/ الفَائِدَةُ : (66 / 333) /

23/04/2026



بِسْمِ اللّٰـهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰـهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [خُطُورَةُ التَّرَادُفِ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ فِي مَقَامِ الِاسْتِنْبَاطِ] [الفَارِقُ المَعْيَارِيُّ بَيْنَ تَجْدِيدِ الدِّينِ وَابْتِدَاعِ الضَّلَالَةِ] يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ فِي الْمَقَامِ إِلَى الْقَضِيَّةِ التَّالِيَةِ ، وَهِيَ : أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْبَاحِثِ فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ اسْتِكْنَاهُ الْحَقَائِقِ أَوِ التَّثَبُّتُ مِنْ مَبَانِيهَا عَبْرَ نَظَرٍ "أُحَادِيِّ الرُّؤْيَةِ" ؛ وَإِلَّا تَرَدَّى فِي مَهَاوِي الْغَلَطِ الْفَاحِشِ . بَلْ لَا تَنْتَهِي لِلْبَاحِثِ نَبَاهَةٌ ، وَلَا تَتَّسِعُ لَدَيْهِ مَسَارَاتُ التَّحْقِيقِ ، وَلَا يَصِلُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْوَاقِعِ ـ وَفْقَ الْمَوَازِينِ الْعِلْمِيَّةِ وَالشَّوَاهِدِ الْمُعْتَبَرَةِ لَفْظاً وَعَقْلاً ، بِحَيْثُ تَتَّسِقُ النَّتَائِجُ مَعَ مُحْكَمَاتِ الشَّرِيعَةِ وَالدِّينِ ـ إِلَّا بَعْدَ إِحْكَامِ النَّظَرِ فِي ثُلَاثِيَّةِ التَّرَادُفِ : (التَّرَادُفِ اللُّغَوِيِّ اللَّفْظِيِّ) ، وَ(التَّرَادُفِ الْعَقْلِيِّ الْمَعْنَوِيِّ) ، وَ(التَّرَادُفِ الْوُجُودِيِّ التَّكْوِينِيِّ وَتَلَازُمَاتِهِ الْوَاقِعِيَّةِ). وَتِلْكَ هِيَ الْفَارِقَةُ الْمَنْهَجِيَّةُ بَيْنَ "تَجْدِيدِ الدِّينِ" وَإِحْيَائِهِ ، وَبَيْنَ "الْبِدْعَةِ" وَالْمُرُوقِ عَنْ جَادَّةِ الِاسْتِقَامَةِ ؛ فَمَا عَاضَدَ مُحْكَمَاتِ الْكِتَابِ وَبَدِيهِيَّاتِهِ ، وَنَاهَضَ مُحْكَمَاتِ السُّنَّةِ وَضَرُورَاتِهَا فَهُوَ الْمَقْبُولُ الْمَأْخُوذُ بِهِ ، وَمَا نَبَا عَنْهُمَا فَهُوَ الْمَرْدُودُ الْمَذْرُورُ . [كُنْهُ تَنَامِي العُلُومِ : اسْتِجْلَاءُ مَكْنُونِ البَدِيهِيَّاتِ] وَهَذِهِ الضَّابِطَةُ لَا تَنْحَصِرُ فِي عُلُومِ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ ، بَلْ تَنْتَظِمُ (طُرَّ العُلُومِ) بِأَسْرِهَا ؛ فَالبَحْثُ فِي عُلُومِ : الفِيزْيَاءِ ، وَالكِيمْيَاءِ ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ ، وَالهَنْدَسَةِ ، وَالطِّبِّ ، وَمَا شَاكَلَهَا ، وَتَبَنِّي نَظَرِيَّاتِهَا وَأَسْبَارِهَا لَا يَسْتَقِيمُ حَقّاً إِلَّا إِذَا نَأَى عَنِ التَّصَادُمِ مَعَ (بَدِيهِيَّاتِ) تِلْكَ العُلُومِ ؛ فَإِنَّ بَدِيهِيَّاتِ العُلُومِ (وَحْيٌ مَنْزُوعٌ مِنَ الخَطَأِ) . فَإِذَا اتَّسَقَتْ هَذِهِ الأَبْحَاثُ وَتَنَاغَمَتْ مَعَ بَدِيهِيَّاتِ العِلْمِ ، كَانَ ذَلِكَ بُرْهَاناً عَلَى (اسْتِلَالِهَا مِنْ كَبِدِ تِلْكَ البَدِيهِيَّاتِ وَكُنُوزِهَا) ؛ فَتَغْدُو حَقِيقَةً رَاسِخَةً . وَهَذَا هُوَ المَعْنَى الجَوْهَرِيُّ لِتَنَامِي العُلُومِ وَتَطَوُّرِهَا ؛ إِذْ لَيْسَ التَّطَوُّرُ إِلَّا (فَتْقاً لِرَتْقِ البَدَاهَةِ) ، وَاسْتِخْرَاجاً لِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ كُنُوزُهَا مِنْ ذَخَائِرَ . إِذَنْ : لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمُحْكَمَاتِ وَالْبَدِيهِيَّاتِ ؛ فَإِنَّهَا الْمِيزَانُ الْحَاكِمُ وَالْمَنْبَعُ الْأَصِيلُ . وَلَمَّا كَانَتْ هَٰذِهِ الْمُحْكَمَاتُ بِمَثَابَةِ "بُنُودٍ إِلَهِيَّةٍ" مَعْصُومَةٍ ، فَقَدِ اسْتَدْعَتْ بِالضَّرُورَةِ مُعَلِّماً إِلَهِيّاً يَتَوَلَّى بَيَانَهَا وَرَفْعَ الِاشْتِبَاهِ عَنْهَا . وَهَذَا مَا تَضَافَرَتْ عَلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ الشَّرِيفِ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾(1). 2ـ بَيَانُ حَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ الْوَارِدِ عَنْ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰـهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) : « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي : أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ : كِتَابَ اللّٰـهِ ؛ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي ، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّىٰ يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ »(2). [سَرَيَانُ مَنْهَجِ الـمُرَادَفَاتِ فِي فِقْهِ الفُرُوعِ] وَهَٰذِهِ الْقَضِيَّةُ تَسْرِي فِي أَبْوَابِ "فِقْهِ الْفُرُوعِ" أَيْضاً ؛ فَإِنَّ مَنْ جَمَدَ عَلَى حَرْفِيَّةِ الأَلْفَاظِ ، وَذَهَلَ عَنْ تَعَاطِي مُرَادَفَاتِهَا : (اللُّغَوِيَّةِ) ، وَ(العَقْلِيَّةِ) ، وَ(الـوُجُودِيَّةِ وَالتَّلَازُمَاتِ الوَاقِعِيَّةِ) ؛ فَقَدْ شَطَّ عَنْ سَوَاءِ الحَقِيقَةِ ، وَاقْتَرَفَ جَرِيرَةً عِلْمِيَّةً ، وَأَمْسَى حَشْوِيّاً قِشْرِيّاً ؛ سَوَاءٌ كَانَ أَخْبَارِيَّ الـمَسْلَكِ أَمْ أُصُولِيَّ المَنْزَعِ ، شَعَرَ بِذَلِكَ أَمْ لَمْ يَشْعُرْ . [عُصَارَةُ مَا تَقَدَّمَ] وَبِالْجُمْلَةِ : لَا يَسُوغُ لِلْبَاحِثِ وَالْمُسْتَنْبِطِ ـ إِذَا رَامَ الْوُصُولَ إِلَىٰ حَقَائِقِ الدِّينِ وَمَقَاصِدِهِ ـ التَّشَبُّثُ بِقِشْرِ الْأَدِلَّةِ وَظَوَاهِرِهَا السَّطْحِيَّةِ فَحَسْبُ ـ بَلْ لَا مَنَاصَ مِنَ "التَّوَغُّلِ وَالْغَوْرِ" ـ وَفْقَ الْمَوَازِينِ وَالشَّوَاهِدِ الْعِلْمِيَّةِ ـ فِي بُطُونِ مَعَانِيهَا وَمَكْنُونِ حَقَائِقِهَا ـ بِحَيْثُ لَا تَتَنَاقَضُ النَّتَائِجُ أَوْ تَتَصَادَمُ مَعَ "مُحْكَمَاتِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ" . وَإِلَىٰ هَٰذَا أَشَارَتْ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ ، مِنْهَا : أَوَّلاً : بَيَانُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِمَا وَعَلَىٰ آلِهِمَا) : « يَا عَلِيُّ ، إِنَّ هَٰذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ ... » (3). ثَانِياً : بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللّٰـهِ عَلَيْهِ) : « إِنَّ قَوْماً آمَنُوا بِالظَّاهِرِ وَكَفَرُوا بِالْبَاطِنِ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ شَيْءٌ ، وَجَاءَ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ فَآمَنُوا بِالْبَاطِنِ وَكَفَرُوا بِالظَّاهِرِ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَٰلِكَ شَيْئاً ، وَلَا إِيمَانَ بِظَاهِرٍ إِلَّا بِبَاطِنٍ ، وَلَا بِبَاطِنٍ إِلَّا بِظَاهِرٍ » (4). وَدَلَالَتُهُ —كَدَلَالَةِ سَابِقِهِ— وَاضِحَةٌ . [نَظْرَةُ الحَشْوِيَّةِ وَأَصْحَابِ القِشْرِ] ثُمَّ إِنَّ مَنْ يَكُونُ دَيْدَنُهُ النَّظَرَ السَّطْحِيَّ لِبَيَانَاتِ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى هَذِهِ الأَقْسَامِ المَدِيدَةِ مِنَ "التَّوَاتُرِ"، وَلَا يَدِينُ بِهَا ، بَلْ يَعُدُّهَا ثُلْمَةً مَعْرِفِيَّةً فِي حَقِّ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا ؛ فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ عَنْ هَذَا المَنْزَلِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) آلُ عِمْرَانَ : 7. (2) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 23 : 152 / ح 114. الدُّرُّ الْمَنْثُورُ ، 2 : 60. (3) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 68 : 214 / ح 8. الْكَافِي ، 2 : 87. (4) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 69 : 97 / ح 13. بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ ، 2 : 518 / ح 1896 ـ 5. مُخْتَصَرُ الْبَصَائِرِ : 78