/ الفَائِدَةُ : (128 / 395) /

22/06/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [الْأَدَبُ الْإِلٰهِيُّ كَاشِفٌ عَنِ الْمَقَامَاتِ اللَّدُنِّيَّةِ وَالْمَوْقِعِيَّاتِ الْغَيْبِيَّةِ] إِنَّ مِمَّا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ مُحَقِّقِي الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَجَهَابِذَةِ الْمُفَسِّرِينَ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ بُحَّاثِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ ـ مِمَّا يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ وَالْعِنَايَةُ بِهِ ـ : هُوَ أَنَّ "الْأَدَبَ الْإِلَهِيَّ" ؛ سَوَاءٌ كَانَ صَادِراً مِنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) لِأَصْفِيَائِهِ ، أَمْ مِنَ الْأَصْفِيَاءِ مَعَ بَارِئِهِمْ تَعَالَى ، أَمْ فِيمَا بَيْنَ الْأَصْفِيَاءِ أَنْفُسِهِمْ ؛ لَيْسَ مُجَرَّدَ رُسُومٍ تَعَبُّدِيَّةٍ ، بَلْ هُوَ كَاشِفٌ بِالْحَقِيقَةِ عَنْ مَقَامَاتٍ دِينِيَّةٍ مَكِينَةٍ. مِثَالُهُ : مَا كَانَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَىٰ تِجَاهَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ الْخَضِرِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) ، فِي تِلْكَ الْحِوَارِيَّةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمَا وَحَكَتْ مَعَالِمَهَا بَيَانَاتُ سُورَةِ الْكَهْفِ(1) ؛ فَإِنَّهُ حِينَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَقَامِ التَّبَعِيِّ ـ فِي مَعْرِضِ الِاقْتِصَاصِ لِخَبَرِهِمَا الَّذِي سَاقَهُ بيان قَوْلُهُ (جَلَّ جَلَالُهُ) : [قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا](2) ـ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُجَامَلَاتِ الرَّسْمِيَّةِ ، أَوِ التَّعَارُفَاتِ الْعَابِرَةِ ، أَوِ الْمَدَائِحِ الِاسْتِهْلَاكِيَّةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقِيقَةٌ وُجُودِيَّةٌ كَاشِفَةٌ عَنْ مَقَامَاتٍ لَدُنِّيَّةٍ ، وَشُؤُونٍ تَكْوِينِيَّةٍ ، وَهِبَاتٍ إِلَهِيَّةٍ يَخْتَصُّ بِهَا الْخَضِرُ دُونَ النَّبيّ مُوسَىٰ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) . وَمَفَادُهُ : أَنَّ لِلْخَضِرِ صَلَاحِيَّاتٍ شَرْعِيَّةً رَصِينَةً ، وَمَوَاقِعَ عَقَائِدِيَّةً يَتَبَوَّأُهَا مَنْ حُبِيَ بِهَذَا الْأَدَبِ الرَّبَّانِيِّ ، مَوْقِعِيَّةً غَيْبِيَّةً خَاصَّةً لَا شَرِكَةَ لِلنَّبِيِّ مُوسَىٰ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِيهَا ؛ وَإِنْ كَانَ لِمُوسَىٰ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَىٰ فَضْلٌ مَشْهُودٌ ، وَكَمَالٌ مَمْدُودٌ ، وَمَوْقِعِيَّةٌ رِسَالِيَّةٌ عُلْيَا امْتَازَ بِهَا وَتَقَدَّمَ طَلِيعَتَهَا عَلَيْهِ . وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ مَا صَنَعَهُ الْخَضِرُ(عَلَيْهِ السَّلَامُ) ؛ إِذْ لَمْ يَقُلْ لِنَبِيِّ اللهِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِلَفْظِ الْأَمْرِ : (اتَّبِعْنِي) ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الْأَمْرَ عَلَى مَشِيئَتِهِ فَقَالَ : ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾(3) ؛ فَلَوْ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةٌ مُطْلَقَةٌ تَفُوقُ وِلَايَةَ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ وُجُوهِهَا كَافَّةً ، لَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهِ أَنْ يَبُتَّ فِي الْأَمْرِ جَزْمًا ، وَلَا يَكِلَ الْخِيَارَ إِلَى مَشِيئَةِ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلَامُ) . وَمَعْنَاهُ : أَنَّ بَيْنَهُمَا (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) مُشَارَكَةً وَلَائِيَّةً لَاهُوتِيَّةً ، وَتَوْزِيعاً لِلْأَدْوَارِ الرَّبَّانِيَّةِ . إِذَنْ : فِي عَالَمِ الْأَصْفِيَاءِ نَظْمٌ وَلَائِيٌّ غَيْبِيٌّ مُقَدَّسٌ ، بَالِغُ الدِّقَّةِ وَالْإِحْكَامِ ، يَتَجَلَّى فِيهِ صَفَاءٌ بَدِيعٌ يَتَنَاغَمُ مَعَ حَقَائِقِ الرُّتَبِ ، وَالْمَأْمُورِيَّاتِ ، وَالْمَقَامَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ؛ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاوَزُ فِيهِ مَخْلُوقٌ طَوْرَهُ ، وَلَا يَتَعَدَّى الْقَدْرَ الْمَفِيضَ عَلَيْهِ مِنْ لَدُنِ السَّاحَةِ الْقُدْسِيَّةِ . وَبِالْجُمْلَةِ: الْأَدَبُ الْإِلَهِيُّ ـ سَوَاءٌ كَانَ صَادِراً مِنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) حِيَالَ أَصْفِيَائِهِ، أَمْ كَانَ مِنْهُمْ تِجَاهَ سَاحَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، أَمْ كَانَ جَارِياً بَيْنَ الْأَطْهَارِ الْمُجْتَبَيْنَ بِالِاصْطِفَاءِ الرَّبَّانِيِّ ـ هُوَ الَّذِي يُمِيطُ اللَّثَامَ عَنِ الْمَرَاتِبِ الرَّسْمِيَّةِ لِلْأَصْفِيَاءِ، وَيُحَدِّدُ مَعَالِمَ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْوَلَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ. [التَّأَدُّبُ مَعَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَآلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِن أُصُولِ الدِّينِ] [فُرُوعُ الدِّينِ لَا تُحْبِطُ أُصُولَهُ بَلِ الْعَكْسُ] ثُمَّ إِنَّ مَا وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ) : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}(4) . بَرَاهِينُ وَحْيَانِيَّةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ التَّأَدُّبَ مَعَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ ، بَلْ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، لَيْسَ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ ، بَلْ مِنْ أُصُولِهِ ، وَإِلَّا ، فَكَيْفَ يَتَسَنَّى لِأَمْرٍ فَرْعِيٍّ أَنْ يُحْبِطَ مُطْلَقَ أَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ ، وَفِي مَقَامِهَا الْأَوَّلِ : الْأُصُولُ وَالْإِيمَانُ ؟ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ فِي النَّظَرِ الْعَقَدِيِّ أَنْ يُؤَدِّيَ سُوءُ أَدَبٍ فَرْعِيٍّ مَعَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِحْبَاطِ أَصْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ مِنَ الْأُصُولِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سُورَةُ الْكَهْفِ : 65 ـ 82. (2) الْكَهْفِ : 66. (3) الْكَهْفِ : 70. (4) الْحُجُرَاتِ : 2