م

29/08/2026


الدَّرْسُ (942) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (147/ 417) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : [تَرَاتُبِيَّةُ الِابْتِلَاءِ بِاخْتِلَافِ النَّشَآتِ : عَالَمُ الْقِيَامَةِ مَحَكُّ السَّرَائِرِ وَالْعُقُولِ] ؛ فَإِنَّه مِمَّا يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ : أَنَّ صُوَرَ الِابْتِلَاءِ وَمَحَاطَّ الِاخْتِبَارِ لِلْمَخْلُوقِ تَتَبَايَنُ تَبَايُنًا طَرْدِيًّا بِاخْتِلَافِ العَوَالِمِ الَّتِي يَلِجُهَا وَيَمُرُّ بِهَا ؛ فَمِثْلًا : عَالَمُ النَّشْأَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الأُولَى مَحَلُّ اخْتِبَارٍ وَامْتِحَانٍ لِلْقُوَى البَدَنِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ ، بَيْنَمَا يَكُونُ عَالَمُ البَرْزَخِ ـ وَكَذَا عَالَمُ الرَّجْعَةِ (آخِرَةُ الدُّنْيَا) ـ مَيْدَانًا لِامْتِحَانِ المَلَكَاتِ وَالصِّفَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ ، فِيمَا يَتَمَحَّضُ عَالَمُ القِيَامَةِ لِيَكُونَ مَحَكًّا لِاخْتِبَارِ العُقُولِ ، وَتَمْحِيصِ القُلُوبِ ، وَاسْتِجْلَاءِ السَّرَائِرِ المَكْنُونَةِ ، وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ فِي كُلِّ طَوْرٍ مِنْ أَطْوَارِ الوُجُودِ . وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِبَيَانِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾(1) ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ ذَهَبَ جَمْهَرَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ المُرَادَ بِـ (تُبْلَى) : أَيْ تُكْشَفُ السَّرَائِرُ(2) لِتُجَازَى عَلَى مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ القَوْلُ : إِنَّ ذَاتَ يَوْمِ القِيَامَةِ هُوَ مَوْطِنُ اخْتِبَارٍ وَامْتِحَانٍ لِسَرَائِرِ المَخْلُوقَاتِ ؛ لِيَتَمَيَّزَ مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ بِاللهِ سُبْحَانَهُ مِمَّنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ ، وَلِيُسْتَبَانَ هَلْ يَنْقَطِعُ رَجَاؤُهُ وَتَوَكُّلُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَمْ يَثْبُتُ ؟ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَامَاتِ اليَقِينِ . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى الْمَطْلَبِ التَّالِي : وَثَمَّ شَوَاهِدُ وَافِرَةٌ فِي البَيَانَاتِ الوَحْيَانِيَّةِ ، دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ عَالَمَ القِيَامَةِ مَوْطِنُ ابْتِلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ وَهُوَ عَالَمٌ أَمَدُّ عُمْرًا ، وَأَعْظَمُ طَاقَةً ، وَأَشَدُّ اخْتِبَارًا وَلَأْوَاءً مِنْ نَشْأَةِ الدُّنْيَا الْأُولَى ؛ بَلْ كَأَنَّ هَذِهِ النَّشْأَةَ المَادِّيَّةَ مَعْبَرٌ تَمْهِيدِيٌّ ، وَإِرْهَاصٌ لِتَدْشِينِ المَعْرِفَةِ الحَقَّةِ فِي ذَلِكَ العَالَمِ الأَسْمَى . غَيْرَ أَنَّ لِعَوَالِمِ النَّشْآتِ الْأَرْضِيَّةِ الثَّلَاثِ أَثَرًا بَالِغًا فِي اسْتِقَامَةِ الْمَخْلُوقِ إِبَّانَ ذَلِكَ الِامْتِحَانِ الأَعْظَمِ ، وَهُوَ مَا يَسْتَشِفُّهُ اللَّبِيبُ مِنْ خِطَابِ الأَمِينِ جَبْرَئِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِسَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) حِينَمَا قَالَ النَّبِيُّ : « كَفَى بِالمَوْتِ طَامَّةً(3) يَا جَبْرَئِيلُ ، فَقَالَ جَبْرَئِيلُ : إِنَّ مَا بَعْدَ المَوْتِ أَطَمُّ وَأَطَمُّ مِنَ المَوْتِ»(4) ؛ كِنَايَةً عَنْ أَنَّ الِافْتِتَانَ ، وَالِاخْتِبَارَ ، وَالفَزَعَ ، وَالهَوْلَ هُنَاكَ أَعْظَمُ شَأْنًا وَأَعْمَقُ أَثَرًا . وَمِنْ هُنَا جَاءَ البَيَانُ الإِلَهِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾(5) ، وَفِي قَوْلِهِ تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ : ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾(6). وَإِنَّ التَّرْكِيزَ فِي مَوَاطِنِ عَالَمِ القِيَامَةِ وَاهْتِزَازَاتِهَا الكُبْرَى يَتَمَحْوَرُ كُلِّيَّةً حَوْلَ القَلْبِ وَشُؤُونِهِ المَكْنُونَةِ ؛ لِكَوْنِ طَاقَاتِهِ وَزَلَازِلِهِ أَشَدَّ بَأْسًا ، وَأَعْظَمَ خَطَرًا ، وَأَعْمَقَ أَثَرًا . وَلِهَذَا يَشِي مَضْمُونُ بَيَانِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « حُكَّامُ يَوْمِ القِيَامَةِ أَعْظَمُ مُلْكًا مِنْ حُكَّامِ دَارِ الدُّنْيَا» وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعَرَّفَ بِـ (يَوْمِ المُلْكِ) ؛ نَظَرًا لِتَبَدُّلِ مَظَاهِرِ السُّلْطَةِ وَصَيْرُورَتِهَا الخَالِصَةِ للهِ تَعَالَى وَلأَوْلِيَائِهِ المَصْطَفَيْنَ ، حَيْثُ تَتَجَلَّى هُنَاكَ السُّلْطَنَةُ الإِلَهِيَّةُ بِأَبْهَى مَظَاهِرِ القَهْرِ وَالسَّطْوَةِ وَالنُّفُوذِ . وَهَذِهِ المَبَاحِثُ المَعْرِفِيَّةُ الدَّقِيقَةُ لَمْ تَتَنَسَّمْ أَرِيجَهَا أَرْوِقَةُ المَدَارِسِ البَشَرِيَّةِ ـ كَالفَلَاسِفَةِ وَالمُتَكَلِّمِينَ ـ ، رَغْمَ فَيَضَانِهَا وَتَظَافُرِهَا فِي مَعِينِ البَيَانَاتِ الوَحْيَانِيَّةِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الطَّارِقُ : 9. (2) مَرْتَبَةُ "السِّرِّ" ـ كَمَا تَعْرِضُهَا البَيَانَاتُ الوَحْيَانِيَّةُ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه : 7.] ـ هِيَ مَرْتَبَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ الرُّوحِ الصَّاعِدَةِ ، وَهِيَ أَرْفَعُ رُتْبَةً وَأَعْلَى شَأْنًا مِنْ مَرْتَبَةِ القَلْبِ . (3) الطَّامَّةُ : الدَّاهِيَةُ تَفُوقُ مَا سِوَاهَا . (البِحَارُ). (4) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 18: 323. (5) النَّازِعَاتُ : 34، 35. (6) غَافِرُ : 16.