/ الْفَائِدَةُ : (32/ 299) /

19/04/2026



بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [تَرْتِيبُ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَتَفَاوُتُ مَرَاتِبِ الْبَدَاهَةِ: مِنْ حُجِّيَّةِ العَقْلِ إِلَى أَزَلِيَّةِ الحَقِيقَةِ] [مِعْيَارُ البَدَاهَةِ: التَّفَاوُتُ الرُّتَبِيُّ لِلأَحْكَامِ العَقْلِيَّةِ فِي ضَوْءِ مِشْكَاةِ الوَحْيِ] ثَمَّةَ مَبْحَثٌ لَطِيفٌ نَبَّهَتْ عَلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، وَلَمْ تَتَفَطَّنْ إِلَيْهِ الدِّرَاسَاتُ العَقَلِيَّةُ وَالْمَعرفية إِلَّا حَدِيثًا ؛ وَفَحْوَاهُ : أَنَّ الأَحْكَامَ العَقْلِيَّةَ تَنْشَطِرُ إِلَىٰ أَرْبَعَةِ أَنْمَاطٍ : الأَوَّلُ : حُكْمٌ بَدِيهِيٌّ يَقِينِيٌّ ، يَنْبَثِقُ عَنْ قُوَّةِ (العَقْلِ العَمَلِيِّ). الثَّانِي : حُكْمٌ بَدِيهِيٌّ يَقِينِيٌّ ، يَنْبَثِقُ عَنْ قُوَّةِ (العَقْلِ النَّظَرِيِّ). الثَّالِثُ : حُكْمٌ نَظَرِيٌّ ظَنِّيٌّ ، يَرْتَدُّ إِلَى قُوَّةِ (العَقْلِ العَمَلِيِّ). الرَّابِعُ : حُكْمٌ نَظَرِيٌّ ظَنِّيٌّ ، يَرْتَدُّ إِلَى قُوَّةِ (العَقْلِ النَّظَرِيِّ). وَمِنَ الجَلِيِّ أَنَّ الأَحْكَامَ النَّظَرِيَّةَ لَا تُضَاهِي الأَحْكَامَ البَدِيهِيَّةَ فِي رُتْبَةِ الِاعْتِمَادِ وَقُوَّةِ الحُجِّيَّةِ ؛ إِذِ البَدَاهَةُ هِيَ مِلَاكُ التَّقَدُّمِ الرُّتَبِيِّ فِي مَوَازِينِ الِاسْتِدْلَالِ . وَكَذَا انْتَهَىٰ التَّحْقِيقُ فِي الْأَبْحَاثِ المَعْرِفِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ إِلَىٰ أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ فِي ذَاتِهَا تَتَفَاوَتُ إِلَىٰ طَبَقَاتٍ وَمَرَاتِبَ تَشْكِيكِيَّةٍ ؛ فَأَبْدَهُهَا : (الْأَوَّلِيَّاتُ) ، تَلِيهَا (الْفِطْرِيَّاتُ) ، ثُمَّ (الْوِجْدَانِيَّاتُ) ، ثُمَّ (الْحِسِّيَّاتُ) ، فَـ (التَّجْرِيبِيَّاتُ) ، وَصُولًا إِلَىٰ (الْحَدْسِيَّاتِ) . بَلْ إِنَّ (الأَوَّلِيَّاتِ) نَفْسَهَا تَتَرَاتَبُ صُعُودًا لِتَنْتَهِيَ إِلَى (أَبْدَهِ الأَوَّلِيَّاتِ) ؛ وَهِيَ (مُطْلَقُ الحَقِيقَةِ) ؛ أَيِ : الذَّاتُ الإِلَهِيَّةُ الأَزَلِيَّةُ المُقَدَّسَةُ . وَعَلَى هَذَا النَّسَقِ الرُّتَبِيِّ تَمْضِي سَائِرُ البَدِيهِيَّاتِ فِي مَرَاتِبِ شِدَّتِهَا وَضَعْفِهَا ، انْعِكَاسًا لِقُرْبِهَا أَو بُعْدِهَا عَنْ مَحْضِ الوُجُودِ . [تَرَاتُبِيَّةُ الصُّدُورِ المَعْرِفِيِّ وَتَهَافُتُ الِاسْتِدْلَالِ النَّظَرِيِّ] وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ البَدِيهِيَّاتِ تَنْبَثِقُ مِنْ نُقْطَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ هِيَ (الحَقِيقَةُ الأَزَلِيَّةُ) وَالوَاقِعِيَّةُ الثَّابِتَةُ المُطْلَقَةُ ، المُتَمَثِّلَةُ فِي الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ المُقَدَّسَةِ ، ثُمَّ تَتَنَاءَى عَنْ ذَلِكَ المَبْدَأِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى تَلِجَ حَيِّزَ النَّظَرِيَّاتِ . وَطَابَعُ الْحُكْمِ النَّظَرِيِّ ـ سَوَاءٌ لَدَى الْعَقْلِ النَّظَرِيِّ أَمِ الْعَمَلِيِّ ـ هُوَ الظَّنُّ ، وَإِنْ تَدَثَّرَ بِصُورَةِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ . وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ "حُكْمَ الْعَقْلِ لَا يُدَانِيهِ رَيْبٌ" مَدْفُوعٌ بِالتَّفْصِيلِ ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ إِمَّا أَنَّهُ يَشْمَلُ كَافَّةَ مَرَاتِبِهِ ، أَوْ مَرْتَبَةً خَاصَّةً . وَالثَّانِي : لَا يُثْبِتُ المُدَّعَى ؛ لِقُصُورِهِ عَنِ التَّعْمِيمِ . وَالْأَوَّلُ : بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ الْقِيَاسِ وَصُورَتَهُ ـ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ ـ وَإِنْ كَانَتْ تُفِيدُ الْيَقِينَ صُورَةً ، لَكِنْ لَوْ كَانَتْ مَوَادُّهُ ظَنِّيَّةً فَلَابُدَّ مِنَ الْحُكْمِ بِظَنِّيَّةِ النَّتِيجَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ أَخَسَّ الْمُقَدِّمَاتِ . بَلْ إِنَّ السَّرَيَانَ الظَّنِّيَّ يَجْرِي فِي (هَيْئَةِ القِيَاسِ) ذَاتِهَا عِنْدَ تَرَامِي مَرَاحِلِ الِاسْتِدْلَالِ وَتَعَدُّدِ الوَسَائِطِ ؛ إِذْ يَتَصَاعَدُ مَنْشَأُ الخَطَأِ وَيَدِبُّ الِاحْتِمَالُ المُخَالِفُ ، فَتَنْحَطُّ النَّتِيجَةُ عَنْ رُتْبَةِ اليَقِينِ إِلَى حَيِّزِ الظَّنِّ ، وَإِنْ كَانَتِ المَوَادُّ يَقِينِيَّةً فِي أَصْلِهَا . وَصَفْوَةُ الْقَوْلِ : أَنَّ الْعَقْلَ لَمَّا كَانَ ذَا مَرَاتِبَ وَطَبَقَاتٍ ، كَانَ حُكْمُهُ تَبَعًا لِمَرْتَبَتِهِ نُزُولًا وَصُعُودًا . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ