الرئيسية | دروس في المعارف الإلهية | دروس في المعارف الالهية . من الدرس (801 ـ 1000) المقصد الاول / المقدمة | مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (965) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ

مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (965) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ

26/09/2026


الدَّرْسُ (965) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (162/ 432) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : [تَعَدُّدُ المَبَاحِثِ وَتَلَاحُمُ المَحْوَرِ: دَوْرُ العَقْلِ فِي التَّعَبُّدِ] ؛ فَإِنَّ ثَمَّتَ لُحْمَةٌ وَثِيقَةٌ تَجْمَعُ شَتَاتَ مَبَاحِثَ مُتَعَدِّدَةٍ . وَلَيْسَتْ هَذِهِ الوَحْدَةُ أَمْراً ظَنِّيًّا ، أَوْ مُجَرَّدَ فَرْضِيَّةٍ مُقْتَرَحَةٍ ، أَوْ طَرْحٍ ثَقَافِيٍّ إنْشَائِيٍّ ، بَلْ هِيَ وَحْدَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ صِنَاعِيَّةٌ يَقِفُ عَلَيْهَا مَنْ نَظَرَ إلَيْهَا بِبَصِيرَةٍ عِلْمِيَّةٍ نَافِذَةٍ ، وَبِرَبْطٍ بُرْهَانِيٍّ يَتَجَاوَزُ ظَوَاهِرَ الصِّنَاعَةِ إلَى مَكَامِنِ أَعْمَاقِهَا . وَيَنْبَلِجُ الجَوَابُ عَنْ جُمْلَةِ هَذِهِ المَبَاحِث مِنْ خِلَالِ التَّأْصِيلِ المَعْرِفِيِّ التَّالِي : وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى الْمَطْلَبِ التَّالِي : إِذَنْ : لَيْسَ التَّعَبُّدُ المَذْكُورُ فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ إِلْغَاءً لِدَوْرِ العَقْلِ ، بَلْ هُوَ تَوْسِيعٌ لِآفَاقِ اسْتِجَابَتِهِ ، وَتَأْكِيدٌ عَلَى انْقِيَادِهِ لِمُدْرَكَاتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ تَفْصِيلِيَّةً أَمْ إِجْمَالِيَّةً ، مَعَ تَخْطِئَةِ حَصْرِ الِانْقِيَادِ العَقْلِيِّ فِي خُصُوصِ المُدْرَكَاتِ التَّفْصِيلِيَّةِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَضْيِيعٍ لِلْحَقِيقَةِ ؛ فَإِنَّ الحَقِيقَةَ قَدْ لَا يَقِفُ العَقْلُ عَلَى تَفَاصِيلِهَا ، لَكِنَّهُ يَعِي كُنْهَهَا إِجْمَالًا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَلَّا يُفَرِّطَ العَقْلُ فِي مُدْرَكَاتِهِ وَإِنْ شَابَهَا الإِبْهَامُ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ . وَعَلَيْهِ : فَلَا إِقْصَاءَ وَلَا إِبْعَادَ لِلْعَقْلِ فِي رِحَابِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ . وَإِلَى كُلِّ هَذَا تُشِيرُ بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، مِنْهَا : وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى الْدليل الثالث : 3 ـ بَيَانُ الإِمَامِ الْكَاظِمِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، فِي وَصِيَّتِهِ لِهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ : « يَا هِشَامُ ، إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (1) . يَا هِشَامُ ، إِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ ، وَنَصَرَ النَّبِيِّينَ بِالْبَيَانِ ، وَدَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالأَدِلَّةِ ، فَقَالَ : ﴿ وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (2) . يَا هِشَامُ ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّرًا ، فَقَالَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (3) . وَقَالَ : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (4). وَقَالَ : ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (5). وَقَالَ : ﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (6) . وَقَالَ : ﴿ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (7) . وَقَالَ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (8) . وَقَالَ : ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (9) . وَقَالَ : ﴿ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (10) . يَا هِشَامُ ، ثُمَّ وَعَظَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَرَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ (11) . يَا هِشَامُ ، ثُمَّ خَوَّفَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عِقَابَهُ ، فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (12) . وَقَالَ : ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ (13) . يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ ، فَقَالَ : ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ (14) . يَا هِشَامُ ، ثُمَّ ذَمَّ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ فَقَالَ : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ (15) ، وَقَالَ : ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾(16) . وَقَالَ : ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ﴾ (17) وَقَالَ : ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾(18) . وَقَالَ : ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴾(19) . وَقَالَ : ﴿ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾(20) . يَا هِشَامُ ، ثُمَّ ذَمَّ اللَّهُ الْكَثْرَةَ فَقَالَ : ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ﴾(21) . وَقَالَ : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(22) . وَقَالَ : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾(23) . يَا هِشَامُ ، ثُمَّ مَدَحَ الْقِلَّةَ فَقَالَ : ﴿ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾(24) . وَقَالَ : ﴿ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ ﴾(25) . وَقَالَ : ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾(26) . وَقَالَ : ﴿ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾(27) . وَقَالَ : ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(28) . وَقَالَ : ﴿ وأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ (29). وَقَالَ : ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ . يَا هِشَامُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أُولِي الْأَلْبَابِ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ ، وَحَلَّاهُمْ بِأَحْسَنِ الْحِلْيَةِ ، فَقَالَ : ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (30) . وَقَالَ : ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (31) . وَقَالَ : ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾(32) . وَقَالَ : ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ (33) . وَقَالَ : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (34) . وَقَالَ : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(35) . وَقَالَ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾(36) وَقَالَ : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾(37) . يَا هِشَامُ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾(38) يَعْنِي : عَقَلَ ، وَقَالَ : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾(39) ، قَالَ : الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ . يَا هِشَامُ ، إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ : تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ ، وَإِنَّ الْكَيِّسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ . يَا بُنَيَّ ، إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ ، قَدْ غَرِقَ فِيهَا (40) عَالَمٌ كَثِيرٌ ، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ ، وَحَشْوُهَا الْإِيمَانُ (41) ، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلُ ، وَقَيِّمُهَا الْعَقْلُ ، وَدَلِيلُهَا الْعِلْمُ ، وَسُكَّانُهَا الصَّبْرُ . يَا هِشَامُ ، إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَلِيلًا ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ ، وَدَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةً ، وَمَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ (42) . وَكَفَى بِكَ جَهْلًا أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ . يَا هِشَامُ ، مَا بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ ، فَأَحْسَنُهُمْ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً ، وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا ، وَأَكْمَلُهُمْ عَقْلًا أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . يَا هِشَامُ ، إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ : حُجَّةً ظَاهِرَةً وَحُجَّةً بَاطِنَةً ، فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ . يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْحَلَالُ شُكْرَهُ ، وَلَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ . يَا هِشَامُ ، مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثًا عَلَى ثَلَاثٍ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ : مَنْ أَظْلَمَ نُورَ تَفَكُّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ ، وَمَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ ، وَأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ ، فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ ، وَمَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ ، أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ . يَا هِشَامُ ، كَيْفَ يَزْكُو (43) عِنْدَ اللَّهِ عَمَلُكَ ، وَأَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ وَأَطَعْتَ هَوَاكَ عَلَى غَلَبَةِ عَقْلِكَ . يَا هِشَامُ ، الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ ، فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ (44) اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ فِيهَا ، وَرَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَكَانَ اللَّهُ أُنْسَهُ فِي الْوَحْشَةِ ، وَصَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ ، وَغِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ (45) ، وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ . يَا هِشَامُ ، نُصِبَ الْحَقُّ لِطَاعَةِ اللَّهِ (46) ، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ ، وَالطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ ، وَالْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَالتَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ (47) ، وَلَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ ، وَمَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ . يَا هِشَامُ ، قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَالِمِ مَقْبُولٌ مُضَاعَفٌ ، وَكَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى وَالْجَهْلِ مَرْدُودٌ . يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ ، وَلَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا ، فَلِذَلِكَ رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ . يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكُوا فُضُولَ الدُّنْيَا فَكَيْفَ الذُّنُوبَ ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا مِنَ الْفَضْلِ ، وَتَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ . يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا وَإِلَى أَهْلِهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ ، وَنَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ ، فَطَلَبَ بِالْمَشَقَّةِ أَبْقَاهُمَا . يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا وَرَغِبُوا فِي الْآخِرَةِ ، لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ وَالْآخِرَةُ طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ ، فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ ، فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ . يَا هِشَامُ ، مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ ، وَرَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ ، وَالسَّلَامَةَ فِي الدِّينِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكْمِلَ عَقْلَهُ ، فَمَنْ عَقَلَ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ ، وَمَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ اسْتَغْنَى ، وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنَى أَبَدًا . يَا هِشَامُ ، إِنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ : أَنَّهُمْ قَالُوا : ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾(48) حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وَتَعُودُ إِلَى عَمَاهَا وَرَدَاهَا . إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ ، وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلَى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا وَيَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقًا ، وَسِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقًا ، لِأَنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ اسْمُهُ) لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ ، وَنَاطِقٍ عَنْهُ . يَا هِشَامُ ، كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ : مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ ، وَمَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتَّى : الْكُفْرُ وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ ، وَالرُّشْدُ وَالْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ ، وَفَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ ، وَفَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ ، وَنَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ ، لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ ، الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ ، وَالتَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ ، يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَيَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْرًا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ . (49) يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ . يَا هِشَامُ ، لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ (50) ، وَلَا مُرُوءَةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ، وَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْرًا الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَرًا (51) ، أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا . يَا هِشَامُ ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ يَقُولُ : إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ أَنْ تَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ : يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ ، وَيَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ ، وَيُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْءٌ فَهُوَ أَحْمَقُ . إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ : لَا يَجْلِسُ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ إِلَّا رَجُلٌ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ أَوْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُنَّ فَجَلَسَ فَهُوَ أَحْمَقُ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) : إِذَا طَلَبْتُمُ الْحَوَائِجَ فَاطْلُبُوهَا مِنْ أَهْلِهَا ، قِيلَ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَمَنْ أَهْلُهَا ؟ قَالَ : الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ (52) فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَهُمْ ، فَقَالَ : ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ قَالَ : هُمْ أُولُو الْعُقُولِ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) (53) : مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ دَاعِيَةٌ إِلَى الصَّلَاحِ ، وَآدَابُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ ، وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْعَدْلِ تَمَامُ الْعِزِّ ، وَاسْتِثْمَارُ الْمَالِ تَمَامُ الْمُرُوءَةِ (54) ، وَإِرْشَادُ الْمُسْتَشِيرِ قَضَاءٌ لِحَقِّ النِّعْمَةِ ، وَكَفُّ الْأَذَى مِنْ كَمَالِ العَقْلِ ، وَفِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ عَاجِلًا وَآجِلًا . يَا هِشَامُ ، إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُحَدِّثُ مَنْ يَخَافُ تَكْذِيبَهُ ، وَلَا يَسْأَلُ مَنْ يَخَافُ مَنْعَهُ ، وَلَا يَعِدُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَرْجُو مَا يُعَنَّفُ بِرَجَائِهِ (55) ، وَلَا يَقْدَمُ عَلَى مَا يَخَافُ فَوْتَهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ (56)» (57). ... وَتَتِمَّةُ البَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَىٰ) ، وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الأَطْهارِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الزُّمَرُ : 17 ـ 18. (2) الْبَقَرَةُ : 163 ـ 164. (3) النَّحْلُ : 12. (4) غَافِرُ : 67. (5) الْجَاثِيَةُ : 5. (6) الْحَدِيدُ : 17. (7) الرَّعْدُ: 4. (8) الرُّومُ: 24. (9) الْأَنْعَامُ: 151. (10) الرُّومُ: 28. (11) الْأَنْعَامُ: 32. (12) الصَّافَّاتُ: 136 ـ 138. (13) الْعَنْكَبُوتُ: 34 ـ 35. (14) الْعَنْكَبُوتُ: 43. (15) الْبَقَرَةُ: 170. (16) الْبَقَرَةُ: 171. (17) يُونُسُ: 42. (18) الْفُرْقَانُ: 44. (19) الْحَشْرُ: 14. (20) الْبَقَرَةُ: 44. (21) الْأَنْعَامُ: 116. (22) لُقْمَانُ: 25. (23) الْعَنْكَبُوتُ: 63. (24) سَبَأٌ: 13. (25) ص: 24. (26) غَافِرُ: 28. (27) هُودٌ: 40. (28) الْأَنْعَامُ: 37. (29) الْمَائِدَةُ: 103. (30) الْبَقَرَةُ: 269. (31) آلُ عِمْرَانَ: 7. (32) آلُ عِمْرَانَ: 190. (33) الرَّعْدُ: 19. (34) الزُّمَرُ: 9. (35) ص: 29. (36) الْمُؤْمِنُ (غَافِرُ): 53 ـ 54. (37) الذَّارِيَاتُ: 55. (38) ق: 37. (39) لُقْمَانُ: 12. (40) فِي بَعْضِ النُّسَخِ (فِيهِ). (41)(وَحَشْوُهَا) ؛ أَيْ : مَعَ مَا تُمْلَأُ بِهِ وَيُدَاخِلُ جَوْفَهَا . وَ(الشِّرَاعُ) ـ بِكَسْرِ الشِّينِ عَلَى زِنَةِ (كِتَابٍ) ـ : هُوَ الْمِلَاءَةُ الْوَاسِعَةُ الْمَشْدُودَةُ عَلَى خَشَبَةِ السَّفِينَةِ (الْقَلْعُ) ، تَصْفِقُهَا الرِّيحُ فَتَدْفَعُ الْفُلْكَ لِلْجَرْيِ . وَ(الْقَيِّمُ) : هُوَ السَّائِسُ الْمُدَبِّرُ لِأَمْرِ السَّفِينَةِ وَرُكَّانِهَا. (42)(الْمَطِيَّةُ) : هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُرْكَبُ مَطَاهَا ـ أَيْ: ظَهْرُهَا ـ . وَ(مَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ) ؛ أَيْ : أَنَّ التَّذَلُّلَ لِلْحَقِّ وَالِانْقِيَادَ لَهُ هُوَ الْمَرْكَبُ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ الْعَقْلُ غَايَتَهُ الرَّشِيدَةَ. (43)تَرِدُ كَلِمَةُ (الزَّكَاةِ) فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى : (النُّمُوِّ وَالزِّيَادَةِ) ، كَمَا تَرِدُ بِمَعْنَى : (الطَّهَارَةِ وَالنَّقَاءِ) ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ سَائِغٌ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (44) أَيْ : حَصَلَ لَهُ مَعْرِفَةُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَشَرَائِعِهِ ، أَوْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعَقْلَ ، أَوْ عَلِمَ الْأُمُورَ بِعِلْمٍ يَنْتَهِي إِلَى اللَّهِ بِأَنْ يَأْخُذَهُ عَنْ أَنْبِيَائِهِ وَحُجَجِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ إِمَّا بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ ، أَوْ بَلَغَ عَقْلُهُ إِلَى دَرَجَةٍ يُفِيضُ اللَّهُ عُلُومَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَعْلِيمِ بَشَرٍ. (45)(أَيْ) : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُغْنِيهِ وَكَافِيهِ ، أَوْ عَلَى مَعْنَى : أَنَّهُ كَمَا جَعَلَ أَهْلُ الدُّنْيَا غِنَاهُمْ فِي عَرَضِ الْمَالِ وَحُطَامِ الْفَانِي ، جَعَلَ هُوَ غِنَاهُ فِي الِاعْتِصَامِ بِاللَّهِ ، وَالزُّلْفَى لَدَيْهِ ، وَمُنَاجَاتِهِ الْقُدْسِيَّةِ . وَ(الْعَيْلَةُ) : هِيَ الْفَاقَةُ وَالْفَقْرُ . وَ(الْعَشِيرَةُ) : هِيَ الْعُصْبَةُ وَالْقَبِيلَةُ. (46)(نَصَبَ) ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَصْدَراً مَنْصُوباً ، أَوْ فِعْلاً مَبْنِيّاً لِلْمَفْعُولِ (الْمَجْهُولِ) . وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ (الْمَعْلُومِ) مَعَ تَقْدِيرِ حَذْفِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ ـ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ ـ فَمَسْلَكٌ بَعِيدٌ عَنْ سَنَنِ الْعَرَبِيَّةِ ؛ وَإِنَّمَا نَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَامَ الْحَقِّ وَشَرَائِعَ الدِّينِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَتَنْزِيلِ الْكُتُبِ لِيُطَاعَ فِي أَوَامِرِهِ وَيُجْتَنَبَ فِي نَوَاهِيهِ. (47)(أَيْ) : يَشْتَدُّ وَيَسْتَحْكِمُ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : (يَعْتَقِلُ) . (48)(الزَّيْغُ) : هُوَ الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنِ الْجَادَّةِ وَالْحَقِّ . وَ(الرَّدَى) : هُوَ الْهَلَاكُ وَالسُّقُوطُ فِي مَهَاوِي الضَّلَالِ. (49)(أَيْ) : كُلُّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ تَنَاطُ بِهِ كِفَايَتُهُ وَيَتِمُّ بِهِ تَمَامُهُ ، أَوْ أَنَّهُ أُنْزِلَ مَنْزِلَةَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ كَافَّةً عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَالِاتِّسَاعِ. (50)وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ حُرِمَ الْعَقْلَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَحَاسِنِ الْأَشْيَاءِ وَمَقَابِحِهَا ، وَمَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِمَّا لَا يَلِيقُ ؛ فَيَقَعُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ الصَّالِحِ ، وَارْتِكَابِ الْقَبِيحِ الْفَاسِدِ ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ سَجِيَّتَهُ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ ذَا دِينٍ قَائِمٍ. وَ(الْمُرُوءَةُ) : هِيَ حَقِيقَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ ، وَكَمَالُ الرُّجُولَةِ ، وَهِيَ الْمَلَكَةُ النَّفْسَانِيَّةُ الْجَامِعَةُ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْآدَابِ. (51)(الْخَطَرُ) : يَرِدُ بِمَعْنَى الْحَظِّ ، وَالنَّصِيبِ ، وَالْقَدْرِ ، وَالْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى السَّبْقِ الَّذِي يَتَرَاهَنُ عَلَيْهِ الْمُتَسَابِقُونَ. (52)فِي بَعْضِ النُّسَخِ : (نَصَّ اللَّهُ). (53)وَفِي كَلَامِهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) تَرْغِيبٌ بَلِيغٌ فِي مُعَاشَرَةِ النَّاسِ وَمُؤَانَسَتِهِمْ ، وَالِاقْتِبَاسِ مِنْ أَنْوَارِ كُلِّ فَضِيلَةٍ لَدَى أَهْلِهَا . وَفِيهِ زَجْرٌ صَارِمٌ عَنِ الِاعْتِزَالِ وَالِانْقِطَاعِ ؛ اللَّذَيْنِ هُمَا مَنْبِتُ النِّفَاقِ ، وَمَغْرِسُ الْوَسَاوِسِ ، وَسَبَبُ الْحِرْمَانِ مِنَ الْمَشْرَبِ الْأَتَمِّ الْمُحَمَّدِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ ، وَمَا يُفْضِيَانِ إِلَيْهِ مِنْ تَعْطِيلِ كَثِيرٍ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ ، وَفَوْتِ السُّنَنِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَآدَابِ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ ، وَانْسِدَادِ أَبْوَابِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ (مُلَخَّصاً). (54) أَيْ : إنَّ اسْتِنْمَاءَ المَالِ بِالتِّجَارَةِ وَالْمَكَاسِبِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الْإِنْسَانِيَّةِ ، وَمُوجِبٌ لِرِفْعَتِهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ غِنَاهُ عَنِ الْخَلْقِ ، وَتَمَكُّنَهُ مِنْ إِتْيَانِ مَا يَلِيقُ بِمُرُوءَتِهِ وَشَرَفِهِ. (55) أَيْ : إنَّ الْعَاقِلَ لَا يَتَطَلَّعُ إِلَى مَا يَفُوقُ قَدْرَهُ ، وَلَا يَرُومُ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ. (56) أَيْ : لَا يُقْدِمُ عَلَى أَمْرٍ قَبْلَ حُلُولِ أَوَانِهِ مُتَعَجِّلًا لَهُ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : (وَلَا يَتَقَدَّمُ). (57) أُصُولُ الْكَافِي ، 1 : 13 ـ 20 / ح 12