/ الْفَائِدَةُ : (31/ 298) /

19/04/2026



بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [نَقْدُ مَبْنَى (المُنَجَّزُ لَا يُنَجَّزُ) فِي ضَوْءِ الشَّوَاهِدِ الوَحْيَانِيَّةِ] [تَرَاتُبِيَّةُ التَّنْجِيزِ وَاشْتِدَادُ الحُجِّيَّةِ] إِنَّ المَشْهُورَ فِي مُطَارَحَاتِ عِلْمَيِ الأُصُولِ وَالكَلَامِ أَنَّ (المُنَجَّزَ لَا يُنَجَّزُ ثَانِيَةً) ؛ تَحَرُّزًا مِنْ مَحْذُورِ (تَحْصِيلِ الحَاصِلِ) أَوْ (اجْتِمَاعِ المِثْلَيْنِ) ، بَيْدَ أَنَّ مُقْتَضَى التَّحْقِيقِ الرَّصِينِ يَنْصَرِفُ إِلَى القَوْلِ بِـ(اشْتِدَادِ التَّنْجِيزِ) ؛ نَظَرًا لِكَوْنِهِ مَقُولَةً تَشْكِيكِيَّةً تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهَا شِدَّةً وَضَعْفًا . وَمِنْ ثَمَّ ، كُلَّمَا تَظَافَرَتِ الْأَدِلَّةُ وَتَعَاضَدَتْ دَرَجَاتُ التَّنْجِيزِ عَلَىٰ مَوْضُوعٍ مَا ، اكْتَسَبَ ذَلِكَ المَوْضُوعُ صِفَةَ (البَدَاهَةِ المَعْرِفِيَّةِ) ، وَخَرَجَ عَنْ حَيِّزِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ إِلَى فَضَاءِ الضَّرُورَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ . [مُؤَيِّدَاتُ مَبْنَى اشْتِدَادِ الحُجِّيَّةِ مِنَ الذِّكْرِ الحَكِيمِ] وَيَعْضُدُ هَذَا المَبْنَى ـ تَحْقِيقاً ـ بَيَانَاتٌ وَحْيَانِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ ، تَنْطِقُ بِتَرَاتُبِيَّةِ التَّنْجِيزِ وَتَغَلُّظِ العِقَابِ بِتَظَافُرِ الآيَاتِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ وَجَلَّ) الْمُقْتَصُّ لِخَبَرِ مَائِدَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : [إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ](1). فإِنَّه بُرْهَانٌ سَاطِعٌ عَلَىٰ أَنَّ اسْتِزَادَةَ الْأُمَمِ لِلْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ تُفْضِي ـ بِالضَّرُورَةِ ـ إِلَىٰ تَرْسِيخِ المِلَاكِ فِي الحُجِّيَّةِ الإِلَهِيَّةِ وَتَعَاظُمِ تَنْجِيزِهَا ؛ مِمَّا يَقْطَعُ دَابِرَ المَعْذِرَةِ ، وَيُسْقِطُ فُرَصَ الإِمْهَالِ ، وَيُوصِدُ أَمَامَ النَّفْسِ مَسَالِكَ الْمُرَاوَغَةِ وَالِالْتِوَاءِ . [تَرَاتُبِيَّةُ الْكَمَالِ وَمَسْؤُولِيَّةُ الِاصْطِفَاءِ] وَمِنْ هَٰذَا الْمُنْطَلَقِ ، تَنْجَلِي مَقَاصِدُ جُمْلَةٍ مِنَ النُّصُوصِ الْوَحْيَانِيَّةِ ، وَفِي طَلِيعَتِهَا مَا أُثِرَ عَنْ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَوْلِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ »(2). بَيَانُ ذَٰلِكَ : أَنَّ الدِّينَ ـ وَإِنْ وَحَدَتْ حَقِيقَتُهُ إِلَّا أَنَّهُ ـ يَتَنَزَّلُ عَلَىٰ مَرَاتِبَ تَشْكِيكِيَّةٍ لَا تَتَنَاهَىٰ ، وَلَمَّا كَانَ قُرْبُ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ مَنْبِعِ الْوُجُودِ مُتَفَاوِتًا فِي دَرَجَاتِهِ ؛ كَانَ إِدْرَاكُهَا لِلْحَقَائِقِ الْقُدْسِيَّةِ تَبَعًا لِتِلْكَ الْمَرَاتِبِ الرُّتَبِيَّةِ . وَكُلَّمَا اتَّسَعَ أُفُقُ الْعِلْمِ لَدَى الْمَخْلُوقِ ، وَتَعَاظَمَتْ إِحَاطَتُهُ بِشُؤُونِ المَلَكُوتِ ؛ اشْتَدَّتْ فِي مُقَابِلِ ذَٰلِكَ مِحَنُ الِابْتِلَاءِ ، وَتَضَاعَفَتْ تَبِعَاتُ الْمَسْؤُولِيَّةِ ، وَتَعَاظَمَ تَنْجِيزُ الْحُجَّةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَيْهِ ؛ بِحَيْثُ تَنْعَدِمُ فِي حَقِّهِ فُرَصُ الْإِمْهَالِ ، وَتَتَلَاشَىٰ دُونَهُ مَسَالِكُ التَّأْوِيلِ أَوِ الْمُرَاوَغَةِ حِيَالَ الْأَوَامِرِ الصَّمَدَانِيَّةِ . وَلَمَّا كَانَ الْكُمَّلُ مِنَ الْخَلْقِ هُمُ الْأَدْنَىٰ رُتْبَةً وَقُرْباً مِنْ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلٰهِيَّةِ ؛ كَانَتْ وَظَائِفُهُمْ وَابْتِلَاءَاتُهُمْ هِيَ الأَعْظَمَ خَطَرًا ، وَالأَشَدَّ هَوْلًا فِي مِيزَانِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ ؛ إِذْ تَعْظُمُ التَّبِعَةُ بِعِظَمِ المَعْرِفَةِ ، وَتَشْتَدُّ الحُجَّةُ بِقَدْرِ الِانْكِشَافِ . وَبِنَاءً عَلَيْهِ : فَإِنَّ النَّامُوسَ الجَزَائِيَّ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ شَرِيعَةُ (المُخْلَصِينَ) أَنْفَذَ مِلَاكًا وَأَشَدَّ حُكْمًا مِنْ شَرِيعَةِ (أَهْلِ اليَقِينِ) ، وَهَذِهِ الأَخِيرَةُ تَرْتَقِي تَكْلِيفًا عَنْ شَرِيعَةِ (المُتَّقِينَ) ، الَّتِي تَبِينُ بِدَوْرِهَا عَنْ شَرِيعَةِ (عُمُومِ المُؤْمِنِينَ) . [تَسَامِي الرُّتْبَةِ الوُجُودِيَّةِ وَأَعْظَمِيَّةِ الِابْتِلَاءِ] وَمِنْ هَذَا المِضْمَارِ البُرْهَانِيِّ ؛ تَتَجَلَّى دَلَالَاتُ جُمْلَةٍ مِنَ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ فِي حَقِّ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ) ؛ مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « ما أُوْذِيَ نَبِيّ مِثْل ما أُوْذِيت »(3). فَإِنَّهُمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) لَمَّا كَانُوا يَتَبَوَّؤُونَ ذُرْوَةَ الْهَرَمِ فِي سِلْسِلَةِ كُمَّلِ الْمَخْلُوقَاتِ ـ لَاسِيَّمَا سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ـ كَانَتِ الِابْتِلَاءَاتُ وَالْمِحَنُ الَّتِي حَفَّتْ بِهِمْ تَرْبُو فِي كَثَافَتِهَا وَشِدَّتِهَا عَلَىٰ مَا تَعَرَّضَ لَهُ أَيُّ مَوْجُودٍ سِوَاهُمْ . وَيُضَافُ إِلَى هَذَا التَّقْرِيرِ : أَنَّهُ كُلَّمَا تَسَامَى كُنْهُ (الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ) لَدَى الْمَخْلُوقِ وَارْتَقَتْ دَرَجَةُ عِلْمِهِ ؛ اشْتَدَّتْ فِي مُقَابِلِ ذَٰلِكَ مَسْؤُولِيَّتُهُ ، وَتَعَاظَمَ تَنْجِيزُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . وَحَيْثُ إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) هُمْ صَفْوَةُ الْعُقَلَاءِ وَأَقْدَسُهُمْ رُتْبَةً ؛ انْعَكَسَ ذَٰلِكَ عَلَىٰ حَجمِ الِابْتِلَاءَاتِ وَعِظَمِ الِامْتِحَانَاتِ الَّتِي كَابَدُوهَا ـ بَلْ وَلَا يَزَالُونَ يُكَابِدُونَهَا ـ بِمَا لَا يُقَاسُ بِهِ بَلَاءُ مَخْلُوقٍ آخَرَ ؛ إِذِ الْبَلَاءُ عَلَىٰ قَدْرِ الِاصْطِفَاءِ ، وَالْمِحْنَةُ تَتَنَاسَبُ طَرْدِيًّا مَعَ مَقَامِ الْقُرْبِ وَالْمَعْرِفَةِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْمَائِدَة : 112 ـ 115. (2) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 78 : 194 / ح51. (3)المَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 39 : 56