/ الفَائِدَةُ : (155/ 422) /

04/07/2026



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [وُجُوبُ إِعَادَةِ هَنْدَسَةِ خَارِطَةِ الْجِهَادِ الدِّفَاعِيِّ فِي أَبْوَابِ فِقْهِ الْفُرُوعِ] [مُوَاجَهَةُ الْإِرْهَابِ وَالرَّدْعُ الِاسْتِبَاقِيُّ بِمِعْيَارِ التَّوَازُنِ الْعَقْلَائِيِّ] إِنَّ مَنْ يَبْرُزُ لِاسْتِقْرَاءِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ ، يَجِدْهَا مُطْبِقَةً عَلَى أَنَّ الْغَايَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مِنْ بِنَاءِ الْقُوَّةِ وَتَنَامِيهَا هِيَ رَدْعُ الْعُدْوَانِ ؛ فَدَلَالَةُ بَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾(1)(2) ، شَامِلَةٌ ـ بِمُقْتَضَى إِطْلَاقِهَا الْمَقْصِدِيِّ ـ لِرَدْعِ الْإِرْهَابِ وَكَفِّ عَادِيَةِ الْمُعْتَدِي . وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ كُلَّ دَعْوَةٍ تُصَادِمُ هَذَا الْأَصْلَ الْمُحْكَمَ ، أَوْ تَسْعَى لِتَعْطِيلِ مَفَاعِيلِهِ ، لَا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ مَرْقَدًا لِلْخِيَانَةِ ، وَغَدْرًا بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ الْعُلْيَا ، وَمُجَافَاةً لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ. وَلَيْسَ مُؤَدَّى ذَلِكَ مَسُوغًا لِلطُّغْيَانِ أَوِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْآخَرِينَ ، بَلِ الْغَايَةُ مِنْهُ هِيَ إِحْدَاثُ تَقَارُبٍ فِي تَقْدِيرِ الْقُوَّةِ ، وَتَحْقِيقُ الرَّدْعِ الْمُتَبَادَلِ ؛ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ مَنْطِقُ الْعَقْلِ ، وَيَتَطَابَقُ مَعَهُ سُلُوكُ الْعُقَلَاءِ ، بَلْ إِنَّ النَّوَامِيسَ الْفِطْرِيَّةَ الْمَوْدُوعَةَ فِي عَالَمِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ لَجَارِيَةٌ عَلَى مِعْيَارِ هَذَا التَّوَازُنِ . وَهَذَا النَّحْوُ هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الدِّفَاعِ الِاسْتِبَاقِيِّ الَّذِي لَمْ يُسْتَوْفَ بَحْثًا فِي مُصَنَّفَاتِ فُقَهَائِنَا ـ أَعْلَى اللَّهُ مَقَامَاتِهِمْ ـ وَلَا فِي رَسَائِلِهِمُ الْعَمَلِيَّةِ ، رَغْمَ أَنَّ تَنْقِيحَهُ أَضْحَى ضَرُورَةً لَا مَحِيدَ عَنْهَا ؛ إِذْ تَقْتَصِرُ الْأَقْسَامُ الْمَسْطُورَةُ فِيهَا عَلَى أَنْمَاطٍ دِفَاعِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةِ الرُّتْبَةِ ، تَجْرِي مَجْرَى الدِّفَاعِ الِانْفِعَالِيِّ (مِنْ بَابِ : آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ) ، وَالَّتِي يُؤَدِّي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا إِلَى نَقْضِ غَرَضِ الشَّارِعِ الْمُقَدَّسِ ، وَتَعْطِيلِ الْمَنْطِقِ الْعَقْلَائِيِّ ، وَمُصَادَمَةِ صَرِيحِ الْأَدِلَّةِ الْوَحْيَانِيَّةِ وَالْعَقْلَائِيَّةِ ، بَلْ وَمَنْطِقِ الْأَحْكَامِ وَالْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةِ لَدَى الْبَشَرِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ شَخَّصَ بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) هَذِهِ الْعِلَّةَ بِقَوْلِهِ : « ... مَا غُزِيَ قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا ...»(3). وَعَلَيْهِ : يَنْبَغِي إِعَادَةُ صِيَاغَةِ خَارِطَةِ الْجِهَادِ الدِّفَاعِيِّ وَتَعْدِيلُ هَنْدَسَتِهَا الرَّاتِبَةِ فِي الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الأَنْفَال: 60. (2) يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ : أَنَّ هَذَا الْبُرْهَانَ وَالْبَيَانَ الْوَحْيَانِيَّ الشَّرِيفَ يَنْصَبُّ فِي فَلَكِ وِلَايَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) وَيُعَدُّ شُعْبَةً مِنْ شُعَبِهَا ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ بَدَا فِي بُعْدِهِ الشَّرْعِيِّ فَرْعاً مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ ، إِلَّا أَنَّهُ انْعِكَاسٌ لِوِلَايَتِهِمْ وَتَمَظْهُرٌ لَهَا . وَمِنْ ثَمَّ ، فَهُوَ حُكْمٌ مُطْلَقٌ عَنِ التَّقْيِيدِ بِالْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ ، وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، وَالْحَدِّ وَالدَّرَجَةِ ؛ سِنْخِيَّةً مَعَ وِلَايَتِهِمْ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ). وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ أَحَدُ مَرَادِفَاتِ "التَّقِيَّةِ" فِي عُمْقِهَا الدَّلَالِيِّ ؛ إِذْ تَرْجِعُ حَقِيقَتُهَا إِلَى : الْإِعْدَادِ ، وَالِاسْتِعْدَادِ ، وَالْوِقَايَةِ . وَهَذَا ـ بِلَا رَيْبَ ـ لَيْسَ حُكْماً ثَانَوِيّاً طَارِئاً ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ أَوَّلِيٌّ دَائِمٌ ، مُسْتَمِرٌّ بِاسْتِمْرَارِ التَّكْلِيفِ ، وَمَطْلُوبٌ عَلَى نَحْوِ الدَّوَامِ ؛ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ دَيْمُومَةَ السَّعْيِ وَتَطْوِيرَ الْآلِيَّاتِ وَتَبْدِيلَهَا وَلَوْ عَبْرَ مَسَارَاتٍ هَادِئَةٍ أَوْ خَفِيَّةٍ . وَعَلَيْهِ : فَإِنَّ هَذَا الْفَهْمَ الدَّقِيقَ لِلتَّقِيَّةِ لَا يَعْنِي الرُّكُودَ وَالضَّعْفَ وَالِاسْتِكَانَةَ ، بَلْ هُوَ نَقِيضُ الْوَهْنِ وَالْخُمُولِ ؛ إِذْ يَتَلَاقَى غَايَاتِيّاً مَعَ مُفَادِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرَّعْد : 11] . كَمَا أَنَّهُ يُمَثِّلُ الرَّكِيزَةَ التَّمْهِيدِيَّةَ لِلْمَشْرُوعِ الْإِلَهِيِّ الْأَعْظَمِ الْمُرْتَبِطِ بِدَوْلَةِ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ (عَجَّلَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَجَهُ الشَّرِيفَ) ، وَهُوَ امْتِدَادٌ لِمَشْرُوعِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ؛ ذَلِكَ الْمَشْرُوعِ الْكَوْنِيِّ الضَّخْمِ الَّذِي لَا تَحُدُّهُ حُدُودٌ وَلَا تَتَنَاهَى أَبْعَادُهُ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صِيغَ أَمْرُ "الْإِعْدَادِ" لَهُ لِيَكُونَ مُطْلَقاً ، لَا غَايَةَ لَهُ تَحُدُّهُ وَلَا مُنْتَهَى يَقِفُ عِنْدَهُ . (3) الِاحْتِجَاجُ ، 1 : 256