/ الفَائِدَةُ : (61 / 328) /
23/04/2026
بِسْمِ اللّٰـهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰـهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [جِسْرُ التَّبْلِيغِ المَعْرِفِيِّ: تَرْجَمَةُ المَعَانِي النَّظِيرَةِ وَتَحْدِيثُ الخِطَابِ الدِّينِيِّ] [فَلْسَفَةُ التَّقْرِيبِ اللُّغَوِيِّ: مَنْهَجِيَّةُ تَعْرِيبِ وَتَرْجَمَةِ المَفَاهِيمِ الدِّينِيَّةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالمَعْنَى] إِنَّ نَقْلَ العَنَاوِينِ المَعْرِفِيَّةِ مِنَ المَبَاحِثِ (التُّرَاثِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ) فِي عُلُومِ الدِّينِ إِلَى لُغَاتٍ عَصْرِيَّةٍ ـ مَعَ تَوَخِّي الغَايَةِ فِي الدِّقَّةِ وَالأَمَانَةِ ـ يُعَدُّ مِنَ المُهِمَّاتِ الجَسِيمَةِ لِلدَّاعِيَةِ وَالبَاحِثِ عَنِ الحَقِيقَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ . وَهِيَ تُمَثِّلُ أَنْجَعَ الأَسَالِيبِ فِي (تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ) ؛ لِمَا لَهَا مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى إِيصَالِ المَعْلُومَةِ إِلَى الأَذْهَانِ بِصُورَةٍ مُوجَزَةٍ ، سَلِسَةٍ ، وَنَافِذَةٍ . وَتَتَفَرَّعُ مَنْهَجِيَّةُ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنْحَاءٍ ثَلَاثَةٍ : أَوَّلاً : (تَرْجَمَةُ اللَّفْظِ بِاللَّفْظِ) ؛ وَهِيَ المُنَاظَرَةُ اللُّغَوِيَّةُ المُجَرَّدَةُ . ثَانِيًا : (تَرْجَمَةُ المَعَانِي بِالأَلْفَاظِ) ؛ حَيْثُ يُصَاغُ المَضْمُونُ بِقَوَالِبَ لَفْظِيَّةٍ مُسْتَحْدَثَةٍ . ثَالِثًا : (تَرْجَمَةُ المَعَانِي بِمَعَانٍ نَظِيرَةٍ) ؛ وَهِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّقْرِيبِ بَيْنَ النُّظُمِ المَعْرِفِيَّةِ المُخْتَلَفَةِ . [عَالَمِيَّةُ اللُّغَةِ البُرْهَانِيَّةِ: العُلُومُ المَادِّيَّةُ كَمَعَارِجَ لِلْمَلَكُوتِ] وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ ؛ يَتَيَسَّرُ نَقْلُ مَعَارِفِ الدِّينِ وَعَقَائِدِهِ وَمَنَاهِجِهِ النَّيِّرَةِ إِلَى كَافَّةِ الأُمَمِ وَالشُّعُوبِ ، عَبْرَ صِيَاغَتِهَا بِلُغَاتٍ : (عِلْمِيَّةٍ ، وَعَقَلِيَّةٍ ، وَمَعْرِفِيَّةٍ ، وَمَعْنَوِيَّةٍ) ، وَوِفْقَ مُعَادَلَاتٍ بُرْهَانِيَّةٍ تَنْفُذُ إِلَى مَا وَرَاءَ المَادَّةِ . فَعُلُومُ : الفِيزْيَاءِ ، وَالكِيمْيَاءِ ، وَالأَحْيَاءِ ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ ، وَالهَنْدَسَةِ ، وَالسِّيَاسَةِ ، وَالقَانُونِ ، وَعِلْمِ النَّفْسِ الِاجْتِمَاعِيِّ ، وَغَيْرِهَا(1) ؛ مَا هِيَ إِلَّا لُغَاتٌ وَمُعَادَلَاتٌ عِلْمِيَّةٌ تَقُودُ مُسْتَخْدِمَهَا ـ بِنُورٍ تَأَلُّهِيٍّ ـ إِلَى عَالَمِ الغَيْبِ ، وَإِلَى عِيَانِ عَوَالِمِ المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ . وَحِينَئِذٍ تَسْمُو غَايَةُ هَذِهِ العُلُومِ وَتَشْرُفُ مَكَانَتُهَا ؛ إِذْ (شَرَافَةُ العِلْمِ بِشَرَافَةِ مَوْضُوعِهِ). وَإِنَّمَا أُطْلِقَ وَصْفُ (اللُّغَةِ) عَلَى هَذِهِ المَنَاهِجِ العَقَلِيَّةِ وَالمُعَادَلَاتِ البُرْهَانِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ بِوَظِيفَةِ (الإِيصَالِ) إِلَى الغَايَاتِ المَعْرِفِيَّةِ وَالمَعَانِي القُدْسِيَّةِ ، تَمَاماً كَمَا تُؤَدِّي اللُّغَةُ اللِّسَانِيَّةُ دَوْرَهَا فِي التَّفَاهُمِ وَالبَيَانِ . [مَنْهَجِيَّةُ التَّجْسِيرِ المَعْرِفِيِّ: تَرْجَمَةُ الحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ عَبْرَ العُلُومِ الكَوْنِيَّةِ] إِذَنْ : يَتَأَتَّى لِلْبَاحِثِ ـ مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ فِي أَغْوَارِ الحَقِيقَةِ ـ صِيَاغَتُهَا وَتَرْجَمَتُهَا بِلُغَاتٍ : (عِلْمِيَّةٍ ، وَعَقَلِيَّةٍ ، وَمَعْرِفِيَّةٍ ، وَمَعْنَوِيَّةٍ بُرْهَانِيَّةٍ) مُسْتَمَدَّةٍ مِنْ شَتَّى الحُقُولِ المَعْرِفِيَّةِ ؛ لِيَتَوَصَّلَ عَبْرَ مَسَالِكِهَا إِلَى تَرْسِيخِ وَتَفْهِيمِ البَشَرِيَّةِ مَضَامِينَ الدِّينِ القَوِيمِ ، بِنَمَطٍ يَمْتَازُ بِالسُّرْعَةِ النَّافِذَةِ وَالإِقْنَاعِ المُبْهِرِ لِلنَّظَرِ . إِنَّ هَذِهِ المَنْهَجِيَّةَ ـ القَائِمَةَ عَلَى تَفْعِيلِ لُغَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ مُسْتَمَدَّةٍ مِنْ شَتَّى العُلُومِ ـ تُمَثِّلُ مَسْلَكاً مَحْوَرِيّاً فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ ؛ إِذْ لَا يَقْتَصِرُ الوَحْيُ الإِلَهِيُّ الشَّرِيفُ فِي إِيصَالِ الحَقَائِقِ المَعْرِفِيَّةِ إِلَى عُمُومِ المَخْلُوقَاتِ عَلَى لُغَةٍ عِلْمِيَّةٍ (فَارِدَةٍ) ، بَلْ يَعْتَمِدُ لُغَاتٍ مُتَعَدِّدَةً تَتَنَاغَمُ مَعَ مَدَارِكِ العُقُولِ عَلَى تَبَايُنِ مَرَاتِبِهَا . وَبِالجُمْلَةِ : فَإِنَّ المَعْرِفَةَ لَا تُحْبَسُ فِي نِطَاقِ لُغَةٍ أَوْ اصْطِلَاحٍ وَاحِدٍ ، كَمَا أَنَّ انْحِبَاسَ البَاحِثِ عَلَى لُغَةٍ فَارِدَةٍ وَإِقْصَاءَهُ لِمَا عَدَاهَا ، لَهُوَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى قُصُورِ بَاعِهِ ، وَعَدَمِ تَبَحُّرِهِ وَتَضَلُّعِهِ فِي مَيَادِينِ العِلْمِ وَالتَّحْقِيقِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) [مَحْدُودِيَّةُ الإِدْرَاكِ البَشَرِيِّ فِي قِبَالِ اللَّانِهَايَةِ العِلْمِيَّةِ] يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ مَنْهَجِيّاً : أَنَّهُ لَنْ يَتَحَقَّقَ لِلْبَشَرِيَّةِ ـ فِي أَيِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ رُقِيِّهَا ـ الإِحَاطَةُ التَّامَّةُ بِكُنْهِ عُلُومِ الفِيزْيَاءِ وَالكِيمْيَاءِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ وَسَائِرِ الفُنُونِ الكَوْنِيَّةِ ؛ وَذَلِكَ لِكَوْنِهَا حَقَائِقَ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ ، مِمَّا يَجْعَلُهَا مَوْسُومَةً بِطَابَعٍ إِلَهِيٍّ يَخْتَصُّ بِذَاتِ الحَقِّ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى). وَهَذَا مَا أَفْصَحَتْ عَنْهُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ بِلُغَةٍ بَلِيغَةٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ : أَوَّلًا : بَيانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قائِلٍ) : {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]. ثانِياً : بَيانُ قَوْلِهِ (جَلَّ شَأْنُهُ) : {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]. وَمُؤَدَّى هَذَيْنِ البَيَانَيْنِ : أَنَّ فَيْضَ السَّاحَةِ الإِلَهِيَّةِ مَدَدٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ ، وَنُورٌ لَا يَقِفُ عِنْدَ غَايَةٍ ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ السَّعْيَ الحَثِيثَ لِلِاسْتِزَادَةِ مَعَ الإِقْرَارِ بِالقُصُورِ الذَّاتِيِّ عَنِ الإِحَاطَةِ