمِ الحُجِّيَّةِ ، يُعَدُّ مِنْ بَابِ التَّمَسُّكِ بِـ (الظَّنِّ المُتَشَابِهِ) ؛ فَالدَّلِيلُ ـ وَإِنْ كَانَ فِي ذَاتِهِ مُحْكَمًا وَمُورِثًا لِلْيَقِينِ ـ إِلَّا أَنَّهُ فِي قُبَالَةِ مَا هُوَ أَحْكَمُ مِنْهُ مِلَاكًا وَأَبْلَغُ يَقِينًا ، يَنْحَطُّ رُتْبَةً لِيُصْبِحَ فِي مِيزَانِ التَّعَارُضِ ظَنًّا مُتَشَابِهًا . إِذَنْ : المُحْكَمُ وَالإِحْكامُ وَالمُحْكَماتُ ، وَكَذا الحُجَجُ وَاليَقِينُ وَالظُّنُونُ ، تَنْتَظِمُ ضِمْنَ طَبَقاتٍ مُتَفاوِتَةٍ وَمَراتِبَ طُولِيَّةٍ ؛ وَعَلَيْهِ ، فَلَا مَنَاصَ مِنْ عَرْضِ الطَّبَقَةِ وَالمَرْتَبَةِ النَّازِلَةِ الأَضْعَفِ عَلَى الطَّبَقَةِ وَالمَرْتَبَةِ الصَّاعِدَةِ الأَقْوَى ؛ وَإِلَّا كَانَ المَصِيرُ ارْتِطَامًا بِأَمْوَاجِ الزَّيْغِ ، وَتَرَدِّيًا فِي مَهَاوِي الضَّلَالِ وَالِانْحِرَافِ . وَبِالجُمْلَةِ : فَإِنَّ مُجَرَّدَ الوُقُوفِ عَلَى أَصْلِ الحُجَجِ الدِّينِيَّةِ لَا يَشْفَعُ فِي نَجَاةِ المَخْلُوقِ فِي سَائِرِ العَوَالِمِ ـ وَلَاسِيَّمَا الصَّاعِدَةِ مِنْهَا ـ بَلْ يَتَحَتَّمُ أَنْ يُضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَعْرِفَةُ سِلْسِلَةِ مَرَاتِبِهَا ، بَلْ وَالإِحَاطَةُ بِنِظَامِهَا وَتَرَاتُبِ مَنْظُومَتِهَا ؛ فَهُناكَ مَحاوِرُ وَحَيْثِيَّاتٌ مَعْرِفِيَّةٌ أَرْبَعٌ : [المَحَاوِرُ المَعْرِفِيَّةُ لِهَنْدَسَةِ الحُجَجِ] الأُولَى : مَعْرِفَةُ أَصْلِ المُحْكَمِ وَالإِحْكامِ وَالمُحْكَماتِ ، وَكَذا الحُجَجِ الدِّينِيَّةِ وَاليَقِينِ وَالظُّنُونِ ؛ أَيْ : تَبَيُّنُ ماهِيَّةِ حَلَقاتِها وَمَبادِئِها التَّأْسِيسِيَّةِ . الثَّانِيَةُ : مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ وَتَرَاتُبِ المُحْكَمِ وَالإِحْكَامِ وَالمُحْكَمَاتِ وَالحُجَجِ وَاليَقِينِ وَالظُّنُونِ ؛ بِرَصْدِ دَرَجَاتِ عُلُوِّهَا وَنُزُولِهَا فِي سُلَّمِ الكَاشِفِيَّةِ . الثَّالِثَةُ : مَعْرِفَةُ (نِظَامِ) المُحْكَمِ وَالإِحْكَامِ وَالمُحْكَمَاتِ وَالحُجَجِ وَاليَقِينِ وَالظُّنُونِ ؛ وَهُوَ الرَّابِطُ القَانُونِيُّ الَّذِي يَنْظِمُ العَلَاقَةَ بَيْنَ تِلْكَ المَرَاتِبِ . الرَّابِعَةُ : مَعْرِفَةُ (مَنْظُومَةِ) المُحْكَمِ وَالإِحْكَامِ وَالمُحْكَمَاتِ وَالحُجَجِ وَاليَقِينِ وَالظُّنُونِ ؛ بِاعْتِبَارِهَا وَحْدَةً مَعْرِفِيَّةً مُتَكَامِلَةً تَهَيْمِنُ بِكُلِّيَّتِهَا عَلَى مَسَارِ الِاسْتِدْلَالِ . [تَشْخِيصُ مَنَاشِئِ الأَزَمَاتِ المَعْرِفِيَّةِ] ثُمَّ إِنَّ مَنْ أَعْمَلَ النَّظَرَ فِي الأَزَمَاتِ وَالتَّشَرْذُمَاتِ الفِكْرِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ ، وَتَقَصَّى أَسْبَابَ نُشُوءِ الفِرَقِ وَتَبَايُنِهَا ، بَلْ وَالخُرُوجِ عَنْ جَادَّةِ الوَسَطِيَّةِ عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ ؛ سَيَجِدُهَا نَاشِئَةً عَنِ القُصُورِ فِي مَعْرِفَةِ هَذِهِ المَحَاوِرِ وَالحَيْثِيَّاتِ ، أَوْ بَعْضِ مَرَاتِبِهَا . وَمِنْ هُنَا جَاءَ عِتَابُ البَارِي (تَعَالَى) لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (جَلَّ شَأْنُهُ) : {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}(7). فَقَدِ ادَّعَوْا قَتْلَ نَبِيِّ اللّٰهِ عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ارْتِهَانًا لِمُعْطَيَاتِ الحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ ، بَيْدَ أَنَّ الحَقَّ (عَزَّ وَجَلَّ) وَسَمَ مَسْلَكَهُمْ هَذَا بِـ(الظَّنِّ المُّتَشَابِهِ) ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمُ الِانْصِيَاعَ لَهُ ؛ ذَلِكَ أَنَّ الحِسَّ وَالمُشَاهَدَةَ ـ وَإِنْ أَفَادَا فِي ذَاتِهِمَا مَرْتَبَةً مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يُصَادِمَا يَقِينًا أَعْلَى مِلَاكًا ـ إِلَّا أَنَّهُمَا حِينَ عُورِضَا بِيَقِينٍ أَرْفَعَ رُتْبَةً وَأَنْفَذَ حُجِّيَّةً ، اسْتَحَالَا ظَنًّا مُتَشَابِهًا لَا يَسُوغُ الِارْتِهَانُ إِلَيْهِ . فَبَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ عَايَنُوا مِنَ المَعَاجِزِ البَاهِرَةِ لَدَى المَسِيحِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَا أَوْرَثَهُمْ يَقِينًا (وَحْيَانِيًّا) بِنُبُوَّتِهِ ، وَهُوَ مَقَامٌ يَعْلُو عَلَى اليَقِينِ العَقْلِيِّ فَضْلًا عَنِ اليقين الحسِّي ، وَقَدْ أَنْبَأَهُمْ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِبَقَائِهِ حَيًّا إِلَى ظُهُورِ الإِمَامِ الحُجَّةِ (عَجَّلَ اللّٰهُ تَعَالَى فَرَجَهُ) ، وَهَذَا الإِخْبَارُ نَفْسُهُ آيَةٌ وَمُعْجِزَةٌ ؛ لَكِنَّهُمْ نَكَصُوا عَنِ اتِّبَاعِهَا إِعْرَاضًا عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ البَيِّنَةِ ، وَتَمَسُّكًا بِحُدُودِ الحِسِّ الظَّاهِرِ ؛ فَهُمَا(8) ـ رَغْمَ كَوْنِهِمَا مِنْ مَبَادِئِ العِلْمِ فِي رُتْبَتِهِمَا ـ إِلَّا أَنَّهُمَا بِالقِيَاسِ إِلَى مَا خَالَفَاهُ مِنْ مَقَامِ المَعَاجِزِ وَاليَقِينِ الوَحْيَانِيِّ الصَّادِقِ ، صَارَا ظَنًّا مُتَشَابِهًا لَا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الحُجِّيَّةِ الفِعْلِيَّةِ . [تَفْنِيدُ حَيْرَةِ الرَّازِيِّ فِي مِيزَانِ تَرَاتُبِ الحُجَجِ] وَمِنْ هُنَا يَنْحَلُّ مَا تَبَلْبَلَ فِيهِ الفَخْرُ الرَّازِيُّ وَتَحَيَّرَ فِي تَفْسِيرِ بَيَانِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ؛ إِذْ ذَكَرَ مِرَارًا : أَنَّ مَضْمُونَهَا مِمَّا يَقْرَعُ العُقُولَ وَيُحَيِّرُهَا ؛ إِذْ كَيْفَ أَبْطَلَ البَارِي (عَزَّ وَجَلَّ) كَاشِفِيَّةَ الحِسِّ وَجَعَلَهُ ظَنًّا وَشُبْهَةً مَعَ أَنَّهُ مِنَ المَبَادِئِ اليَقِينِيَّةِ ؟ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَقْوِيضَ أَرْكَانِ التَّوَاتُرِ فِي الشَّرَائِعِ وَالأَدْيَانِ ؛ لِكَوْنِ مَنْشَئِهِ الحِسَّ ، وَهَذَا عِنْدَهُ مِنْ أَعْضَلِ المُشْكِلَاتِ . فَلَاحِظْ عِبارَتَهُ : « وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعالَىٰ لَمَّا حَكَىٰ عَنِ اليَهُودِ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَتَلُوا عِيسَىٰ (عَلَيْهِ السَّلامُ) ، فَاللهُ تَعالَىٰ كَذَّبَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّعْوَىٰ وَقالَ : {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}، وَفِي الآيَةِ سُؤالانِ : السُّؤالُ الأَوَّلُ : ... وَالسُّؤالُ الثَّانِي : أَنَّهُ إِنْ جازَ أَنْ يُقالَ : أَنَّ اللهَ تَعالَىٰ يُلْقِي شَبَهَ إِنْسانٍ عَلَىٰ إِنْسانٍ آخَرَ ، فَهَذا يَفْتَحُ بابَ السَّفْسَطَةِ ؛ فَإِنَّا إِذا رَأَيْنا زَيْداً فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِزَيْدٍ ، وَلَكِنَّهُ أَلْقَىٰ شَبَهَ زَيْدٍ عَلَيْهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَىٰ النِّكاحُ وَالطَّلاقُ وَالمِلْكُ وُثُوقاً بِهِ ، وَأَيْضاً يُفْضِي إِلَى القَدْحِ فِي التَّواتُرِ ؛ لِأَنَّ خَبَرَ التَّواتُرِ إِنَّما يُفيدُ العِلْمَ بِشَرْطِ انْتِهائِهِ فِي الآخِرَةِ إِلَى المَحْسُوسِ ، فَإِذا جَوَّزْنا حُصُولَ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي المَحْسُوساتِ تَوَجَّهَ الطَّعْنُ فِي التَّواتُرِ ؛ وَذَلِكَ يُوجِبُ القَدْحَ فِي جَمِيعِ الشَّرائِعِ ... وَبِالجُمْلَةِ : فَفَتْحُ هَذَا البابِ يُوجِبُ الطَّعْنَّ فِي التَّواتُرِ ، وَالطَّعْنُ فِيهِ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأَنْبِياءِ (عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ) ، فَهَذا فَرْعٌ يُوجِبُ الطَّعْنَ فِي الأُصُولِ فَكانَ مَرْدُوداً . وَالجَوابُ : اخْتَلَفَتْ مَذاهِبُ العُلَماءِ فِي هَذَا المَوْضِعِ ، وَذَكَرُوا وُجُوهاً : الأَوَّلُ : ... الثَّانِي : ... الثَّالِثُ : ... الرَّابِعُ : ... وَهَذِهِ الوُجُوهُ مُتَعارِضَةٌ مُتَدافِعَةٌ ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ»(9). [تَحْقِيقُ المَقَامِ فِي رَدِّ حَيْرَةِ الرَّازِيِّ] وَجَوَابُهُ قَدِ اسْتَبَانَ مِمَّا سَلَفَ ؛ ذَلِكَ أَنَّ الحِسَّ وَالمُشَاهَدَةَ ـ وَإِنْ أَفَادَا فِي حَيِّزِهِمَا الذَّاتِيِّ القَطْعَ وَاليَقِينَ ـ إِلَّا أَنَّهُمَا حِينَ يُصَادِمَانِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُمَا مِلَاكًا وَأَقْوَى حُجِّيَّةً ـ كَالمُعْجِزَةِ القَاطِعَةِ ؛ مِنْهَا إِخْبَارُ النَّبِيِّ عِيسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَوْمَهُ بِبَقَائِهِ حَيًّا وَصَلَاتِهِ خَلْفَ الإِمَامِ المَهْدِيِّ (عَجَّلَ اللّٰهُ فَرَجَهُ) ـ يَنْسَلِخُ عَنْهُمَا وَصْفُ اليَقِينِ لِيَصِيرَا ظَنًّا مُتَشَابِهًا . فَلَيْسَ بَيَانُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فِي صَدَدِ إِبْطَالِ مُطْلَقِ حُجِّيَّةِ الحِسِّ ـ كَيْمَا يَرِدَ مَا تَوَهَّمَهُ الرَّازِيُّ ـ بَلْ هُوَ فِي مَقَامِ إِبْطَالِ صَلَاحِيَّتِهِ لِلِاحْتِجَاجِ فِي قُبَالَةِ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ كَاشِفِيَّةً وَرُتْبَةً ؛ إِذْ كُلُّ قَطْعٍ وَيَقِينٍ يُعَدُّ ظَنًّا مُتَشَابِهًا بِالقِيَاسِ إِلَى مَا يَعْلُوهُ فِي سُلَّمِ الحُجَجِ البَالِغَةِ ، وَيَشْمَلُهُ عُمُومُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}(10) ، وَقَوْلِهِ (جَلَّ ذِكْرُهُ) : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}(11). [خَاتِمَةٌ فِي خُطُورَةِ تَرْتِيبِ المَرَاتِبِ المَعْرِفِيَّةِ] وَمِنْ مَجْمُوعِ مَا سَلَفَ يَتَبَيَّنُ : أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى نِظَامِ مَرَاتِبِ الحُجَجِ ، وَدِقَّةَ تَنْزِيلِهَا عَلَى مَوَارِدِهَا ، أَمْرٌ يَبْلُغُ الذُّرْوَةَ فِي الأَهَمِّيَّةِ وَالثَّمَرَةِ . إِذَنْ : المَعْرِفَةُ بِهَذِهِ المَحاوِرِ وَالحَيْثِيَّاتِ الأَرْبَعِ ـ بَلِ الِاسْتِكْناهُ لِمَراتِبِ غاياتِ الدِّينِ ـ مَطْلَبٌ بالِغُ الخُطُورَةِ وَعَظِيمُ النَّفْعِ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ مَنْ يَعْمَدُ ـ وَلَاسِيَّمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالفَضِيلَةِ ـ إِلَى جَعْلِ الأَصْلِ فَرْعًا ، وَالفَرْعِ أَصْلًا ، فَقَدْ جَنَى عَلَى الحَقِيقَةِ مَعْرِفِيًّا ، وَأَحْدَثَ كَارِثَةً فِي بَصِيرَةِ الدِّينِ . وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الفَرِيقَانِ : أَنَّ سَيِّدَ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) نَادَى أَحَدَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُجِبْهُ ؛ لِتَوَهُّمِهِ انْحِصَارَ التَّكْلِيفِ فِي صَلَاتِهِ ، وَلَمَّا اعْتَذَرَ بِذَلِكَ ، كَانَ فِي فِعْلِهِ مَسٌّ بِأَصَالَةِ المَرَاتِبِ ؛ إِذْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ ـ وَهِيَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ ـ عَلَى مَقَامِ الِاسْتِجَابَةِ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، وَهُوَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَأُسُسِ المِلَّةِ . وَهَذَا يَعْكِسُ مَدَى النُّكُوصِ المَعْرِفِيِّ وَالانْحِطَاطِ فِي فَهْمِ مَرَاتِبِ الحُجَجِ وَالغَايَاتِ لَدَى ذَلِكَ المَنْزِعِ . فَانْظُرْ : 1ـ ما وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّىٰ ، قالَ : « كُنْتُ أُصَلِّي فِي المَسْجِدِ فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَلَمْ أُجِبْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي ، فَقالَ : « أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}(12)»(13). 2ـ ما وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) خَرَجَ عَلَىٰ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : «يَا أُبَيُّ» ، وَهُوَ يُصَلِّي ، فَالْتَفَتَ أُبَيُّ وَلَمْ يُجِبْهُ ، وَصَلَّىٰ أُبَيُّ فَخَفَّفَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، فَقالَ : السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « وَعَلَيْكَ السَّلامُ ، ما مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ ؟! » ، فَقالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ فِي الصَّلاةِ ، قالَ : « أَفَلَمْ تَجِدْ فِيما أُوحِيَ إِلَيَّ : {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ » . قالَ : بَلَىٰ ، وَلا أَعُودُ إِنْ شاءَ اللهُ ... »(14). وَفِي قُبَالَةِ هَذَا المَسْلَكِ ؛ نَجِدُ مَوْقِفًا لِصَحَابِيٍّ آخَرَ أَعْمَلَ النَّدْبَ النَّبَوِيَّ مَعَهُ ، فَقَطَعَ صَلَاتَهُ مُلَبِّيًا ؛ وَحِينَمَا اسْتَفْسَرَهُ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَنْ عِلَّةِ قَطْعِ الصَّلَاةِ ، كَانَ جَوَابُهُ مَحْضَ بَصِيرَةٍ بِتَرَاتُبِ الحُجَجِ ؛ إِذْ قَالَ : (اسْتِجَابَةً لِنِدَائِكَ يَا رَسُولَ اللّٰهِ) ؛ إِيمانًا مِنْهُ بِأَنَّ مَقامَ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) هُوَ الأَصْلُ المَتِينُ ، وَهُوَ الأَهَمُّ وَالأَعْظَمُ فِي مِيزَانِ الغَايَاتِ الدِّينِيَّةِ . [نُكْتَةُ رَدِّ الشَّمْسِ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي مِيزَانِ المَعْرِفَةِ] وَمِنْ هُنَا تَنْجَلِي النُّكْتَةُ الغَائِيَّةُ وَالفَلْسَفَةُ المَعْرِفِيَّةُ لِإِحْدَى مَفَاخِرِ وَمَنَاقِبِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) ، وَهِيَ : حَادِثَةُ (رَدِّ الشَّمْسِ) لَهُ ؛ إِذْ تُمَثِّلُ هَذِهِ المَعْجِزَةُ الكَوْنِيَّةُ الكُبْرَى ثَمَرَةً لِعُلُوِّ بَصِيرَتِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الَّتِي نَاهَتْ كُلَّ حَدٍّ ؛ فَقَدْ جَازَاهُ اللّٰهُ (تَعَالَى) شُكْرًا عَلَى عَظِيمِ مَعْرِفَتِهِ بِمَقَامِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ؛ حَيْثُ نَبَذَ ـ لِحِينٍ ـ فَرِيضَةَ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا حَتَّى عَنْ قُعُودٍ ، بَلْ لَمْ يُبْدِ حَرَاكًا ؛ رِعَايَةً وَإِبْقَاءً عَلَى رَاحَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، فَقَدَّمَ رَاحَتَهُ القُدُسِيَّةَ عَلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ ، مَعَ أَنَّهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) سَيِّدُ العَابِدِينَ وَأَزْهَدُ الزَّاهِدِينَ . وَمَفَادُ ذَلِكَ : أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللّٰهِ (عَزَّ وَجَلَّ) بِحِفْظِ رَاحَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَدْنَى وَسِيلَةً وَأَحَبُّ زُلْفَى إِلَيْهِ (جَلَّ وَتَقَدَّسَ) مِنَ التَّقَرُّبِ بِصَلَاةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ نَفْسِهَا ، رَغْمَ مَا لِتِلْكَ الصَّلَاةِ مِنْ رُتْبَةٍ عُلْيَا وَخُطُورَةٍ مَلَكُوتِيَّةٍ . وَهَذِهِ الحَادِثَةُ مِنَ المُسَلَّمَاتِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي اسْتَفَاضَ فِي رِوَايَتِهَا الفَرِيقَانِ . فَتَأَمَّلِ البَيَانَاتِ النَّاقِلَةَ لِهَذِهِ المَلْحَمَةِ ، مِنْهَا : بَيَانُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) : « كُنْتُ أَنا وَرَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) قاعِدَيْنِ ... إِذْ وَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي ثُمَّ خَفَقَ حَتَّىٰ غَطَّ ، وَحَضَرَتْ صَلاةُ العَصْرِ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُحَرِّكَ رَأْسَهُ عَنْ فَخِذِي ؛ فَأَكُونَ قَدْ آذَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حَتَّىٰ ذَهَبَ الوَقْتُ وَفاتَتِ [الصَّلاةُ] فَانْتَبَهَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَقالَ : يَا عَلِيُّ ، صَلَّيْتَ ؟ فَقُلْتُ : لَا ، فَقالَ : وَلِمَ ذاكَ ؟ قُلْتُ : كَرِهْتُ أَنْ أُوذِيَكَ . قالَ : فَقامَ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَمَدَّ يَدَيْهِ كِلْتَيْهِما وَقالَ : اللَّهُمَّ رُدَّ الشَّمْسَ إِلَىٰ وَقْتِها حَتَّىٰ يُصَلِّيَ عَلِيٌّ ، فَرَجَعَتِ الشَّمْسُ إِلَىٰ وَقْتِ الصَّلاةِ حَتَّىٰ صَلَّيْتُ العَصْرَ ثُمَّ انْقَضَّتِ انْقِضاضَ الكَوْكَبِ »(15). الْقَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ : [فَصْلٌ فِي تَمَايُزِ المَرَاتِبِ وَتَهَافُتِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ اليَقِينَيْنِ] إِنَّ المَطْلُوبَ فِي العَقَائِدِ لَمَّا كَانَ هُوَ "اليَقِينَ العَقْلِيَّ" ؛ فَإِنَّ اليَقِينَ الحِسِّيَّ ـ كَمَا فِي التَّوَاتُرِ الحِسِّيِّ المَحْضِ ـ لَا يَنْهَضُ لِتَحْصِيلِ المَطْلُوبِ العَقَدِيِّ ؛ وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مَبْدُوهَةٌ فِي كَافَّةِ العُلُومِ المَنْطِقِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ . وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ نَزْعَةَ جَعْلِ اليَقِينِ الحِسِّيِّ فِي عَرْضِ اليَقِينِ العَقْلِيِّ وَرُتْبَتِهِ ، تُعَدُّ جَهَالَةً مَعْرِفِيَّةً ، وَمُرُوقًا عِلْمِيًّا عَنْ نِظَامِ الحُجَجِ ؛ وَلِذَا نَصَّ الشَّيْخُ الأَنْصَارِيُّ (قَدَّسَ سِرَّهُ) فِي خَاتِمَةِ مَبْحَثِ الِانْسِدَادِ ـ ضِمْنَ تَنْبِيهَاتِ دَوْرِ صُدُورِ الرِّوَايَاتِ فِي العَقَائِدِ ـ إِلَى مَا ذَكَرَهُ جُمْلَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الأُصُولِ : مِنْ أَنَّ دَوْرَ (الصُّدُورِ) وَحُجِّيَّتَهُ لَيْسَ بُنْيَةً أَصِيلَةً فِي مَقَامِ الِاسْتِنْبَاطِ وَاسْتِخْلَاصِ النَّتَائِجِ العَقَدِيَّةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ دَوْرٌ إِعْدَادِيٌّ مُعِدٌّ ، بَيْنَمَا العُمْدَةُ وَالمِعْيَارُ : صِحَّةُ وَحُجِّيَّةُ (المَتْنِ) وَالمَضْمُونِ بِمِلَاكِ العَقْلِ وَالمُحْكَمَاتِ