/ الْفَائِدَةُ : (43/ 310) /
21/04/2026
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [مَنَاهِجِ الِاسْتِنْبَاطِ لَدَى أَرْبَابِ المَعْرِفَةِ] يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ : أَنَّ جُلَّ اسْتِنْبَاطَاتِ أَهْلِ المَعْرِفَةِ مُبْتَنِيَةٌ عَلَىٰ (مَرَاقِي الذَّوْقِ العِلْمِيِّ) ، وَمُسْتَقَاةٌ مِنْ مَطَاوِي البَيَانَاتِ الوَحْيَانِيَّةِ ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ نِتَاجاً لِمُحْضِ المُكَاشَفَاتِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ الرِّيَاضَاتِ الخَاصَّةِ ، بَلْ هِيَ (اسْتِنْطَاقٌ لِكُنْهِ النُّصُوصِ) بِمِيزَانِ الشُّهُودِ المُنْضَبِطِ بِأُصُولِ الدين وَمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ ؛ فيَتَحَوَّلُ النَّصُّ لَدَيْهِمْ مِنْ حَيِّزِ اللَّفْظِ الظَّاهِرِ إِلَىٰ أُفُقِ الحَقِيقَةِ المَشْهُودَةِ ، الَّتِي تَتَفَتَّقُ عَنْهَا مَعَانٍ مَطْوِيَّةٌ لَا يَبْلُغُ شَأْوَهَا إِلَّا مَنْ صَفَا جَنَانُهُ ، وَارْتَقَىٰ فِي مَعَارِجِ العِلْمِ وَالعَمَلِ (1) . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ فِي هَذَا المَقَامِ إِلَى أَمْرَيْنِ مَنْهَجِيَّيْنِ : /مَعَايِير الِاسْتِدْرَاجِ وَنَوَامِيسِ الرِّضَا الإِلَهِيِّ وَمَنَازِلِ الِارْتِبَاطِ الغَيْبِيِّ] الأَوَّلُ : أَنَّ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ "الرِّيَاضَاتِ الرُّوحِيَّةِ" ـ فِي بِلَادِ الهِنْدِ وَالصِّينِ وَنَحْوِهِمَا ـ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى "اسْتِكْنَاهِ الضَّمَائِرِ" ، وَالإِخْبَارِ عَنْ مَغِيبَاتِ النُّفُوسِ ، أَوْ مَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ خَوَارِقَ كَـ "طَيِّ الأَرْضِ" وَالمَشْيِ عَلَى المَاءِ وَالهَوَاءِ ؛ كُلُّ ذَلِكَ ـ وَإِنْ صُبِغَتْ بِصِبْغَةِ النَّفْعِ ، وَكَانَتْ فِي ظَاهِرِهَا أَعْمَالَ خَيْرٍ وَرَحْمَةٍ ـ لَا يُعَدُّ كَاشِفاً عَنْ صَلَاحِ المُرْتَاضِ ، وَلَا دَلِيلاً عَلَى مَقَامِ الرِّضَا عِنْدَ البَارِي (عَزَّ وَجَلَّ) ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَابِ "الِاسْتِدْرَاجِ" وَالفِتْنَةِ . فَانْظُرِ : بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) المَقْتَصُّ لِخَبَرِ عَرْشِ بِلْقِيسَ : [قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ] [النمل: 38ـ40] ؛ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ التَّمْكِينَ مَحَلًّا لِلِاخْتِبَارِ بَيْنَ الشُّكْرِ وَالكُفْرِ : ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. 2ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : [إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ] [الأَعراف: 155]. 3ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ قَوْلُهُ) : [وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى] [طه: 131]. 4ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [العنكبوت: 3]. وَدَلَالَةُ الْجَمِيعِ وَاضِحَةٌ . ثُمَّ إِنَّ مَقَامَ "رِضَا اللهِ" تَعَالَى نِظَامٌ مَنْظُومِيٌّ طَوِيلُ الذَّيْلِ ، مُمْتَدُّ الْمَدَى ، لَا يُخْتَصَرُ فِي خَارِقَةٍ عَابِرَةٍ . وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ الْأُخْرَى ، مِنْهَا : أَوَّلًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ ذِكْرُهُ) : [يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ] [الانشقاق: 6]. ثَانِيًا : بَيَانُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَعَلَى آلِهِمَا) : « يَا عَلِيُّ ، إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ... » . بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 68 : 213 ـ 214/ح8. الْكَافِي ، 2 : 87. [كُلُّ رِيَاضَةٍ لَا تَرْتَبِطُ بِالسَّاحَةِ الْإِلَٰهِيَّةِ فَلَابُدَّ مِنِ ارْتِبَاطِهَا بِالْجِنِّ وَالْأَبَالِسَةِ] [قَاعِدَةٌ فِي حَصْرِيَّةِ الِارْتِبَاطِ بِالسَّاحَةِ القُدُسِيَّةِ] الثَّانِي : ثَمَّةَ ضَابِطَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ ، بَالِغَةُ الخُطُورَةِ ، قَامَ عَلَيْهَا البُرْهَانُ الوَحْيَانِيُّ ، وَهِيَ : « أَنَّ كُلَّ رِيَاضَةٍ رُوحِيَّةٍ لَا تَتَّصِلُ سَبَبِيَّتُهَا بِاللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) وَلَا بِرَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، فَلَا جَرَمَ أَنْ تَرْتَبِطَ ـ تِلْقَائِيّاً ـ بِالْجِنِّ وَالأَبَالِسَةِ وَعُمُومِ القُوَى الشِّرِّيرَةِ». فَالرِّيَاضَةُ الرُّوحِيَّةُ مِنْهَاجٌ لِـ "قُوَى النَّفْسِ العَمَلِيَّةِ" ؛ فَإِذَا لَمْ يَتَمَيَّزِ المَنْهَجُ العِبَادِيُّ المَوْصُولُ بِأَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ، ارْتَطَمَ السَّالِكُ فِي مَنْزَلَقَاتِ الغَوَايَةِ . وَلِكُلِّ قُوَّةٍ مِن قُوَى النَّفْسِ ـ عِلْمِيَّةً كَانَتْ أَمْ رُوحِيَّةً ـ مَنَاهِجُ "سَوِيَّةٌ هَادِيَةٌ" وَأُخْرَى "غَوِيَّةٌ مُرْدِيَةٌ" ؛ وَغَالِباً مَا يَتَلَبَّسُ الغَوِيُّ مِنْهَا بِالسَّوِيِّ لِيَقَعَ الخَلْطُ وَالِاشْتِبَاهُ . وَمِنْ هُنَا ، يُعَدُّ تَمْيِيزُ "الأَفْعَالِ الجَلِيَّةِ" أَمْراً مَيْسُوراً ، بَيْدَ أَنَّ المُعْضِلَةَ تَكْمُنُ فِي تَمْيِيزِ "الأَفْعَالِ الخَفِيَّةِ" غَيْرِ المَحْسُوسَةِ ؛ لِأَنَّ صُدُورَهَا سَرِيعٌ وَمَهُولٌ ، مِمَّا يَجْعَلُ التَّحَكُّمَ فِيهَا مُتَعَذِّراً إِلَّا بِمِيزَانِ "المُرَاقَبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ" ؛ فَيَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَحْصُرَ تَرْكِيزَهُ عَلَى رَصْدِ قُوَاهُ غَيْرِ المَرْئِيَّةِ نَظَراً لِشِدَّةِ ارْتِبَاطِهِ بِهَا