م
19/09/2026
الدَّرْسُ (959) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (162/ 432) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : [الدَّائِرَةُ وَالْكُرَةُ رَمْزَانِ رِيَاضِيَّانِ مَعْرِفِيَّانِ يُوَضِّحَانِ عَلَاقَةَ اللَّطِيفِ بِالْأَغْلَظِ] ؛ فَإِنَّ الدَّائِرَةَ وَالْكُرَةَ تُعَدَّانِ رَمْزَيْنِ رِيَاضِيَّيْنِ مَعْرِفِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ ؛ لِتَقْرِيبِ مَبَاحِثِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَى الْأَذْهَانِ وَالْعُقُولِ ، وَلِبَيَانِ جُمْلَةٍ مِنَ الْأُمُورِ ؛ مِنْهَا : عَلَاقَةُ الْجِسْمِ اللَّطِيفِ وَنِسْبَتُهُ إِلَى كَافَّةِ بِقَاعِ الْجِسْمِ الْأَغْلَظِ وَأَجْزَائِهِ وَشَرَاشِرِهِ ؛ إِذْ إِنَّهَا نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَنُقْطَةِ مَرْكَزِ الدَّائِرَةِ أَوِ الْكُرَةِ بِلِحَاظِ الْجِسْمِ الْمُتَحَرِّكِ فِي مُحِيطِهَا ؛ فَإِنَّ نِقَاطَ الْمُحِيطِ إِذَا قِيسَتْ إِلَى الْجِسْمِ الْمُتَحَرِّكِ فِيهِ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً فِي الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ ، لَكِنَّهَا إِذَا قِيسَتْ إِلَى مَرْكَزِ دَائِرَتِهَا أَوْ مَرْكَزِ كُرَتِهَا كَانَتْ فِي الْبُعْدِ سَوَاءً ، فَأَوَّلِيَّتُهَا عَيْنُ آخِرِيَّتِهَا ، وَآخِرِيَّتُهَا عَيْنُ أَوَّلِيَّتِهَا . وَهٰذَا المِثَالُ ، وَإِنْ كَانَ جُسْمَانِيّاً حِسِّيّاً مَادِّيّاً ، يَقْرَبُ مِنْ وَجْهٍ وَيَبْعُدُ مِنْ وُجُوهٍ ، إِلَّا أَنَّهُ بَدِيعٌ فِي بَيَانِ عَلَاقَةِ اللَّطِيفِ بِالْأَغْلَظِ وَنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ . وَالمَخْلُوقَاتُ وَإِنْ تَمَايَزَتْ أَبْعَادُهَا الزَّمَنِيَّةُ ؛ فَكَانَ مَاضِيهَا غَيْرَ حَاضِرِهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا ، وَحَاضِرُهَا بَائِنًا عَنْ طَرَفَيْهِ ، إِلَّا أَنَّهَا إِذَا قِيسَتْ إِلَى بَارِيهَا (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) كَانَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى ذَاتِهِ العَلِيَّةِ نِسْبَةً وَاحِدَةً مُتَعَالِيَةً عَنِ التَّفَاوُتِ ؛ فَأَوَّلِيَّتُهُ تَعَالَىٰ عَيْنُ آخِرِيَّتِهِ ، وَآخِرِيَّتُهُ عَيْنُ أَوَّلِيَّتِهِ ، وَأَزَلِيَّتُهُ عَيْنُ سَرْمَدِيَّتِهِ ؛ فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ تَجَدُّدٌ ، وَلَا يَعْتَرِيهِ تَصَرُّمٌ أَوْ تَبَدُّدٌ ، وَهُوَ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى الْمَطْلَبِ التَّالِي : وَيَسْتَعْصِي تَصَوُّرُ هٰذِهِ المُعَادَلَاتِ عَلَى قَرَائِحِ رُوَّادِ العُلُومِ الكَوْنِيَّةِ وَالتَّجْرِيبِيَّةِ ؛ كَعُلَمَاءِ الفِيزْيَاءِ ، وَالكِيمْيَاءِ ، وَالْأَحْيَاءِ ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ ، وَالهَنْدَسَةِ ، وَالفَلَكِ ؛ لِقُصُورِ مَدَارِكِهِمْ فِي المَعْرِفَةِ العَقْلِيَّةِ المُجَرَّدَةِ ـ إِلَّا أَهْلَ التَّوْحِيدِ مِنْهُمْ ـ ؛ فَإِنَّ البَصِيرَةَ العَقْلِيَّةَ لَمْ تَبْلُغْ عِنْدَهُمْ مَبْلَغَ النُّمُوِّ وَالتَّكَامُلِ . وَحَالُهُمْ فِي هٰذَا الِانْحِصَارِ الحِسِّيِّ نَظِيرُ حَالِ العَجْمَاوَاتِ ؛ إِذْ يَقْوَىٰ لَدَيْهَا الجَانِبُ الحِسِّيُّ الِانْطِبَاعِيُّ ، بَيْنَمَا يَضْعُفُ أَوْ يَنْعَدِمُ الرَّافِدُ العَقْلِيُّ الكُلِّيُّ . وَعَلَيْهِ : فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْهَضَ الحَضَارَةُ أَوْ تَتَحَقَّقَ التَّنْمِيَةُ البَشَرِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ بِالِارْتِكَازِ عَلَى النَّزْعَةِ الحِسِّيَّةِ الِانْطِبَاعِيَّةِ وَحْدَهَا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْوِيمِهَا بِالْمَلَكَةِ العَقْلِيَّةِ المُجَرَّدَةِ ، الَّتِي هِيَ أُسُّ البِنَاءِ ، وَأَعْظَمُ المَدَارِكِ خَطَرًا وَأَثَرًا ، وَالأَبْعَدُ غَايَةً. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ .