م
24/09/2026
الفَائِدَةُ : (177/ 444) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [حَقَائِقُ الفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ: جَوَاهِرُ حَيَّةٌ ذَاتُ شُعُورٍ وَإِدْرَاكٍ] ثَمَّتَ مَبْحَثٌ مَعْرِفِيٌّ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ ، جَسِيمُ الْخَطَرِ، كَشَفَتْ عَنْهُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ وَأَوْلَتْهُ عِنَايَةً بَالِغَةً ، فِي حِينِ أَغْفَلَتْهُ المَدَارِسُ الفَلْسَفِيَّةُ وَالمَعْرِفِيَّةُ وَلَمْ تَنَفُذْ إِلَى أَعْمَاقِهِ. وَمَفَادُ هَذَا المَبْحَثِ : أَنَّ حَقَائِقَ الفَضَائِلِ وَالكَمَالَاتِ ـ بِطَبَقَاتِهَا الصَّاعِدَةِ ـ كَائِنَاتٌ حَيَّةٌ ، شَاعِرَةٌ ، عَاقِلَةٌ ؛ ذَاتُ نَشْأَةٍ نُورَانِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ قَائِمَةٍ فِي عَالَمِهَا ، وَلَهَا إِشْرَاقَاتٌ وَارْتِبَاطَاتٌ بِالعَوَالِمِ النَّازِلَةِ ، مِنْهَا عَالَمُ الدُّنْيَا ؛ وَمِنْ رَحِمِ هَذَا الاِرْتِبَاطِ يَتَنَزَّلُ الفَضْلُ وَيَتَحَقَّقُ الكَمَالُ فِي النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ. مِثَالُ ذَلِكَ : (العَقْلُ) ؛ فَإِنَّهُ جَوْهَرٌ نُورَانِيٌّ ، حَيٌّ ، شَاعِرٌ ، يَتَّصِلُ بِكُلِّ كَائِنٍ أَرْضِيٍّ ذِي شُعُورٍ ، فَيَكُونُ هَذَا الاِتِّصَالُ سَبَبَ إِفَاضَةِ الفَضَائِلِ وَتَحْقِيقِ الكَمَالَاتِ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا المَعْنَى مَا وَرَدَ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ ، مِنْهَا : بيَانُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، إِذْ سُئِلَ : « مِمَّا خَلَقَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) العَقْلَ ؟ قَالَ : خَلَقَهُ مَلَك لَهُ رُؤُوسٌ بِعَدَدِ الخَلَائِقِ ؛ مَنْ خُلِقَ وَمَنْ يُخْلَقُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ، وَلِكُلِّ رَأْسٍ وَجْهٌ ، وَلِكُلِّ آدَمِيٍّ رَأْسٌ مِنْ رُؤُوسِ العَقْلِ ، وَاسْمُ ذَلِكَ الإِنْسَانِ عَلَى وَجْهِ ذَلِكَ الرَّأْسِ مَكْتُوبٌ ، وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ سِتْرٌ مُلْقَىً لَا يُكْشَفُ ذَلِكَ السِّتْرُ مِنْ ذَلِكَ الوَجْهِ حَتَّى يُولَدَ هَذَا المَوْلُودُ ، وَيَبْلُغَ حَدَّ الرِّجَالِ ، أَوْ حَدَّ النِّسَاءِ ؛ فَإِذَا بَلَغَ كُشِفَ ذَلِكَ السِّتْرُ ، فَيَقَعُ فِي قَلْبِ هَذَا الإِنْسَانِ نُورٌ ، فَيَفْهَمُ الفَرِيضَةَ وَالسُّنَّةَ ، وَالجَيِّدَ وَالرَّدِيَّ ، أَلَا وَمَثَلُ العَقْلِ فِي القَلْبِ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي وَسَطِ البَيْتِ »(1). وَهَكَذَا الحَيَاءُ ؛ فَإِنَّهُ جَوْهَرٌ نُورَانِيٌّ ، حَيٌّ ، شَاعِرٌ ، عَاقِلٌ ، يَتَّصِلُ بِكُلِّ كَائِنٍ أَرْضِيٍّ ذِي شُعُورٍ ، فَيَكُونُ هَذَا الاِتِّصَالُ سَبَبَ ثَبَاتِ الفَضِيلَةِ وَتَحَقُّقِ الكَمَالِ. وَعَلَى هَذَا المِعْيَارِ يُقَاسُ بَابُ الرَّذَائِلِ ؛ فَإِنَّهَا ـ بِطَبَقَاتِهَا وَمَرَاتِبِهَا الصَّاعِدَةِ ـ كَائِنَاتٌ حَيَّةٌ شَاعِرَةٌ أَيْضاً ، إِلَّا أَنَّهَا جَوَاهِرُ ظُلْمَانِيَّةٌ مُنْحَطَّةٌ ، يُؤَدِّي الاِرْتِبَاطُ بِهَا وَالتَّعَلُّقُ بِعَالَمِهَا إِلَى انْعِكَاسِ الرَّذِيلَةِ وَالشَّقَاءِ فِي النَّفْسِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 1 : 99 / ح 14.