/ الفَائِدَةُ : (31) /

28/10/2025



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / ضرورة ولا بُديِّة التَّوسل بالآيات الإلهيَّة/ أَشار السَّيِّدُ الطباطبائي (رَحِمَهُ اللَّهُ) في تفسير الميزان إلى قاعدة معرفيَّة ، ذكرها أَهل المعنى والمعرفة ، وهي : (أَنَّ النَّفس النَّازلة لا بُدَّ لها من التَّوسل بالوسائط في معرفة الباري تعالى) . والمعرفة بالوسائط ـ الآيات ومرادفاتها الإلهيَّة العقليَّة ـ على نمطين : فتارة تكون مَلْحُوظَةً ـ كنزول جبرائيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ ، وأُخرى غير مَلْحُوظَةٍ . وفي النمط الثَّاني تتجلَّي الذَّات الإِلٰهيَّة الأَزليَّة المُقدَّسة للمخلوق من خلال الآيات ومرادفاتها الإلهيَّة العقليَّة بدرجةٍ أَظهر وأَجلى . ثُمَّ إِنَّ رأس هرم الآيات ومرادفاتها الإلهيَّة العقليَّة طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الصَّاعدة وتتبعها طبقات حقائقهم المتوسطة والنازلة . وإِلَى هذا تُشِير بيانات الوحي ، منها : بيان الإِمام الباقر صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « بنا عُبَدَ اللَّهَ ، وبنا عُرِفَ اللَّهَ ، وبنا وُحِّدَ اللَّهَ تبارك وتعالى ، ومُحَمَّد حجاب الله تبارك وتعالى »(1) . ومعناه : أنّ (العبادة) و(المعرفة) و(التوحيد) و(الْاِتِّصَال بساحة القدس الإِلٰهيَّة) لا تتمُّ إِلَّا من خلالهم وإِن لم يُلحظوا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ . إِلَّا أَنَّه (رَحِمَهُ اللَّهُ) قد حصلت له غفلات عن هذه القاعدة في مواردٍ ، تبعاً لجملة من العرفاء والفلاسفة ، حيث قالوا : إِنَّ لكلِّ مخلوق وجهتين : إحداهما بالواسطة ، والأُخرى من دونها ، وأَطلقوا عليها : (الجهة الَّتي تلي الرَّب) ، وعلى الأُولى : (الجهة الَّتي تلي الخلق). والحقُّ : أَنَّها سقيفة عرفانيَّة في المعرفة ؛ لاستلزام النمط الثَّاني ـ المُدَّعى من نفي الوسائط ـ المعرفة بالكُنه والتَّشبيه ، وهو باطل بالضرورة الوحيانيَّة والعقليَّة . نعم ، لشَّفافيَّة النمط الثَّاني في الحكاية لا تُلحظ الواسطة . نظيره : أَوَّلاً : المرآة شديدة : الصقل ، والصَّفاء ، والفناء ، والحكاية ، والإِنعكاس ؛ فإِنَّها بعدما كانت فانية فناء حكاية في محكيِّها ، فلا تُري نفسها ، بل محكيِّها انطبعت فيها كافَّة صفات وشؤون محكيِّها ـ الشَّاخص الخارجي ـ ، وأَخذت صورتها بالتَّبع جملة صفاته وأَسمائه وشؤونه إِلَّا ما خرج موضوعاً وتخصُّصاً. وإِلَى هذا تُشِير بيانات الوحي ، منها : بيان خُطْبَة أَمير المؤمنين صلوات اللّٰـه عليه : « الحمدُ للّٰـه الَّذي ... تتلقَّاه الأَذهان لا بمشاعرة ، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة ، لم تحط به الأَوهام ، بل تجلَّىٰ لها بها ، وبها امتنع منها ، وإِليها حاكمها ... »(2). ثانياً : (الصَّرح) الوارد في قضيَّة بلقيس مع النَّبيّ سليمان عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، الواردة في بيان قوله جلَّ قوله : [ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ] (3) ، فإِنَّه لِشِدَّة خلوصه وصفائه وانعكاسه وتمرُّد وفناء ذاته في الحكاية ، فلم يُرِ نفسه ، بل محكيِّه ـ اللُّجَّة ، أَي : الماء الغزير ـ انعكست فيه(4) جميع صفاته(5) وأَسمائه وشؤونه ، فحسبته ماءً غزيراً فكشفت عن ساقيها لتتخطَّاه ، ولَـمَّا أُخبرت بالواقع ؛ وأَنَّه : (صرح مُمَّرد) تمرَّدت ذاته وفنيت في حكاية ذيه آمنت بالله تعالىٰ من دون نظر وتدبُّر ومهلة وتردُّد ؛ لإِلتقاطها إِشارة معرفيَّة توحيديَّة إِلى معنىٰ تجلِّي وظهور الذَّات الإِلٰهيَّة الأَزليَّة المُقدَّسة في المخلوقات المُكرَّمة. وهذه المؤاخذة تُسجَّل على جملة أهل المعرفة منهم الإماميَّة ؛ فإِنَّ بيان قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ](6) ، وبيان قوله جَلَّ قوله : [إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ](7) ، وبيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : « أَنا مدينة العلم وعليٌّ بابها ، فمَن أراد المدينة فليأت الباب »(8) يثبتان ضرورة وجود الوسائط في المعرفة ، غاية الأَمر أَنَّها على نمطين ـ كما تقدَّم ـ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي ، 1 : 145 . (2) بحار الأَنوار ، 4 : 261/ح9. (3) النمل : 44 . (4) مرجع ضمير : (فيه) : (الصرح) ، كمرجع الضمائر المُتقدِّمة ؛ المُتصلة بكلمة : (فإِنَّه) و(صفائه) و(انعكاسه) و(ذاته). و(نفسه) و(محكيِّه). (5) مرجع الضمير المُتَّصل بكلمة : (صفاته) و(أسمائه) و(شؤونه) و(لتتخطَّاه) : المحكي ، وهو : اللُّجَّة ، أَي : الماء الغزير والوفير. (6) المائدة : 35 . (7) الأعراف : 40. (8) بحار الأنوار ، 40 : 87 . عيون أَخبار الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، 1 : 233/ح1. تحف العقول : 430. عوالي اللآلي ، 205/ح4