/ الفَائِدَةُ : (12) /

08/01/2026



بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / غايات أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ من حروبه الثلاثة / ظَنَّ كَثيرٌ خَطأً : أَنَّ غايةَ غاياتِ أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ من حربِ الجمل وصفِّين والنهروانِ هزيمةُ وإِبادةُ الطرف ونسفةُ عسكريّاً ، والحقُّ : أَنَّ الَّذي كان يتوخَّاه أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأنجزه : (فَقْئُ الفتنةِ). وإِلى هذا تُشِير بياناته صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، منها : أَوَّلاً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ : « ... فأَنا فقأتُ عين الفتنة بباطنها وظاهرها ...» (1) . ثانياً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « ... فأَنا فقأتُ عين الفتنة ، ولم يكن ليجترئ عليها أَحد غيري ، بعد أَنْ ماج غيهبها ، واشتدَّ كلبها ...» (2). ثالثاً : بيانه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَيضاً : « أنا فقأتُ عين الفتنة ، ولولا أَنا ما قوتل أَهل النهروان ولا أَصحاب الجمل ، ولولا أَنِّي أَخشىٰ أَنْ تتَّكلوا فتدعوا العمل لأخبرتكم بالَّذي قضىٰ اللّٰـه على لسان نبيّكم لـمَنْ قاتلهم ؛ مبصراً بضلالهم ، عارفاً للهدىٰ الَّذي نحن عليه» (3). رابعاً : بيان الإِمام الباقر في تفسيره لبيان أَمِير الْمُؤْمِنِين صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما : « ... فقأت عين الفتنة ، وأَقتل أُصول الضلالة ...» (4). ودلالة الجميع واضحة ؛ فإِنَّه صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ـ مثلاً ـ بيَّن في حرب الجمل : أَنَّ أُمَّ المؤمنين والصحابيَّ يُقتلانِ إِذا زاغا عن جادَّة الدِّين وحارباه ؛ فإِنَّ مُوقعيَّة أُمِّ المؤمنين والصحابي لا تعني المقايضة على أَصل الدِّين. وَهذهِ البَصيرةُ العَظيمةُ وَبيانُ المَراتِبِ أَعظمُ مِن دونِ قياسٍ مِنَ الإِنتصارِ والحسمِ العسكريِّ في معركة الجمل وهزيمةِ عائشةَ ومَنْ ضلَّ من الصحابةِ ، وأَعظمُ مِن دونِ قياسٍ أَيضاً من الإِنتصار عسكريّاً على معاويةَ في حرب صفِّين ، فَإِنَّ سَنَّ وَتَرْسِيخَ الثَّوَابِتِ الْإِنْسَانِيَّةِ ، بَلِ الْحَضَارِيَّةِ الْعَوَالَمِيَّةِ أَعْظَمُ مِنَ الْحَسْمِ الْعَسْكَرِيِّ ؛ فَمَثَلًا : كَانَ الْمُعْتَقَدُ السَّائِدُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ دِينِيًّا وَسِيَاسِيًّا : أَنَّ الْقُرْآنَ النَّاطِقَ ـ وَهُوَ : الْإِمَامُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ـ لَا يَعْدِلُ وَلَا يُعَادِلُ الْقُرْآنَ الصَّامِتَ ـ الْمُصْحَفَ الشَّرِيفَ ـ ، لَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَثْبَتَ فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ بُطْلَانَ وَضَحَالَةَ هَذَا الْإِعْتِقَادِ ؛ وَأَنَّ الْقُرْآنَ الصَّامِتَ لَا يَقِي الْفِتْنَةَ ، وَلَا يُعْطِي الْهِدَايَةَ مِنْ دُونِ الْقُرْآنِ النَّاطِقِ . وَهَذِهِ عِبْرَةٌ وَبَصِيرَةٌ سَنَّهَا وَأَنْجَزَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ أَعْظَمُ مِنْ إِبَادَةِ مُعَاوِيَةَ وَجَيْشِهِ. وَعَلَى هَذَا قِسْ مَا حَصَلَ فِي مَعْرَكَةِ النَّهْرَوَانِ ؛ فَإِنَّ مَا حَقَّقَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ إِنْجَازٍ حَضَارِيٍّ أَعْظَمُ مِنْ دُونِ قِيَاسٍ مِنَ الْحَسْمِ وَالْإِنْتِصَارِ الْعَسْكَرِيِّ وَهَزِيمَةِ أَصْحَابِ النَّهْرَوَانِ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ فِتْنَةٍ فَقَأَهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَبَنَىٰ فِيهَا بَصِيرَةً حَضَارِيَّةً ، عَظِيمَةً وَخَطِيرَةً فِي الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ فِي الْبَشَرِيَّةِ ، بَلْ وَفِي جُمْلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا يَتَمَتَّرَسُونَ بِـ : (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ) ، وَبِـ : شِعَارِ (لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ) ؛ وَهُوَ شِعَارُ حَقٍّ وَعَدْلٍ ، لَكِنَّ الزَّيْغَ كَمَنَ فِي مِنْهَاجِهِمْ ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ الشِّعَارَ الْعَادِلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَغُرَّ الْعَاقِلَ ، فَلَابُدَّ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَا وَرَاءَهُ ، وَمِنْ ثَمَّ أَجَابَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنْ شِعَارِهِمْ هَذَا : أَنَّهُ : « كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ ...»(5) ، وَمَعْنَاهُ : أَنَّ كَلِمَةَ الْحَقِّ قَدْ تَكُونُ فِتْنَةً ؛ وَمِنْ ثَمَّ الْمُصْحَفُ الشَّرِيفُ قَدْ يَكُونُ فِتْنَةً ، وَأُمُومَةُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ تَكُونُ فِتْنَةً ، وَصُحْبَةُ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَكُونُ فِتْنَةً . وَهَذِهِ الْفِتَنُ لَا تُرْفَعُ وَلَا تُفْقَأُ عَيْنُهَا إِلَّا بِأَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . إِذَنْ : الْقُرْآنُ الصَّامِتُ لَا مَحَالَةَ يَكُونُ فِتْنَةً إِذَا تُرِكَ الْقُرْآنُ النَّاطِقُ. ثُمَّ إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَأْسِيسُ هَذِهِ الْبَصِيرَةِ وَمَا شَاكَلَهَا فِي الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ فِي جُمْلَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، بَلْ فِي كَافَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَفِي طُرِّ الْعَوَالِمِ إِلَّا بِيَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ يَجْرُؤُ عَلَى قِتَالِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَالصَّحَابَةِ كَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ إِذَا عَادَوْا أَصْلَ الدِّينِ غَيْرُهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ مُؤَسِّسُوا دِينِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَالْخُلَاصَةُ : أَنَّ الْعِبْرَةَ الَّتِي تَوَخَّاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ حُرُوبِهِ أَعْظَمُ مِنْ دُونِ قِيَاسٍ مِنَ الْمَكَاسِبِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ . وَهَذِهِ بَصِيرَةٌ بِنْيَوِيَّةٌ ، عَقَائِدِيَّةٌ ، مَعْرِفِيَّةٌ ، حَضَارِيَّةٌ ، وَنِظَامُ الدِّينِ ، تَبْقَى شَاخِصَةً إِلَى مَا بَعْدَ عَالَمِ الْآخِرَةِ الْأَبَدِيَّةِ ، يَجِبُ عَلَى الْمَخْلُوقِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهَا وَالْعَضُّ عَلَيْهَا بِضِرْسٍ قَاطِعٍ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بحار الأَنوار ، 26 : 152ـ 153/ح40. المحتضر : 87. (2) بحار الأَنوار ، 41 : 348 ـ 349/ح61. نهج البلاغة ، 1: 199 ـ 201. (3) بحار الأَنوار ، 33 : 356/ ح588. (4) بحار الأَنوار ، 39: 348ـ 349/ح20. مناقب آل أَبي طالب ، 1 : 512 ـ 514. (5) بحار الأَنوار، 33 : 338/ح583