مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (994) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ
26/10/2026
الدَّرْسُ (994) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (173/ 443) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : [تَقَوُّمُ هُوِيَّةِ الذَّاتِ بِفَصْلِهَا المُمَيِّزِ وَكَمَالِهَا الأَخِيرِ] ؛ فَإِنَّهُ ثَمَّةَ مَبْحَثٌ نَفِيسٌ جِدّاً، تَسَالَمَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ المَدَارِسِ المَعْرِفِيَّةِ، وَهُوَ مِنَ المَبَاحِثِ المُثْمِرَةِ فِي مَوَارِدَ عَدِيدَةٍ ، يَنْبَغِي الْاِلْتِفَات إِلَيْه ، حَاصِلُهُ : أَنَّ هُوِيَّةَ كُلِّ ذَاتٍ إِنَّمَا تَتَقَوَّمُ وَتَتَحَقَّقُ بِفَصْلِهَا المُمَيِّزِ وَكَمَالِهَا الأَخِيرِ ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي العُلُومِ العَقْلِيَّةِ ، وَذَلِكَ بِتَوَسُّطِ البُعْدِ المَعْنَوِيِّ وَالرُّوحِيِّ ؛ فَالْحَيَوَانُ ـ مَثَلًا ـ يَشْتَرِكُ مَعَ النَّبَاتِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالقُوَّةِ النَّامِيَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِمَا ، إِلاَّ أَنَّهُ يَفْتَرِقُ عَنْهُ وَيَنْمَازُ بِفَصْلِهِ المُمَيِّزِ وَكَمَالِهِ الأَخِيرِ ؛ المَتَمَثِّلَيْنِ فِي الحَرَكَةِ الٱخْتِيَارِيَّةِ وَالإِحْسَاسِ الجَلِيِّ . وَكَذَلِكَ الإِنْسَانُ ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ شَارَكَ الحَيَوَانَ فِي أُصُولِ الحَرَكَةِ وَالإِحْسَاسِ ، إِلاَّ أَنَّهُ يَفْتَرِقُ عَنْهُ بِفَصْلِهِ النَّاطِقِ وَكَمَالِهِ الأَخِيرِ ؛ حَيْثُ يَخْتَصُّ بِإِدْرَاكَاتٍ عَقْلِيَّةٍ عُلْيَا تُؤَهِّلُهُ لِتَنْظِيمِ النَّشْأَةِ الأَرْضِيَّةِ ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا ، وَتَسْخِيرِ كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقَاتِ ، بِخِلاَفِ سَائِرِ الحَيَوَانَاتِ . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى الْمَطْلَبِ التَّالِي : [حَقِيقَةُ ذَاتِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) بِفَصْلِهَا الأَخِيرِ] [عَدَمُ التَّنَاهِي مِنْ لَوَازِمِ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)] [ٱمْتِنَاعُ إِحَاطَةِ أَيِّ مَخْلُوقٍ بِكُنْهِ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)] هَذَا ، وَقَدِ ٱمْتَازَتْ حَقِيقَةُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) عَنْ سَائِرِ البَشَرِ وَكَافَّةِ المَخْلُوقَاتِ بِفَصْلِهَا الأَخِيرِ (1) ، الَّذِي لاَ يَقِفُ عِنْدَ الجَنْبَةِ البَشَرِيَّةِ ، بَلْ يَتَجَسَّدُ فِي أَعْظَمِ كَمَالٍ يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهُ مَخْلُوقٌ عَلَى الإِطْلاَقِ (2) ؛ أَلَا وَهُوَ : أَنَّ ذَاتَهُ الشَّرِيفَةَ مَظْهَرٌ لِوَحْيٍ زَخَّارٍ ، وَفَيْضٍ إِلَهِيٍّ سَرْمَدِيٍّ لاَ يَنْقَطِعُ أَزَلاً وَلاَ أَبَداً ؛ سَوَاءٌ فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَمْ فِي النَّشَآتِ وَالعَوَالِمِ السَّابِقَةِ وَاللاَّحِقَةِ ؛ كَعَالَمِ الذَّرِّ وَالمِيثَاقِ ، وَعَالَمِ البَرْزَخِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَالقِيَامَةِ ، وَالآخِرَةِ الأَبَدِيَّةِ وَمَا بَعْدَهَا (3). فَانْظُرْ بَيَانَاتِ الوَحْيِ وَأَدِلَّتَهُ ، مِنْهَا : الدَّلِيلُ الأَوَّلُ : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.(4) . بتقريب : إِنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ (هُوَ) فِي الآيَةِ الثَّالِثَةِ ـ بِمُقْتَضَى اتِّسَاقِ السِّيَاقِ وَوَحْدَةِ السِّيَاقِ القُرْآنِيِّ ـ هُوَ عَيْنُ مَرْجِعِهِ فِي الآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ ؛ أَيْ الذَّاتُ المُقَدَّسَةُ وَالحَقِيقَةُ النَّبَوِيَّةُ لِسَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ، حَيْثُ وُصِفَتْ تِلْكَ الذَّاتُ الشَّرِيفَةُ بِأَنَّهَا «وَحْيٌ يُوحَى». وَلَمَّا كَانَ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضَارعِ (يُوحَى) يُفِيدُ التَّجَدُّدَ وَالاسْتِمْرَارَ التَّأْبِيدي ، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الحَقِيقَةَ المُحَمَّدِيَّةَ فِيَاضَةٌ لاَ يَعْتَرِيهَا نَفَادٌ وَلاَ انْقِطَاعٌ ؛ فَهِيَ سَحَابٌ هَاطِلٌ ، وَغَيْثٌ هَامِلٌ ، وَبَحْرٌ زَخَّارٌ لَا يَنْزَفُ ، وَعَيْنٌ ثَرَّاةٌ لاَ تَغُورُ ، وَرَوْضَةٌ مَطِيرَةٌ لَا نِهَايَةَ وَلَا انْقِطَاعَ لِوَحْيِهَا أَبَدَ الْآبَادِ وَدَهْرَ الدُّهُورِ ؛ مَا زَالَتْ لِلَّـهِ حَاجَةٌ فِي خَلْقِهِ. ... وَتَتِمَّةُ البَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَىٰ) ، وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الأَطْهارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يَنْبَغِي صَرْفُ النَّظَرِ فِي هٰذَا الْمَقَامِ إِلَى نُكْتَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ بَالِغَةِ الْأَهَمِّيَّةِ ، تَأْتِي فِي بَابِ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ الْإِلٰهِيَّةِ ؛ وَهِيَ : أَنَّ مَعْرِفَةَ كُنْهِ مَاهِيَّةِ وَحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ الْإِلٰهِيَّةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ تَوْقِيفِيٌّ مِنْ لَدُنِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ، فَلَا يَسَعُ بَشَرًا ـ كَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ ـ حَدُّهَا وَتَعْرِيفُهَا ؛ وَإِلَّا كَانَ لَازِمُ ذٰلِكَ الزَّيْغَ وَالِانْحِرَافَ ، وَالتَّشْبِيهَ وَالْجُحُودَ. بَلْ إِنَّ مَنْ يَدَّعِي مِنْ قَاطِبَةِ الْمَخْلُوقَاتِ مَعْرِفَةَ كُنْهِ ذَاتِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَحَقِيقَتِهِ ، فَقَدْ قَالَ غَلَطًا ، وَتَكَلَّفَ شَطَطًا. نَعَمْ ، يُمْكِنُ ادِّعَاءُ مَعْرِفَتِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) مِنْ وَجْهٍ ، وَبِالْهُوِيَّةِ الْمُشَخِّصَةِ. وَلَيْسَ هٰذَا مِنْ بَابِ الْغُلُوِّ أَوْ التَّأْلِيهِ فِي شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمٌ لِلذَّاتِ الإِلٰهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَحِفْظٌ لِمَقَامَاتِ خَلْقِ اللهِ سُبْحَانَهُ ، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِذَاتِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) ؛ إِذْ إِنَّ عَظَمَةَ الْفِعْلِ مِنْ عَظَمَةِ الْفَاعِلِ ، وَلَمَّا كَانَتْ ذَاتُ الْبَارِي (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ ، فَكَذٰلِكَ فِعْلُهُ. وَعَلَى الضِّدِّ مِنْ ذٰلِكَ فَقِسِ اسْتِنْقَاصَ فِعْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) وَدَعْوَى تَنَاهِيهِ ؛ فَإِنَّ لَازِمَهُ ـ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ ـ نِسْبَةُ النَّقْصِ وَالْحُكْمُ بِتَنَاهِي الذَّاتِ الإِلٰهِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ. وَعَلَيْهِ ؛ فَقِسِ الإِمَامَةَ الإِلٰهِيَّةَ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ ؛ لِكَوْنِهِمَا يَرْتَضِعَانِ مِنْ لَبَانٍ وَاحِدٍ. (2)يَنْبَغِي الاِلْتِفَاتُ : أَنَّ نُعُوتَ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَسَائِرِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) وَأَوْصَافَهُمْ وَكُنَاهُمْ وَأَسْمَاءَهُمْ ، لَيْسَتْ مَدْحًا وَثَنَاءً فَحَسْبُ ؛ بَلْ هِيَ مَعَارِفُ حَقِيقِيَّةٌ يَجْدُرُ بِالْمَخْلُوقِ امْتِحَانُ نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا ؛ لِيَأْخُذَ نَفْسَهُ بِمَسْئُولِيَّةٍ وَمَعْرِفَةٍ جَدِيدَتَيْنِ ، بِخِلَافِ السَّيْرِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ فَإِنَّهُ نَحْوٌ مِنَ التَّكَاسُلِ وَالْبَلَادَةِ. (3)يَجْدُرُ الاِلْتِفَاتُ : أَنَّ مَا يَضْطَلِعُ بِهِ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وَسَائِرُ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) مِنْ أَدْوَارٍ وَمَسْئُولِيَّاتٍ فِي عَالَمِ الآخِرَةِ الأَبَدِيَّةِ ، هُوَ أَعْظَمُ شَأْنًا ، وَأَرْفَعُ مَسْئُولِيَّةً ، وَأَخْطَرُ خَطْبًا ـ بِلَا قِيَاسٍ ـ مِنْ أَدْوَارِهِمُ الَّتِي قَامُوا وَيَقُومُونَ وَسَيَقُومُونَ بِهَا فِي عَالَمِ الدُّنْيَا بِنَشَآتِهِ الثَّلَاثِ. (4) النَّجْمُ : 2-4.