/ الفَائِدَةُ : (62 / 329) /
23/04/2026
بِسْمِ اللّٰـهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰـهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [قِرَاءَةُ المَعَارِفِ: أَصَالَةُ المَنْظُومَةِ الوَحْيَانِيَّةِ فِي قِبَالِ المَقَايِيسِ البَشَرِيَّةِ] إِنَّ سِرَّ تَأْكِيدِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ المَعَارِفِ وَتَدَبُّرِ المَضَامِينِ الوَحْيَانِيَّةِ عَبْرَ عَنَاوِينِ وَلُغَاتِ الوَحْيِ نَفْسِهِ(1) ، دُونَ الِارْتِهَانِ لِعَنَاوِينِ وَلُغَاتِ البَشَرِ (2) ؛ يَكْمُنُ فِي كَوْنِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ عِبَارَةً عَنْ (شَبَكَةِ إِنْبَاءٍ غَيْبِيٍّ وَمَلَكُوتِيٍّ) ، وَأُفُقٍ ذِي أَبْعَادٍ وَمَقَاسَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ ؛ فَهِيَ مِمَّا لَا يُقَاسُ بِأُفُقِ النَّتَاجِ البَشَرِيِّ المَحْدُودِ ، وَلَا بِتَنَاظُرِ (القِيلِ وَالقَالِ) لِمَخْلُوقٍ مَهْمَا بَلَغَ شَأْنُهُ . فَأَيْنَ الذَّهَبُ الإِبْرِيزُ مِنَ الرَّغَامِ ؟ وَأَيْنَ المَاءُ العَذْبُ الفُرَاتُ مِنَ المِلْحِ الأُجَاجِ ؟! [بَرَاهِينُ اللَّاتَنَاهِي: مَقَايِيسُ العِلْمِ الإِلَهِيِّ فِي قِبَالِ نِتَاجِ المَخْلُوقِ] فَتَأَمَّلْ مَلِيّاً فِي هَذِهِ البَيَانَاتِ الشَّاهِدَةِ عَلَى ذَلِكَ الفَارِقِ المَاهَوِيِّ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا](3). وَدَلَالَتُهُ فِي غَايَةِ الجَلَاءِ ؛ إِذْ هُوَ (بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ) قَاطِعٌ ، يَدُلُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ إِحَاطَةِ المَحْدُودِ البَشَرِيِّ بِالمُطْلَقِ الإِلَهِيِّ سِعَةً وَكَمَالاً . 2ـ بَيَانُ قَوْلهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ](4). وَدَلَالَتُهُ جَلِيَّةٌ ـ أَيْضاً ـ فِي التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الحَقَائِقَ الوَحْيَانِيَّةَ تَتَسَامَى عَنْ أَدَوَاتِ الرَّسْمِ ، وَتَتَجَاوَزُ نُظُمَ التَّدْوِينِ البَشَرِيَّةِ ، مَهْمَا تَكَاثَرَتْ مَوَادُّهَا وَتَعَدَّدَتْ وَسَائِلُهَا . 3ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ) : [مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ](5). وَدَلَالَتُهُ جَلِيَّةٌ ـ أَيْضاً ـ ؛ إِذْ هُوَ بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ مُؤَسِّسٌ لِـ (قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ) تَقْضِي بِالفَصْلِ التَّامِّ بَيْنَ (الزَّوَالِ) المَحْتُومِ الَّذِي يَحِيقُ بِالنَّتَاجِ البَشَرِيِّ المَحْدُودِ ، وَبَيْنَ (البَقَاءِ) السَّرْمَدِيِّ الَّذِي يَمْتَازُ بِهِ العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ المَعْصُومُ . 4ـ بَيَانُ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِكَامِلٍ التَّمَّارِ ، قال : « كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ لِي : يَا كامِلُ ، اجْعَلُوا لَنا رَبّاً نَؤُوبُ(6) إِلَيْهِ ، وَقُولُوا فِينا ما شِئْتُمْ . قالَ : قُلْتُ : نَجْعَلُ لَكُمْ رَبّاً تَؤُوبُونَ إِلَيْهِ وَنَقُولُ فِيكُمْ ما شِئْنا ؟! قالَ : فَاسْتَوى جالِساً ثُمَّ قالَ : وَما عَسى أَنْ تَقُولُوا ؟! وَاللَّهِ ، ما خَرَجَ إِلَيْكُمْ مِنْ عِلْمِنا إِلَّا أَلِفٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ »(7). 5 ـ بَيانُ الإِمامِ الكاظِمِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) ، مُخاطِباً عَلِيَّ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ : « ... لَا تَعْجَبْ ، فَما خَفِيَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الإِمامِ أَعْجَبُ وَأَكْثَرُ ، وَما هَذا مِنَ الإِمامِ فِي عِلْمِهِ إِلَّا كَطَيْرٍ أَخَذَ بِمِنْقارِهِ مِنَ البَحْرِ قَطْرَةً مِنْ ماءٍ ، أَفَتَرَى الَّذِي أَخَذَ بِمِنْقارِهِ نَقَصَ مِنَ البَحْرِ شَيْئاً ؟ قالَ : فَإِنَّ الإِمامَ بِمَنْزِلَةِ البَحْرِ لا يَنْفَدُ ما عِنْدَهُ وَعَجائِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَالطَّيْرَ حِينَ أَخَذَ مِنَ البَحْرِ قَطْرَةً بِمِنْقارِهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنَ البَحْرِ شَيْئاً ، كَذَلِكَ العالِمُ لا يَنْقُصُهُ عِلْمُهُ شَيْئاً ، وَلا تَنْفَدُ عَجائِبُهُ »(8). وَدَلَالَتُهُ ـ كَسَوَابِقِهِ مِنَ البَرَاهِينِ ـ جَلِيَّةٌ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ (العِلْمَ الوَحْيَانِيَّ) هُوَ المِحْوَرُ الأَصِيلُ الَّذِي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ، وَلَا تَنْفَدُ ذَخَائِرُهُ ؛ وَأَنَّ كُلَّ نِتَاجٍ مَعْرِفِيٍّ سِوَاهُ يَبْقَى حَبِيساً فِي فَلَكِ (النَّفَادِ) ، وَيَدُورُ فِي مَدَارِ (القُصُورِ) الذَّاتِيِّ . [الجُمُودُ عَلَى حَرْفِيَّةِ أَلْفاظِ الوَحْيِ مَنْهَجٌ حَشْوِيٌّ] ثُمَّ إِنَّ ثَمَّةَ مَسْلَكًا اخْتَصَّ بِهِ أَرْبَابُ المَنْهَجِ الحَشْوِيِّ ـ وَمَنْ كَانَ نَهْجُهُ أَوهَى مِنْ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ ، سَوَاءٌ كَانُوا سَلَفِيَّةً أَمْ وَهَّابِيَّةً أَمْ أَخْبَارِيَّةً أَمْ أُصُولِيَّةً ـ وَهُوَ : الجُمُودُ فِي التَّعَاطِي مَعَ بَيَانَاتِ الوَحْيِ عِنْدَ حَرْفِيَّةِ أَلْفَاظِهَا وَعَنَاوِينِهَا . وَغَيْرُ خَفِيٍّ عَلَىٰ مَنْ يُحَكِّمُ عِرْفانَهُ ، وَيُنْصِفُ وِجْدانَهُ : أَنَّهُ يَراهُ كَالشَّمْسِ بِلا حِجابٍ وَسِتارٍ ، عَلَىٰ غَيْرِ أَصْلٍ فَنِّيٍّ وَقاعِدَةٍ صِناعِيَّةٍ ؛ فَيَكُونُ مَنْهَجَ خُدْعَةٍ وَلِلْعَقْلِ مِنْهُ نَبْوَةٌ ، مُخالِفاً لِما قامَتْ عَلَيْهِ بَياناتُ الوَحْيِ الزَّاهِرَةِ ؛ فَإِنَّها كَأُصُولِ الدِّينِ وَالمَذْهَبِ وَقَواعِدِهِما قاضِيَةٌ بِضَرُورَةِ الجَمْعِ بَيْنَ (الدِّرايَةِ) وَ(الرِّوايَةِ) ، مَعَ عُلُوِّ كَعْبِ الدِّرايَةِ وَتَقَدُّمِها . فَلَاحِظْ : بَيَانَاتِ الوَحْيِ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ](9). فَإِنَّ (النَّفْرَ) إِلَىٰ حَضْرَةِ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، أَوْ إِلَىٰ مَعادِنِ العِلْمِ مِنْ سائرِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، أَوْ إِلَىٰ مَناهِلِ صُدُورِهِمْ فِي الحَوْزاتِ العِلْمِيَّةِ ، يُمَثِّلُ جَنْبَةَ (الرِّوايَةِ) ، بَيْنَما الغايَةُ القُصْوَىٰ هِيَ (التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ) ، وَهُوَ جَوْهَرُ (الدِّرايَةِ) وَأَسْماها ؛ لِأَنَّ (النَّفْرَ) لَيْسَ إِلَّا مُقَدِّمَةً آلِيَّةً لِلْوُصُولِ إِلَيْها . 2ـ بَيانُ سَيِّدِ الأَنْبِياءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « رَحِمَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها فَأَدَّاها كَما سَمِعَها ، فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ »(10)(11). 3ـ بَيانُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « عَلَيْكُمْ بِالدِّراياتِ لَا بِالرِّواياتِ »(12). 4ـ بَيانُهُ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « هِمَّةُ السُّفَهاءِ الرِّوايَةُ ، وَهِمَّةُ العُلَماءِ الدِّرايَةُ »(13). 5ـ بَيانُهُ (صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « اعْقِلُوا الخَبَرَ إِذا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعايَةٍ لا عَقْلَ رِوايَةٍ ، فَإِنَّ رُواةَ العِلْمِ كَثِيرٌ وَرُعاتَهُ قَلِيلٌ »(14) . 6ـ بَيانُ الإِمامِ الباقِرِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما) ، قالَ : « قالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلامُ) : يَا بُنَيَّ ، اعْرِفْ مَنازِلَ الشِّيعَةِ عَلَىٰ قَدْرِ رِوايَتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ ، فَإِنَّ المَعْرِفَةَ هِيَ الدِّرايَةُ لِلرِّوايَةِ ، وَبِالدِّراياتِ لِلرِّواياتِ يَعْلُو المُؤْمِنُ إِلَىٰ أَقْصَىٰ دَرَجاتِ الإِيمانِ ، إِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتابٍ لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلامُ) فَوَجَدْتُ فِي الكِتابِ : أَنَّ قِيمَةَ كُلِّ امْرِئٍ وَقَدْرَهُ : مَعْرِفَتُهُ ، إِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وَتَعالَىٰ يُحاسِبُ النَّاسَ عَلَىٰ قَدْرِ مَا آتاهُمْ مِنَ العُقُولِ فِي دارِ الدُّنْيا »(15). 7ـ بَيانُ الإِمامِ الصَّادِقِ (صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ»(16). 8 ـ بَيانُهُ (صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « رُواةُ الكِتابِ كَثِيرٌ ، وَرُعاتُهُ قَلِيلٌ ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَنْصِحٍ لِلْحَدِيثِ مُسْتَغْشٍ لِلْكِتابِ ، وَالعُلَماءُ تَحْزُنُهُمُ الدِّرايَةُ ، وَالجُهَّالُ تَحْزُنُهُمُ الرِّوايَةُ »(17). 9ـ بَيانُهُ (صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « أَنْتُمْ أَفْقَهُ النَّاسِ مَا عَرَفْتُمْ مَعانِيَ كَلامِنا ، إِنَّ كَلامَنا لَيَنْصَرِفُ(18) عَلَىٰ سَبْعِينَ وَجْهاً »(19). وَفَحْوَى هَذِهِ البَيَانَاتِ بِأَسْرِهَا جَلِيَّةٌ لَا خَفَاءَ فِيهَا . نَعَمْ ، التَّرْكِيزُ عَلَىٰ أَهَمِّيَّةِ الرِّوايَةِ لَدَىٰ أَصْحابِ النَّهْجِ الأَخْبارِيِّ يُعَدُّ جَنْبَةً إِيجَابِيَّةً ، وَتَصْوِيبًا لِمَنْزَلَقٍ وَقَعَ فِيهِ المَنْهَجُ الأُصُولِيُّ ؛ إِذِ انْكَبَّتْ جُمْلَةٌ مِنَ المَسَالِكِ الأُصُولِيَّةِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فِي مَلَكَةِ (الدِّرَايَةِ الصِّنَاعِيَّةِ) ؛ مِمَّا أَدَّى إِلَى طُغْيَانِ الجَنْبَةِ التَّحْلِيلِيَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلَى حِسَابِ المَادَّةِ الخَامِ لِلنَّصِّ الوَحْيَانِيِّ ، فَانْتَهَى بِهَا المَطَافُ إِلَى اخْتِزَالِ جُمْلَةٍ مِنَ الآيَاتِ وَالرِّوَايَاتِ المِحْوَرِيَّةِ المُؤَسِّسَةِ لِبُنْيَةِ البَحْثِ . وَالحَالُ أَنَّ الرِّوَايَةَ ـ كَالآيَةِ تَمَامًا ـ تُمَثِّلُ حَلَقَةَ الوَصْلِ وَالاِتِّصَالِ بِمَعْدِنِ الوَحْيِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَلَا يَسُوغُ مَنْهَجِيًّا اخْتِزَالُهَا أَوْ تَهْمِيشُهَا ، بَلْ يَتَحَتَّمُ اسْتِقْصَاءُ كَافَّةِ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وَالأَثَرِيَّةِ النَّاظِرَةِ لِمَوْضُوعِ البَحْثِ ، تَحْقِيقًا لِلِاسْتِيعَابِ المَعْرِفِيِّ المَنْشُودِ . وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سَوَاءٌ كَانَتِ اللُّغَةُ وَالعَنَاوِينُ وَارِدَةً فِي بَيَانَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ـ بِمِلَاكِ كَوْنِهِ (وَحْيَ إِنْبَاءٍ غَيْبِيٍّ) ـ ؛ أَمْ كَانَتْ وَارِدَةً فِي بَيَانَاتِ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ ـ بِمِلَاكِ كَوْنِهَا (وَحْيَ إِنْبَاءٍ مَلَكُوتِيٍّ) ـ . (2) سَوَاءٌ أَكَانَتْ لُغَةُ البَشَرِ نَازِلَةً فِي مَسَارِ المَنَاهِجِ : (العَقَلِيَّةِ) ، أَمِ (الذَّوْقِيَّةِ) ، أَمِ (الجَدَلِيَّةِ الكَلَامِيَّةِ) ، أَمْ كَانَتْ صِيغَةً (بُرْهَانِيَّةً ذَوْقِيَّةً وِجْدَانِيَّةً) ، أَمْ لُغَةً (رِيَاضِيَّةً) ، أَمْ لُغَةَ (العُلُومِ التَّجْرِيبِيَّةِ) ، أَمِ المَدَارِكَ (القَانُونِيَّةِ) . (3) الكَهْفُ : 109. (4) لُقْمانُ : 27. (5) النَّحْلُ : 96. (6) خ. ل : نَؤُوبُ. (7) بَصائِرُ الدَّرَجاتِ ، 2 : 459/ح 1809 ـ 8. (8) بِحارُ الأَنْوارِ ، 26 : 190/ح 2. قُرْبُ الإِسْنادِ : 333/ح 1238. (9) التوبة: 122. (10) بِحارُ الأَنْوارِ ، 2 : 161/ح 20 . وَفِي رِوايَةٍ أُخْرَىٰ : « فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إِلَىٰ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ». (11) يجدر الِالتفات في المقام إِلى القضايا التَّالية: القضيَّة الأُولىٰ: / عقل سيِّد الأَنبياء صلى الله عليه واله فوق نبوَّته / إِنَّ ما ورد في بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الصَّادق عليه السلام : «ما كلَّم رسول الله صلى الله عليه واله العباد بكُنْهِ عقله قَطُّ ...» [أُصول الكافي، 1: 19/ح15] براهينٌ وحيانيَّةٌ دالَّةٌ على أَنَّ عقل سيِّد الأَنبياء صلى الله عليه واله فوق نُبوَّته ؛ لأَنَّه تكلَّم مع العباد بنبوَّته ، لكنَّه لم يتكلَّم معهم بمراتب عقله الصَّاعدة ؛ فيكون عقله أَرفع درجة . القضيَّة الثَّانيَّة: / الوَحْيٌ الفِطْرِيٌّ / إِنَّ الوَحْيَ وإِنْ كان من جملة أَقسام ودرجات العقل ـ ولا تغاير بينهما في أَصل اِنطلاق الدِّين ، ومن ثَمَّ يُعبَّر عن العقل في مرحلة البديهيَّات : أَنَّه وَحْيٌ فِطْرِيٌّ ، وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي ، منها : بيان قوله تعالىٰ : [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ] [الروم: 30]. فإِنَّه برهانٌ وحيانيٌّ دالٌّ على أَنَّ البديهيَّات المغروزة في دخيلة ذات الإِنسان ، بل وغيره من سائر المخلوقات برنامجٌ مُدْمَجٌ من المعلومات المُعقَّدة جِدّاً ، ورَأْسُ مال ثمين لدىٰ المخلوق ، ونقطةٌ مركزيَّةٌ يتمكَّن من خلالها إِلى ترامي المعلومات لديه ، ومن ثَمَّ تكون جملة العلوم النظريَّة والعلم الحصولي لدىٰ المخلوق في كافَّة مجالات العلوم مَدِيْنَة لهذه الدَّائرة المركزيَّة ـ لكنَّه ـ أَي : الوحي ـ غير العقل والنُّور الأَوَّل المشار إِليه في بيانات الوحي ، منها : بيان سيِّد الأَنبياء صلى الله عليه واله ، عن جابر بن عبدالله الأَنصاري قال : « قلتُ لرسول الله صلى الله عليه واله : أَوَّل شيء خلق الله تعالىٰ ما هو؟ فقال : نور نبيِّكَ يا جابر، خلقه الله ثُمَّ خلق منه كُلّ خيرٍ». بحار الأَنوار، 15: 24/ح43. وكذا غير روح القدس حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة. القضيَّة الثَّالثة: / نبوَّة سيِّد الأَنبياء صلى الله عليه واله ثابتة في جملة العوالم والنَّشْآت / إِنَّ نبوَّة ورسالة سيِّد الأَنبياء صلى الله عليه واله لم تبدء من حين بلوغه سنّ الأَربعين ، وإِنَّما هذا السن الشَّريف مبدأ لبعثته صلى الله عليه واله في هذه النَّشْأَة الأَرضيَّة ، أَمَّا نبوَّته ورسالته فإِنَّه من حين ولادته صلى الله عليه واله كان نبيّاً ورسولاً ؛ ومن ثَمَّ عُرِجَ به صلى الله عليه واله في هذه النَّشْأَة الأَرضيَّة مُنْذُ نُعُومَةِ أَظفَارِهِ ، بعد الِالتفات : أَنَّ وحي المعراج وحي صاعد ، وأَرقىٰ وَأَخطر من وحي جبرئيل عليه السلام . بل كان كذلك وهو في عَالَم الأَصلاب الطَّاهرة والأَرحام المُطهَّرة ، بل كان في العوالم السَّالفة كَعَالَم الذَّرِّ والميثاق ، وفي بداية الخلقة والوجود كعَالَم الأَنوار نبيَّاً ورسولاً . فانظر : بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان سيِّد الأَنبياء صلى الله عليه واله : «... نبئتُ وآدم بين الرُّوح والجسد». بحار الأَنوار، ١٥: 353. 2ـ بيان الإِمامين الباقر والصَّادق عليهما السلام : «إنَّ الله خلق الخلق وهي أَظلَّة ، فأَرسل رسوله مُحمَّداً صلى الله عليه واله ، فمنهم مَنْ آمن به ، ومنهم مَنْ كذَّبه ، ثُمَّ بعثه في الخلق الآخر ، فآمن به مَنْ كان آمن به في الأَظلَّة ، وجحده مَنْ جحد به يومئذٍ ، فقال : [فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ] [يونس: 74]». بحار الأَنوار، 5: 259/ح64. 3ـ بيان الإِمام الصَّادق عليه السلام ، عن عَلِيِّ بن معمر، عن أَبيه ، قال : «سألتُ أَبا عبدالله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالىٰ : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى] [النجم: 56] ، قال : يعني به مُحمَّداً صلى الله عليه واله حيث دعاهم إِلى الإِقرار بالله في الذَّرِّ الأَوَّل». بحار الأَنوار، 5: 250/ح42. بصائر الدرجات: 23. 4ـ بيانه عليه السلام أَيضاً عن عَلِيِّ بن معمر ، عن أَبيه ، قال: «سألتُ أَبا عبدالله عليه السلام عن قوله الله عَزَّ وَجَلَّ : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى] ، قال : إِنَّ الله تبارك وتعالىٰ ما ذرأ الخلق في الذَّرِّ الأَوَّل فأَقامهم صفوفاً قدّامه بعث الله مُحمَّداً صلى الله عليه واله فآمن به قوم ، وأَنكره قوم ، فقال الله : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى]». بحار الأَنوار، 5: 234/ح7. تفسير القمي: 656. 5ـ بيانه عليه السلام أَيضاً ، عن المُفَضَّل ، قال : «قال لي أَبو عبدالله عليه السلام : يا مُفَضَّل ، أَمَا علمتَ أَنَّ الله تباركٰ وتعالىٰ بعث رسول الله صلى الله عليه واله وهو روح إِلى الأَنبياء عليهم السلام وهم أَرواح قبل خلق الخلق بأَلفي عام ؟ قلتُ : بلىٰ ، قال : أَمَا علمتَ أَنَّه دعاهم إِلى توحيد الله وطاعته واِتِّباع أَمره ووعدهم الجنَّة علىٰ ذلك، وأَوعد مَنْ خالف ما أَجابوا إِليه وَأَنكره النَّار؟ فقلتُ: بلىٰ». بحار الأَنوار، 15: 14/ح17. علل الشرائع: 65. ودلالة الجميع واضحة. القضيَّة الرَّابعة: / ذات سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بحر وحي زخَّار لا ينقطع أَبداً ُ / إِنَّ ما ورد في بيانات الوحي المُشيرة إِلى حقيقة وماهية سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ـ منها : بيان قوله جلَّ اسمه : [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] [الكهف: 110]، وبيان قوله عَزَّ وَجَلَّ : [مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] [النجم: 2ـ4] براهينٌ وحيانيةٌ دالَّة علىٰ أَنَّ جوهر ذات وحقيقة سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ تباين جواهر ذوات وحقائق سائر المخلوقات وفي كافَّة العوالم غير المتناهية ، من بداية الخلقة والوجود إِلى ما لا نهاية ؛ لأَنَّه لا يوجد مخلوق البتَّة أَشرف منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، بل ولا مساوياً له بالشرف والجلالة ، بل لم تُعطِ بيانات الوحي هذه الصِّفة والقابليَّة والفضيلة والكمال لمخلوق أَبَداً ، فلا يوجد مخلوق وُصِفَ بهذه الصِّفَة؛ وأَنَّ ذاته بحر وحي زخَّار لا ينقطع أَبداً، من بداية الخلقة والوجود إِلى ما لا نهاية. القضيَّة الخامسة: / النُّبُوَّة والإِمامة الإِلٰهيَّة تكمن في نور النَّبِيِّ والإِمام لا في بدنه / / ذات سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بحر وحي زخَّار لا نهاية له أَبَداً / إِنَّ حقيقة النُّبُوَّة لا تكمن في بدن النَّبيّ المقدَّس ، بل في نوره وطبقات حقيقته الصَّاعدة . وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان قوله جلَّ قوله الوارد في حقِّ بيان حقيقة سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : [مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] [النجم: 2ـ4]. وتقريب الدلالة : أَنَّ ضمير (هو) الوارد في هذا البيان الشَّريف وبحسب سياق هذه الآيات المباركة أَنَّ مرجعه نفس مرجع الضمير المستتر في (صاحبكم) و(ينطق) ، وهو ذات سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، وقد عبَّر عَزَّ وَجَلَّ عنها بصيغة الفعل المضارع (يوحىٰ) المُفيد للتَّجدُّد والِاستمرار التأبيدي ، الدَّالُّ علىٰ أَنَّ ذاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ المُقدَّسة بحر وحي زخَّار لا نهاية ولا انقطاع له أَبداً من بداية الخلقة والوجود إِلى مالا نهاية. 2ـ بیان قوله عزَّ قوله الوارد أَيضاً في حقِّ بيان حقيقة ذات سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] [الكهف: 110]. وتقريب دلالته قد اِتِّضحت من سابقه ، فإِنَّه عبَّرَ عن فصل ذات سيِّد الَأنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بصيغة الفعل المضارع (يوحىٰ) المفيدة للتَّجدُّد والِاستمرار التَّأبيدي ، فتكون ذاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بحور وحي خضم زاخرة ، يعب عبابها وتصطخب أَمواجها. وهذا الوحي بعدما كان فصل ذاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وبه مُيِّزة عن جملة البشر، بل عن مُطلق حقائق المخلوقات فلا ينفكّ عنها أَبداً في هذا العَالَم وفي العوالم السَّابقة واللَّاحِقة ، ومن ثَمَّ ورد في بيانات الوحي الواردة في حقِّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّه : كان في العوالم السَّابقة نبيّاً ورسولاً لكُمَّل المخلوقات ، بل لِـمُطْلَقِها . فانظر: أَوَّلاً : بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : «كُنْتُ نبيّاً وآدم بين الماء والطِّين» أَو «بين الرُّوح والجسد». بحار الأَنوار، 18: 278. ثانياً: بيان الإِمامين الصَّادقين عليهما السلام : «إِنَّ الله خلق الخلق وهي أَظلَّة ، فأَرسل رسوله مُحمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فمنهم مَنْ آمن به ، ومنهم مَنْ كذَّبه ، ثُمَّ بعثه في الخلق الآخر ؛ فآمن به مَنْ كان آمن به في الأَظلَّة ، وجحده مَنْ جحد به يومئذ ، فقال : [فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ] [يونس: 74]» . بحار الأَنوار، 5: 259/ح64. ثالثاً : بيان الإِمام الصَّادق عليه السلام ، عن المُفَضَّل بن عمر ، قال: «... يا مُفَضَّل، أَمَا علمتَ أَنَّ الله (تباركٰ وتعالىٰ) بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وهو روح إِلى الأَنبياء عليهم السلام وهم أَرواح قبل خلق الخلق بأَلفي عام؟ قلتُ: بلىٰ ، قال : أَمَا علمتَ أَنَّه دعاهم إِلى توحيد الله وطاعته واِتِّباع أَمره ، ووعدهم الجنَّة علىٰ ذلك ، وأَوعد مَنْ خالف ما أَجابوا إِليه وَأَنكره النَّار؟ قلتُ : بلىٰ ...». بحار الأَنوار، 39: 194ـ195/ح5. علل الشرائع: 65. رابعاً: بيانه عليه السلام أَيضاً: «ما بَعَثَ الله نبيّاً أَكرم من مُحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، ولا خلق الله قبله أَحَداً ، ولا أَنذر الله خلقه بأَحد من خلقه قبل مُحمَّد ، فذلك قوله تعالىٰ : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى] [النجم: 56] ، وقال: [إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ] [الرعد: 7]، فلم يكن قبله مُطاع في الخلق ، ولا يكون بعده إِلى أَنْ تقوم السَّاعة ، في كُلِّ قرنٍ إِلى أَنْ يرث الله الأَرض وَمَنْ عليها». بحار الأَنوار، 16: 371/ح82. ودلالة الجميع واضحة ولا غبار عليها . ثُمَّ إِنَّ صفة : (عدم تناهي وحي ذات سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ) لم يثبتها القرآن الكريم لأَحدٍ غيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَطُّ ، بل لم يثبتها لنفسه ؛ فإِنَّه عبَّر عنها بصيغة الماضي، (أَوحينا)، الدَّالَّة علىٰ التناهي . فلاحظ : بيان قوله تبارك وتعالىٰ : [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا] [الشورى: 52]. ودلالته واضحة . ثُمَّ إِنَّ وحي ذات سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ هذا أَعظم من دون قياس من عَالَم الآخرة الأَبديَّة ؛ لعُلُوِّ مرتبته ومقاماته ؛ فإِنَّه من عوالم نوريَّة صاعدة . وَمِنْ كُلِّ ما تقدَّم يتَّضح : أَنَّ من مُقوِّمات معرفة حقيقة سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ معرفته ومعرفة صفاته وَأَسماءه وشؤونه وَأَحواله في جملة العوالم السَّابقة واللَّاحقة ؛ من بداية خلقة عَالَم الإِمكان والوجود إِلى ما لا نهاية له ، بحسب ما أَصحرت به بيانات الوحي . وعلىٰ ما تقدَّم قِس حقيقة الإِمامة الإِلٰهيَّة والإِمام عليه السلام ؛ فإِنَّهما يرتضعان من ثديٍ واحدٍ من هذه الجهة . وهذا ما تُشير إِليه بيانات الوحي ، منها : 1ـ بيان سيِّد الأَنبياء مُخاطباً أَمِير الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما علىٰ آلهما : «... يا أَبا الحسن ... وما أَكرمني الله بكرامةٍ إِلَّا أَكرمكَ بمثلها ...». بحار الأَنوار، 24: 64/ح49. 2ـ بين الإِمام الصَّادق عليه السلام : «كُلُّ ما كان لمُحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فلنا مِثله إِلَّا النُبُوَّة والأَزواج». بحار الأَنوار، 26: 317/ح83. تفضيل الأَئمَّة: (مخطوط). القضيَّة السَّادسة: / رُكْنٌ ينبغي أَخذه في تعاريف حقائق أَهْل الْبَيْتِ عليهم السلام / / اِستِحَالة اِحاطة مخلوق بكُنْه حقائق أَهْل الْبَيْتِ عليهم السلام / هناك رُكْنٌ ذكرته بيانات الوحي مَأخُوذٌ في نبوَّة سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، ومَأخُوذٌ أَيْضاً في إِمامة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ وصفةٌ من صفات حقيقته وحقائقهم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ غفلت عنه مدارس البشر المعرفيَّة ـ كالمدرسة الكلاميَّة ـ ينبغي أَخذه في تعريفيهما ، وهو: أَنَّه لا يمكن لمُطلق المخلوقات معرفة ووصف تلك الحقائق الشريفة بالكُنْه. وهذا ما يُشير إِليه بيان القاعدة المعرفيَّة المستفادة من بيانات الوحي ، وهي : « إِنَّ مَنْ وصف شيئاً بالكُنْه كان الواصف أَعظم من الموصوف ». القضيَّة السَّابعة: / (رُوح الْقُدُس) أَحَد أَرواح أَهْل الْبَيْتِ عليهم السلام / / (رُوح الْقُدُس) شريحة في بحور حقائق أَهْل الْبَيْتِ عليهم السلام / إ إِنَّ الثَّابت في بيانات الوحي : أَنَّ (رُوح الْقُدُس) ـ وهو حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ـ مع عظمته وهوله وخطره ، لكنَّه شريحة صغيرة وشعاع وحي ونور يسير في بحور طبقات حقيقة سيِّد الأَنبياء وطبقات حقائق سائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . فانظر: بيانات الوحي المُشيرة إِلى ذلك ، منها : 1ـ بیان قوله عزَّ قوله : [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا] [الشورى: 52]. فإِنَّه برهانٌ وحيانٌّي دالٌّ علٰى أَنَّ رُوح الْقُدُس مع عظمته وعُلُوّ شأنه جُعل في ذات سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كأَحَد غرائزها . 2ـ بيان الإِمام الصَّادق صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : «... فينا رُوح رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ». [بحار الأَنوار، 25: 62ـ63/ح41. بصائر الدرجات: 126]. ودلالته واضحة. القضيَّة الثامنة: / خلط البعض بين (رُوح الْقُدُس) و(جبرئیل عليه السلام) / يطلق البعض خطأً واشتباهاً عنوان : (رُوح الْقُدُس) علىٰ جبرئيل عليه السلام ، لَكِنْ الثابت في بيانات الوحي الْمَعْرِفِيَّة : أَنَّه عنوانٌ يُطلقُ علىٰ حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ، والَّتي يُطلق عليها أَيضاً عنوان : (الرُّوح الأَمري). نعم ، جبرئيل عليه السلام يُطلقُ عليه في بيانات الوحي عنوان : (الرُّوح الأَمين). وجبرئيل عليه السلام وإِنْ كان مَلَكاً عظيماً وقد وصفه الباري تقدَّس اسمه في كتابه الكريم بأَوصاف عظيمة ، كما ورد في بيان قوله تعالىٰ : [إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ] [التكوير: 19ـ 21] ، لكنَّه إِذ قيس إِلى (رُوح الْقُدُس) ـ حقيقة القرآن الكريم الصَّاعدة ـ فهو ـ جبرئيل عليه السلام ـ قطرة في بحره ـ رُوح الْقُدُس ـ . وهو ـ رُوح الْقُدُس ـ ليس إِلَّا قطرة في بحور حقيقة سيِّد الأَنبياء وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الزخَّارة الطمطامة المُتلاطمة . وقد مرَّ وسيأتي (إِنْ شاء اللّٰـه تعالىٰ) مزيد بيان وَأَدلَّة علىٰ جميع ذلك. وهذه النُّتَفُ والحقائق الْمَعْرِفِيَّة لو لم يُبيِّنُها أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَمَنْ الَّذي يشمُّها وترد علىٰ خاطره. القضيَّة التَّاسعة: / بعض طبقات الوحي من دون واسطة / إِنَّ للوحي الإِلٰهيّ مراتباً وأَقساماً ، وبعضها لم تُسند لجبرئيل عليه السلام ، وبعضها الآخر لم تُسند إِلى رُوح الْقُدُس ، بل بعضها لم تُسند أَصلاً إِلى أَيِّ واسطةٍ . فلاحظ : بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الصَّادق عليه السلام ، عن زرارة ، قال : «قلتُ لأَبي عبدالله ×: جُعِلْتُ فداك، الغَشْيَة الَّتي كانت تُصيب رسول الله ’ إِذا نزل عليه الوحي؟ قال: فقال: ذاك إِذا لم يكن بينه وبين الله أَحَد، ذاك إِذا تجلَّىٰ الله له، قال: ثُمَّ قال: تلك النُّبوَّة يا زرارة، وأَقبل يتخشَّع». توحيد الصدوق، 112/ح15. فإِنَّه برهانٌ وحيانيٌّ مُصرِّح بأَنَّ هناك نحو من أَنحاء الوحي الإِلٰهي بين الباري عَزَّ وَجَلَّ وسيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ من دون واسطة البَتَّة . وهذا يدلُّ علىٰ عُلُوِّ مقام ومرتبة وخطر هذا النحو من الوحي . ثُمَّ إِنَّ سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ تعرَّض إِلى مواقف عظيمة وخطيرة ومهولة جِدّاً ؛ كنزول جبرئيل عليه السلام عليه ، والعروج به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، ومشاهداته لنار الآخرة الأَبديَّة ، ووصوله إِلى ما بعد سدرة المُنتهىٰ ، وبلوغه حدّاً لم يبلغه أَحدٌ قَطُّ من خلق الله ، ولو دنىٰ منه جبرئيل عليه السلام أَنْمُلَةً لاحترق ، ومع كُلّ هذا وغيره بقي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ علىٰ حالته الطبيعيَّة ، مع أَنَّ النَّبيَّ عيسىٰ عليه السلام رغم أَنَّه من أَنبياء أُولي العزم لم يتحمَّل بدنه ونفسه وروحه الشَّريفة الرَّفع إِلىٰ السَّماء الأُولىٰ إِلَّا بالتَّنويم . فانظر: بيان قوله تعالىٰ: [إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ] [آل عمران: 55]. وكُلُّ هذا يُدلِّل علىٰ عُلُوِّ مقام ومرتبة وخطر وهول حقيقة سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ . القضيَّة العاشرة : /اِعتماد المخلوق باستقلاليَّة ما حواه أَحَد أَنواع الغُلُوّ والتأليه/ / كلَّمَا عظمت عطيَّة الخالق كُلَّمَا اِشتدَّ فقر المخلوق وحاجته إِليه / إِنَّ الغُلُوّ والتأليه يدبَّان للمخلوق إِذا اعتقد ـ ولو بمقدار حبَّة من خردلٍ ـ أَنَّ ما لديه حواه وبنحو الِاستقلاليَّة من تلقاء نفسه . والحقُّ : أَنَّه كلَّمَا عظمت عطيَّة الخالق (تقدَّست أَسماؤه) للمخلوق كُلَّمَا اِشتدَّ فقر المخلوق وحاجته إِليه (تبارك اسمه) . وهذا ما يوضِّح : سر وفلسفة صفة (عبده) المُتَّصف بها سيِّد الأَنبياء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، وهي من أَعظم صفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ . القضيَّة الحادية عشرة : / من فوائد توالي النُّبوَّات / إِنَّ توالي النُّبوَّات بعضها بعد الآخر يزيد الوعي الدِّيني لدىٰ المخلوق ، ويتجذَّر اِرتباطه أَكثر بساحة القدس الإِلٰهيَّة . القضيَّة الثَّانية عشرة: / النِّسْبَة المنطقيَّة بين عنوان : (الأَنبياء) و(الرُّسُل) / إِنَّ اِستعمالات عنوان (الرُّسُل) الواردة في بيانات الوحي أَعَمُّ من اِستعمال عنوان (الرُّسُل من الأَنبياء) ؛ فإِنَّ عنوان الرُّسُل يُطلق في بيانات الوحي : علىٰ مَنْ لديه مأموريَّة إِلٰهيَّة لَدُنِّيَّة خاصَّة ، وحينئذٍ يشمل الملائكة . وإِليه أَشارت بيانات الوحي ، منها : بيان قوله تعالىٰ : [اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ] [الحج: 75]. وعليه : تكون النِّسْبَة المنطقيَّة بين عنوان (الأَنبياء) وعنوان (الرُّسُل) : العموم من وجهٍ ، وليست العموم والخصوص المُطلق ، كما تبنَّته اِصْطِلاحات الكُتُب الكلاميَّة . القضيَّة الرَّابعة عشرة : / عدم اِهتمام مدارس البشر بالجانب الرُّوحي يُوقِع بظلمات روحيَّة قاتلة / / لرياضة (اليوغا) وما شاكلها اِرتباطات بعَالَم الجنِّ والأَبالسة / هناك مطلب مرتبط بمباحث النُّبوَّة ؛ ينبغي صرف النَّظر إِليه ، حاصله : اِنتشرت في الآونة الأَخيرة رياضات وطقوس روحيَّة تُدَرَّس في الجامعات والأَكاديميَّات الغربيَّة ، أَغلبها طقوس شرك وإِلحاد . مثاله: رياضة اليوغا (Yoga)، والريكي (Reiki) ـ العلاج بالطَّاقة ـ ، والتَّنويم المغناطيسي (Mayo clinic) مايوكلنك. وسبب اِنتشارها : اِبتعاد الغربيُّون والماديُّون والالحاديُّون والِاشتراكيُّون والمسيحيُّون واليهود وغيرهم من أَتباع سائر الديانات وغيرها ؛ في شرق الأَرض وغربها ، بل وأَتباع سائر المذاهب والمدارس الإِسلاميَّة عدا أَتباع مَدْرَسَة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عن دين السماء وشرعها ووحيها ومعارفها ، ومن ثَمَّ عاشوا حالة جفاف روحي وظلمة قاتلة ضاجة لمضاجعهم ، المشار إِليها في بيانات الوحي ، منها : بیان قوله تقدَّس ذكره : [وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ] [النور: 39ـ40]. وذلك نتيجة عدم اِهتمامهم بالجانب الرُّوحي كما اهتَمَّ به دين الإِسلام الُمتَمَثِّل في مَدْرَسَة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فإِنَّها زاخرة بالأَدعية والزيارات والخُطْبِ والبيانات الوحيانيَّة المُهتمَّة بالجانب الرُّوحي ؛ فإِنَّ خلقة الإِنسان وتكوينه عبارة عن زوج تركيبي (بدن وروح) ، والرُّوح مهما تكن تَكِلّ وَتَمِلّ وتَكْبُت وتَضِجّ ويُعْلَىٰ صُرَاخها وتنفجر، وَمِنْ ثَمَّ تُحَاوِل هذه الرياضات والطقوس تلبية نداء الفِطْرَة وعطش الرُّوح لدىٰ أُولئك ، لكن هذه الرياضات والطقوس عبارة عن كهانة قديمة أُلبِسَت ثَوْبٌ جَدِيدٌ ، لها اِرتباطات وتَعَلُّقَات بالجنِّ والشَّياطين واللَّواذ بهم والِاستمداد من طاقاتهم . القضيَّة الخامسة عشرة: / حقيقة الإِنسان علىٰ طبقات / / عَالَم (الدَّهر) أَحَد العوالم الَّتي مَرَّ بها الإِنسان / إِنَّ ما ورد في بيان قوله عظمت آلاؤه : [هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا] [الإِنسان: 1] برهانٌ وحيانيٌّ دالٌّ علىٰ أَنَّ ليس لحقيقة الإِنسان طبقة فاردة قَطُّ في عَالَم الخلقة الأَرضيَّة ـ عَالَم الأَصلاب ، وَعَالَم الأَرحام ، وَعَالَم النَّشْأَة الخارجيَّة ـ ، وإِنَّما هذه النَّشْأة الأَرضيَّة أَحَد العوالم النَّازلة المارّ بها الإِنسانِ ، وقبلها وبعدها عوالم إِلى ما شاء الله تعالىٰ ، أَحدها : (عَالَم الدَّهر) . القضيَّة السَّادسة عشرة: / طبيعة الوجود المُهَيْمِن مُحيط بجميع شراشر ما تحته / إِنَّ طبيعة الوجود المُهَيْمِن : يلم بجملة قطعات الوجود النَّازل ؛ فتحضر لديه المعلومات بالمُهَيْمَنِ عليه ، ولا تتفاوت قدرته عليه ، وتكون أَبْعَاضه وشراشره لديه كنقطةٍ واحدةٍ لا تفاوت بينها ولا تصرُّم ؛ فلا مُضِيّ ولا راهن ولا لاحق . وللتوضيح : لاحظ شعور الإِنسان وإِحاطته بجملة بدنه من قمَّة رأسه إِلى أَخمص قدميه؛ فإِنَّها حاضر لديه كنقطة واحدة. لاحظ شعور الإِنسان وإِحاطته بجملة بدنه من قمَّة رأسه إِلى أَخمص قدميه ؛ فإِنَّها حاضرة لديه كنقطةٍ واحدةٍ . وهذا بخلاف الوجود الضعيف ؛ فإِنَّ في أَبْعَاضه تفاوت ، وفيه مُضِيّ وحاضر ولاحق . وكُلَّمَا اِزداد ضُعْفاً اِزداد اِنقساماً ، ويكون في كُلِّ قسمٍ اِنقسامات زمانيَّة ثلاثة ـ ماضي وراهن ولاحق ـ . ومَنْ يُدقِّق في الوجود الرَّاهن يجده وإِنْ كان ظاهره راهن لكنَّ باطنه يحتوي أَيضاً علىٰ هذه الأَقسام الزَّمانيَّة الثلاثة ـ ماضي وراهن ولاحق ـ ، وكذا مَنْ يُدقِّق في باطن هذا الرَّاهن الأَضعف فإِنَّه يجده ينقسم أَيضاً إِلى هذه الأَقسام الزمانيَّة الثلاثة ، وهلمَّ جرّاً إِلى أَنْ يصل الحال إِلى حافَّة العدم في الضُّعْفِ . ومعناه : أَنَّ الزَّمان مُؤشِّر علىٰ ضُعْفِ الوجود والموجود الزَّماني . (12) بِحارُ الأَنْوارِ ، 2 : 160/ح 12. (13) المَصْدَرُ نَفْسُهُ : 161/ح 13. (14) المَصْدَرُ نَفْسُهُ /ح 21. (15) بِحارُ الأَنْوارِ ، 2 : 161/ ح 20. (16) المَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 1 : 106/ ح 2 . (17) المَصْدَرُ نَفْسُهُ : 161/ ح 14 . (18) خ . ل : لَيَتَصَرَّفُ . (19) بَصائِرُ الدَّرَجاتِ ، 2 : 126/ ح 1183 ـ 6