/ الفَائِدَةُ : (10) /

30/04/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ. [مَرَاتِبُ كُمَّلِ الْمَخْلُوقَاتِ وَارْتِهَانُهَا بِالْمَعْرِفَةِ بِحَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)] إِنَّ كُمَّلَ الخَلَائِقِ ـ وَفِي طَلِيعَتِهِمُ المَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ، وَالأَنْبِيَاءُ المُرْسَلُونَ ، وَالأَوْصِيَاءُ الأَصْفِيَاءُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ـ لَمْ يُبَوَّؤُوا تِلْكَ المَقَامَاتِ العَلِيَّةَ ، وَلَمْ يَسْتَوْفُوا شَرَائِطَ الكَمَالِ ، وَلَمْ يُحْرِزُوا السَّبْقَ فِي كَمَالَاتِهِمْ ، وَلَمْ يَتَفَاضَلُوا فِي الرُّتَبِ الوُجُودِيَّةِ ؛ إِلَّا بِمِقْدَارِ حَظِّهِمْ مِنْ مَعْرِفَةِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، وَعَلَى قَدْرِ سَعَةِ قَوَابِلِهِمْ فِي اسْتِيعَابِ مَكْنُونِ أَسْرَارِهِمْ وَفَهْمِ مَرَاتِبِ نُورَانِيَّتِهِمْ . وَإِلَى هَذَا المَعْنَى الشَّرِيفِ تَنْصَرِفُ دَلَالَاتُ الوَحْيِ وَشَوَاهِدُهُ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ ، عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) ، مُخَاطِبًا سَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « ... وَإِنِّي جَعَلْتُكُمْ مِحْنَةً لِخَلْقِي ، أَمْتَحِنُ بِكُمْ جَمِيعَ عِبَادِي وَخَلْقِي فِي سَمَائِي وَأَرْضِي وَمَا فِيهِنَّ ؛ لِأُكْمِلَ الثَّوَابَ لِمَنْ أَطَاعَنِي فِيكُمْ ، وَأُحِلَّ عَذَابِي وَلَعْنَتِي عَلَى مَنْ خَالَفَنِي فِيكُمْ وَعَصَانِي ، وَبِكُمْ أُمَيِّزُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... »(1) . وَتَبْدُو دَلَالَةُ هَذَا البَيَانِ جَلِيَّةً ؛ إِذْ إِنَّ جُمْلَةَ البَرَايَا ـ وَفِي طَلِيعَتِهِمْ قَاطِبَةُ المَلَائِكَةِ لَا سِيَّمَا المُقَرَّبُونَ ، وَجَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ ، وَسَائِرُ الأَوْصِيَاءِ وَالأَصْفِيَاءِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ـ لَمْ يَنَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَقَامًا شَرِيفًا ، كَمَقَامِ المُقَرَّبِيَّةِ أَوِ النُّبُوَّةِ أَوِ الرِّسَالَةِ أَوِ الِاصْطِفَاءِ ، وَلَا حَازُوا كَمَالًا أَوْ فَضِيلَةً أَوْ شَأْنًا إِلَهِيًّا قَطُّ ، سَوَاءٌ فِي هَذَا العَالَمِ المَشْهُودِ أَوْ فِي العَوَالِمِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ ، وَلَمْ يُفْرَزِ الطَّيِّبُ مِنْهُمْ عَنِ الخَبِيثِ ، إِلَّا بَعْدَ مَحْضِ الِابْتِلَاءِ وَتَمْحِيصِ الِاخْتِبَارِ فِي مَدَى مَعْرِفَتِهِمْ بِأَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، وَكَمَالِ طَاعَتِهِمْ لَهُمْ ، وَسَعَةِ قَوَابِلِهِمْ فِي تَحَمُّلِ مَكْنُونِ مَعَارِفِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ . 2ـ بَيَانُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « ... وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا اسْتَوْجَبَ آدَمُ أَنْ يَخْلُقَهُ اللهُ وَيَنْفُخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ ، وَيَرُدَّهُ إِلَى جَنَّتِهِ إِلَّا بِنُبُوَّتِي وَالْوِلَايَةِ لِعَلِيٍّ بَعْدِي ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَرَى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَلَا اتَّخَذَهُ خَلِيلًا إِلَّا بِنُبُوَّتِي وَالْإِقْرَارِ لِعَلِيٍّ بَعْدِي ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا كَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَلَا أَقَامَ عِيسَى آيَةً لِلْعَالَمِينَ إِلَّا بِنُبُوَّتِي وَمَعْرِفَةِ عَلِيٍّ بَعْدِي ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ إِلَّا بِمَعْرِفَتِي ، وَالْإِقْرَارِ لَنَا بِالْوِلَايَةِ ، وَلَا اسْتَأْهَلَ خَلْقٌ مِنَ اللهِ النَّظَرَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ ، وَالْإِقْرَارِ لِعَلِيٍّ بَعْدِي ... » (2). 3ـ بَيَانُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَيْضًا : « مَا تَكَامَلَتِ النُّبُوَّةُ لِنَبِيٍّ فِي الْأَظِلَّةِ حَتَّى عُرِضَتْ عَلَيْهِ وِلَايَتِي وَوِلَايَةُ أَهْلِ بَيْتِي ، وَمُثِّلُوا لَهُ فَأَقَرُّوا بِطَاعَتِهِمْ وَوِلَايَتِهِمْ » (3). وَدَلَالَتُهُ ـ كَدَلَالَةِ سَابِقِهِ ـ وَاضِحَةٌ. 4ـ إِطْلَاقُ بَيَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « ... أَنَا مُنْزِلُ الْمَلَائِكَةِ مَنَازِلَهَا ... أَنَا صَاحِبُ الْهِبَاتِ بَعْدَ الْهِبَاتِ وَلَوْ أَخْبَرْتُكُمْ لَكَفَرْتُمْ ... أَنَا الْمُعْطِي ، أَنَا الْمُبْذِلُ ، أَنَا الْقَابِضُ يَدِي عَلَى الْقَبْضِ ... » (4). وَهَذَا المَعْنَى المَذْكُورُ يُمَثِّلُ أَحَدَ الوُجُوهِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِهَذَا البَيَانِ العَلَوِيِّ الشَّرِيفِ . 5ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « مَا نُبِّئَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ حَقِّنَا ، وَبِفَضْلِنَا عَلَى مَنْ سِوَانَا » (5). وَدَلَالَتُهُ فِي غَايَةِ الجَلَاءِ ؛ إِذْ إِنَّ مَقَامَ النُّبُوَّةِ لَمْ يُفَضْ عَلَى نَبِيٍّ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ مَعْرِفَتِهِ فِي العَوَالِمِ السَّالِفَةِ بِحَقَائِقِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ، وَالإِقْرَارِ بِحَقِّهِمْ وَمَوْرُوثِ فَضْلِهِمْ عَلَى سَائِرِ البَرَايَا فِي مَرَاتِبِ الوُجُودِ كَافَّةً . 6ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا : « ... فَمَنْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَرَّفَهُ وِلَايَتَنَا ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْمِسَ عَلَى قَلْبِهِ أَمْسَكَ عَنْهُ مَعْرِفَتَنَا ... وَاللهِ ، مَا اسْتَوْجَبَ آدَمُ أَنْ يَخْلُقَهُ اللهُ بِيَدِهِ ، وَيَنْفُخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ إِلَّا بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وَمَا كَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا إِلَّا بِوِلَايَةِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، وَلَا أَقَامَ اللهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ ، إِلَّا بِالْخُضُوعِ لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ، ثُمَّ قَالَ : أَجْمِلِ الْأَمْرَ : مَا اسْتَأْهَلَ خَلْقٌ مِنَ اللهِ النَّظَرَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْعُبُودِيَّةِ لَنَا » (6). وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ . 7- بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضًا ، الوارد فِي حَقِّ بَضْعَةِ المُصْطَفَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهَا) : « ... وَهِيَ الصِّدِّيقَةُ الكُبْرَى ، وَعَلَى مَعْرِفَتِهَا دَارَتِ القُرُونُ الأُولَى »(7) . وَدَلَالَتُهُ بَيِّنَةُ المَقْصِدِ ؛ إِذْ إِنَّ مَقَامَاتِ كُمَّلِ البَرَايَا ـ مِنَ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ، وَالأَنْبِيَاءِ المُرْسَلِينَ ، وَالأَوْصِيَاءِ الأَصْفِيَاءِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ـ وَمَا حَازُوهُ مِنْ كَمَالَاتٍ وَرُتَبٍ ، لَمْ تَفُضْهَا يَدُ القُدْسِ الإِلَهِيَّةِ عَلَيْهِمْ فِي العَوَالِمِ السَّابِقَةِ ـ الَّتِي هِيَ الأَصْلُ وَالأَسَاسُ ـ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ مَرَاتِبِ الزَّهْرَاءِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهَا) ، وَالاقْرَارِ بِمَقَامَاتِهَا وَشُؤُونِهَا النُّورَانِيَّةِ ؛ وَلِأَجْلِ التَّفَاوُتِ فِي هَذِهِ المَعْرِفَةِ وَقَعَ التَّفَاضُلُ بَيْنَ سَائِرِ الحُجَجِ وَالمَقْرُوبِينَ . 8- بَيَانُ الإِمَامِ الحَسَنِ العَسْكَرِيِّ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « ... فَالكَلِيمُ أُلْبِسَ حُلَّةَ الِاصْطِفَاءِ لَمَّا عَهِدْنَا مِنْهُ الوَفَاءَ ... »(8) . وَدَلَالَتُهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ ؛ إِذْ إِنَّ النَّبِيَّ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِنَّمَا اسْتَحَقَّ مَقَامَ الِاصْطِفَاءِ وَنَالَ رُتَبَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَسَائِرَ المَرَاتِبِ القُدْسِيَّةِ ، حِينَ كَانَ مِنْهُ الوَفَاءُ لِمِيثَاقِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) وَالإِخْلَاصُ لَهُمْ فِي العَوَالِمِ الأُولَى . 9ـ بَيَانُ زِيَارَتِهِمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) : « ... حَتَّى لَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَا صِدِّيقٌ وَلَا شَهِيدٌ ، وَلَا عَالِمٌ ، وَلَا جَاهِلٌ ، وَلَا دَنِيٌّ وَلَا فَاضِلٌ ، وَلَا مُؤْمِنٌ صَالِحٌ وَلَا فَاجِرٌ طَالِحٌ ، وَلَا جَبَّارٌ عَنِيدٌ ، وَلَا شَيْطَانٌ مَرِيدٌ ، وَلَا خَلْقٌ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ شَهِيدٌ إِلَّا عَرَّفَهُ جَلَالَةَ أَمْرِكُمْ ، وَعِظَمَ خَطَرِكُمْ ، وَكَبِيرَ شَأْنِكُمْ ، وَجَلَالَةَ قَدْرِكُمْ ، وَتَمَامَ نُورِكُمْ ، وَصِدْقَ مَقَاعِدِكُمْ ، وَثَبَاتَ مَقَامِكُمْ ، وَشَرَفَ مَحَلِّكُمْ ، وَمَنْزِلَتَكُمْ عِنْدَهُ ، وَكَرَامَتَكُمْ عَلَيْهِ ، وَخَاصَّتَكُمْ لَدَيْهِ ، وَقُرْبَ مَجْلِسِكُمْ مِنْهُ ... » (9). وَدَلَالَتُهُ جَلِيَّةً أَيْضاً ؛ إِذْ إِنَّ مِنْ غَايَاتِ هَذَا العَرْضِ وَعِلَلِهِ فِي بَدْءِ الخَلِيقَةِ ـ وَالتَّعْرِيفِ بِمَقَامَاتِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) وَشُؤُونِهِمُ القُدْسِيَّةِ ـ هُوَ اخْتِبَارُ جُمْلَةِ البَرَايَا وَتَمْحِيصُهَا ؛ لِيَنَالَ كُلُّ ذِي قَابِلِيَّةٍ اسْتِحْقَاقَهُ ، وَيَتَبَوَّأَ مَنْزِلَتَهُ اللائِقَةَ بِهِ فِي نِطَاقِ المَسْؤُولِيَّاتِ الوُجُودِيَّةِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ . الْبَيَانُ الثَّانِي : بَيَانُ دُعَاءِ أَيَّامِ شَهْرِ رَجَبٍ ، الْوَارِدِ عَنِ النَّاحِيَةِ الْمُقَدَّسَةِ فِي حَقِّ طَبَقَاتِ حَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) الصَّاعِدَةِ : « ... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ ... بِمَا نَطَقَ فِيهِمْ مِنْ مَشِيئَتِكَ ، فَجَعَلْتَهُمْ مَعَادِنَ لِكَلِمَاتِكَ ، وَأَرْكَانًا لِتَوْحِيدِكَ ، وَآيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ الَّتِي لَا تَعْطِيلَ لَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ ، يَعْرِفُكَ بِهَا مَنْ عَرَفَكَ ، لَا فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ ...»(10). وَدَلَالَتُهُ قَدِ اتَّضَحَتْ ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ طَبَقَاتُ حَقَائِقِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) الصَّاعِدَةُ قَدِ انْمَحَتْ فِيهَا ذَوَاتُهُمْ وَمَاهِيَّاتُهُمْ ، وَفَنِيَتْ فِيهَا جَنِبَةُ الْمَخْلُوقِيَّةِ ، وَخَلَصَتْ فِي حِكَايَةِ ذِيهَا ، فَلَمْ تَرَ نَفْسَهَا ، بَلْ مَحْكِيَّهَا : (الذَّاتَ الْإِلَهِيَّةَ الْأَزَلِيَّةَ الْمُقَدَّسَةَ) ، وَأَصْبَحَتْ نَظِيرَ : الْمِرْآةِ شَدِيدَةِ الصَّقْلِ وَالصَّفَاءِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْحِكَايَةِ انْعَكَسَتْ وَظَهَرَتْ وَتَجَلَّتْ فِيهَا كَافَّةُ صِفَاتِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَأَسْمَائِهِ وَكَمَالَاتِهِ وَشُؤُونِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) ؛ إِلَّا الْأُلُوهِيَّةَ ـ لِخُرُوجِهَا مَوْضُوعًا وَتَخَصُّصًا ـ ، فَصَارَ : لَا فَرْقَ بَيْنَهُ (تَعَالَى ذِكْرُهُ) وَبَيْنَهُمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) بِلِحَاظِ تِلْكَ الطَّبَقَاتِ إِلَّا أَنَّهُمْ عِبَادُهُ وَخَلْقُهُ ، يَعْرِفُهُ (جَلَّ قُدْسُهُ) بِهَذِهِ الطَّبَقَاتِ الْمُقَدَّسَةِ مَنْ عَرَفَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ . فَالْتَفِتْ ، وَتَدَبَّرْ جَيِّدًا ، وَاغْتَنِمْ تَرِبَتْ يَدَاكَ . البَيَانُ الثَّالِثُ : مَا أُثِرَ عَنْهُمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) : « لَنَا مَعَ اللهِ حَالَاتٌ : هُوَ هُوَ وَنَحْنُ نَحْنُ ، وَهُوَ نَحْنُ وَنَحْنُ هُوَ »(11). وَدَلَالَتُهُ قد اتَّضحت أَيضاً ، ولا غبار عليها ؛ إِذْ لَمَّا خَلَصَتْ مَرَاتِبُ حَقَائِقِهِمُ الصَّاعِدَةُ وَفَنِيَتْ فِي حِكَايَةِ مَحْكِيِّهَا ـ وَهُوَ الذَّاتُ الإِلَهِيَّةُ الأَزَلِيَّةُ ـ ، غَدَتْ لَا تَعْكِسُ ذَوَاتَهَا ، بَلْ تَعْكِسُ مَنْ تَرَاءَى فِيهَا ، فَانْعَكَسَتْ وَتَجَلَّتْ فِيهَا قَاطِبَةُ الصِّفَاتِ وَالأَسْمَاءِ وَالكَمالاتِ الرَّبَّانِيَّةِ لِلْبَارِي (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) ؛ فَصَارَ بِلِحَاظِ تِلْكَ المَظْهَرِيَّةِ الأَتَمِّ : « هُوَ هُمْ ، وَهُمْ هُوَ » ، عَلَى نَحْوِ الشَّبَهِ بِيْنَ الصُّورَةِ المِرْآتِيَّةِ وَشَاخِصِهَا الخَارِجِيِّ . لَكِنْ : حَيْثُ إِنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفُوا (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) بِهِ وَهُوَ : الْأُلُوهِيَّةُ ، مُضَافًا : أَنَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) هُوَ : الْخَالِقُ وَالْمَعْبُودُ ، وَهُمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) : مَخْلُوقُونَ وَعَبِيدٌ ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ : أَنَّ صِفَاتِهِ وَأَسْمَاءَهُ وَكَمَالَاتِهِ وَشُؤُونَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ (جَلَّ وَعَلَا) أَصَالَةً وَبِالذَّاتِ ، بِخِلَافِ صِفَاتِهِمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) وَأَسْمَائِهِمْ وَكَمَالَاتِهِمْ وَشُؤُونِهِمْ ؛ فَإِنَّهَا حِكَايَةٌ ، وَوُجُودٌ ظِلِّيٌّ ، وَمِنَ الْغَيْرِ كَانَ : « هُوَ هُوَ (جَلَّ اسْمُهُ) » ، وَ « هُمْ هُمْ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) » . فَتَدَبَّرْ جَيِّدًا ، وَاغْتَنِمْ تَرِبَتْ يَدَاكَ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 18 : 399 ـ 400/ح101. (2) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 40 : 95 ـ 97/ح116. كِتَابُ سُلَيْمٍ : 168 ـ 170. (3) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ ، 1 : 161/ح300 ـ 7. (4) مَشَارِقُ أَنْوَارِ الْيَقِينِ ، الْخُطْبَةُ الِافْتِخَارِيَّةُ : 165 ـ 166. (5) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 26 : 281/ح28. بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ ، 1 : 51. (6) بِحَارُ الْأَنْوَارِ : 294/ ح56. الِاخْتِصَاصُ : 250. (7) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 43 : 105/ح19. (8) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 26 : 364 ـ 365/ح50. (9) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 99 : 152. (10) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ ، 95 : 393. (11) مِصْبَاحُ الْهِدَايَةِ : 114