الرئيسية | دروس في المعارف الإلهية | دروس في المعرف الالهية . من الدرس (604 ـ 800) المقصد الاول / المقدمة | مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (755) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ

مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (755) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ

16/02/2026


الدَّرْسُ (755) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ). وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (28/ 295) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : « المُوَازَنَةُ بَيْنَ الحُجَجِ وَمَنَاهِجُ التَّرْجِيحِ » ، وعُنْوَانِ : « تَرَاتُبِيَّةُ الأَدِلَّةِ : الحُجَجُ عَلَى مَرَاتِبَ وَطَبَقَاتٍ » ، وعُنْوَانِ : « نِسْبِيَّةُ الحُجِّيَّةِ : اِسْتِحَالَةُ القَطْعِيِّ ظَنّاً عِنْدَ المُعَارَضَةِ بِالأَقْوَى » ؛ فَإِنَّ لِلْمُحْكَمِ وَاليَقِينِ وَمَقَامِ الحُجِّيَّةِ مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةً ؛ وَإِنَّ الوَعْيَ بِأَصْلِ الحُجِّيَّةِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ تَرَاتُبِيَّةِ سِلْسِلَتِهَا وَتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ إِحْكَامِهَا ، لَا يُفْضِي إِلَىٰ سَدَادٍ فِي الاِسْتِدْلَالِ وَلَا صَوَابٍ فِي النَّتَائِجِ . فَالتَّشَبُّثُ بِحُجِّيَّةِ دَلِيلٍ عَلَىٰ نَحْوِ التَّعْمِيمِ المُطْلَقِ ـ دُونَ رِعَايَةِ رُتْبَتِهِ المَعْرِفِيَّةِ ـ يُعَدُّ تَمَسُّكًا بِـ (الظَّنِّ المُتَشَابِه) ؛ إِذِ الدَّلِيلُ وَإِنْ كَانَ فِي ذَاتِهِ مُحْكَمًا يُورِثُ اليَقِينَ ، إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ مُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَمْتَنُ مِنْهُ يَقِينًا يَنْحَطُّ إِلَىٰ رُتْبَةِ الظَّنِّ المُتَشَابِه . إِذَنْ : لِلْمُحْكَمِ وَاليَقِينِ طَبَقَاتٌ ؛ وَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ عَرْضِ المَرْتَبَةِ النَّازِلَةِ عَلَىٰ الصَّاعِدَةِ ، وَالأَضْعَفِ عَلَىٰ الأَقْوَىٰ ؛ وَإِلَّا كَانَ المَصِيرُ إِلَىٰ الزَّيْغِ وَالاِنْحِرَافِ . وَهَذَا مَا يُوَضِّحُ نُكْتَةَ انْحِرَافِ وَضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَالْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُ نَشَأَ نَتِيجَةَ عَدَمِ التَّفَطُّنِ إِلَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ وَالطَّبَقَاتِ وَتَفَاوُتِهَا . وَهَذِهِ مَلْحَمَةٌ فِكْرِيَّةٌ وَعَقَائِدِيَّةٌ وَمَعْرِفِيَّةٌ مُهِمَّةٌ وَخَطِيرَةٌ جِدًّاً نَبَّهَتْ عَلَيْهَا بَيَانَاتُ الْوَحْيِ بِشِدَّةٍ ، مِنْهَا : مَا صَدَرَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي مَعَارِكِهِ الثَّلَاثِ . وَمِنْ ثَمَّ ظَنَّ الْكَثِيرُ خَطَأً : أَنَّ غَايَةَ غَايَاتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ هذه الحروب هَزِيمَةُ وَإِبَادَةُ الطَّرَفِ وَنَسْفُهُ عَسْكَرِيًّا . وَالْحَقُّ : أَنَّ الَّذِي كَانَ يَتَوَخَّاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنْجَزَهُ : (فَقْءُ الْفِتْنَةِ) . إِنَّ هَذِهِ البَصِيرَةَ النَّافِذَةَ وَتَبْيِينَ المَرَاتِبِ لَيَفُوقَانِ ـ بِمَرَاحِلَ لَا تُقَاسُ ـ الِانْتِصَارَ وَالحَسْمَ العَسْكَرِيَّ فِي وَقْعَةِ الجَمَلِ ، وَهَزِيمَةَ مَنْ ضَلَّ مِنَ الصَّحَابَةِ . كَمَا أَنَّهَا أَعْظَمُ شَأْناً مِنْ كَسْرِ شَوْكَةِ مُعَاوِيَةَ عَسْكَرِيّاً فِي صِفِّينَ ؛ فَإِنَّ إِرْسَاءَ القَوَاعِدِ الإِنْسَانِيَّةِ وَتَرْسِيخَ الثَّوَابِتِ الحَضَارِيَّةِ الكَوْنِيَّةِ هُوَ المَفْخَرَةُ الأَسْمَى . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَىٰ الْمَطْلَبِ التَّالِي : وَعَلَى هَذَا المِنْوَالِ؛ فَلْتُقَسْ مَلْحَمَةُ النَّهْرَوَانِ؛ فَإِنَّ مَا حَقَّقَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) فِيهَا مِنَ المُنْجَزِ الحَضَارِيِّ لَيَفُوقُ ـ بِمَرَاحِلَ لَا تُقَاسُ ـ نَتَائِجَ الحَسْمِ العَسْكَرِيِّ وَإِبَادَةِ المَارِقِينَ؛ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَصْدَرَ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ، فَقَأَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَيْنَهَا، وَأَرْسَى فِيهَا بَصِيرَةً حَضَارِيَّةً عَمِيقَةً، لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ فَحَسْبُ، بَلْ لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، بَلْ وَلِعُمُومِ الكَائِنَاتِ. فَقَدْ كَانَ الخَوَارِجُ(1) يَتَمَتَّرَسُونَ بِأَوْرَادِ (سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ)، وَيَتَحَصَّنُونَ بِشِعَارِ (لَا حُكْمَ إِلَّا لِلّٰهِ)؛ وَهُوَ فِي ذَاتِهِ شِعَارُ حَقٍّ وَعَدْلٍ، لَكِنَّ الزَّيْغَ كَانَ كَامِنًا فِي مَنْهَجِيَّةِ تَنْفِيذِهِ؛ مِمَّا يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ مَفَادُهَا: أَنَّ الشِّعَارَ العَادِلَ يَنْبَغِي أَلَّا يَغُرَّ ذَوِي الأَلْبَابِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ النَّفَاذِ إِلَى مَا وَرَاءَ الظَّاهِرِ. وَمِنْ هُنَا جَاءَ رَدُّهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) الحَاسِمُ عَلَى شِعَارِهِمْ بِأَنَّهُ: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ»(2). وَمُقْتَضَى هَذَا: أَنَّ كَلِمَةَ الحَقِّ ذَاتَهَا قَدْ تَنْقَلِبُ فِتْنَةً؛ وَبِنَاءً عَلَيْهِ، فَإِنَّ المُصْحَفَ الشَّرِيفَ، وَأُمُومَةَ المُؤْمِنِينَ، وَصُحْبَةَ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، قَدْ تَتَحَوَّلُ كُلُّهَا إِلَى مَوَاضِعِ فِتْنَةٍ وَاخْتِبَارٍ. وَهَذِهِ الفِتَنُ لَا تَرْتَفِعُ غُمَّتُهَا وَلَا تُفْقَأُ عَيْنُهَا إِلَّا بِمِعْيَارِ أَهْلِ البَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ). إِذَنْ: فَالقُرْآنُ الصَّامِتُ يَؤُولُ ـ لَا مَحَالَةَ ـ إِلَى فِتْنَةٍ مَتَى مَا عُزِلَ عَنِ القُرْآنِ النَّاطِقِ . ... وَتَتِمَّةُ الْبَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الْأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تَرْجِعُ جُذُورُ نَشْأَةِ الخَوَارِجِ إِلَى عَهْدِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، وَتَحْدِيداً يَوْمَ حُنَيْنٍ عِنْدَ تَقْسِيمِ الغَنَائِمِ؛ إِذِ اعْتَرَضَ أَحَدُ الصَّحَابَةِ جَسَارَةً بِقَوْلِهِ: «اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ». وَقَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ: «أَنَّ رَسُولَ اللّٰهِ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) بَيْنَمَا كَانَ يَقْسِمُ قَسْماً، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُدْعَى (ذَا الخُوَيْصِرَةِ)، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ؛ فَقَالَ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): قَدْ عَدَلْتُ، فَقَالَ ثَانِيَةً: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ (صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟! ... ثُمَّ قَالَ: سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ... يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصَوْمَهُ مَعَ صَوْمِهِمْ، يَقْرَأُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ...». [بحار الأنوار، 33: 338]. إِنَّ اعْتِرَاضَ هَذَا الصَّحَابِيِّ كَانَ يَرْتَكِزُ عَلَى (بَدِيهِيَّةٍ عُظْمَى) وَهِيَ مَبْدَأُ العَدْلِ، لَكِنَّ المَزْلَقَ كَانَ فِي مَقَامِ (التَّطْبِيقِ)؛ حَيْثُ حَاوَلَ إِسْقَاطَهَا عَلَى أَعْدَلِ خَلْقِ اللّٰهِ طُرّاً، مُقَدِّماً فَهْمَهُ لِلْحُجِّيَّةِ عَلَى حُجِّيَّةِ سيِّد الأَنبياء صلى الله عليه واله المَعْصُومِ. لِذَا، كَانَتْ فِتْنَةُ الخَوَارِجِ أَعْظَمَ خَطَراً مِنْ فِتْنَتَيِ الجَمَلِ وَصِفِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطَوُوا تَحْتَ لِوَاءِ السَّقِيفَةِ وَلَا النَّهْجِ الأُمَوِيِّ، وَلَمْ يَصْطَفُّوا مَعَ المَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ أَوْ مَا تَفَرَّعَ عَنْهَا كَالسَّلَفِيَّةِ وَالوَهَّابِيَّةِ، بَلْ كَانَ دِثَارُهُمُ التَّمَسُّكَ بِالمُحْكَمَاتِ وَضَرُورِيَّاتِ الوَحْيِ ـ وَهِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الحُجَجِ ـ . فَلَمْ يَرْفَعُوا شِعَارَ (دَمِ عُثْمَانَ) وَلَا مَحْضَ (حُجِّيَّةِ المُصْحَفِ)، بَلْ نَادَوْا بِمَا هُوَ أَبْعَدُ غَوْراً، غَيْرَ أَنَّهُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ حِينَ أَخْفَقُوا فِي تَطْبِيقِ تِلْكَ الكُلِّيَّاتِ المَعْصُومَةِ عَلَى الجُزْئِيَّاتِ وَالتَّفَاصِيلِ. وَمِنْ ثَمَّ، وَصَمَتْهُمْ بَيَانَاتُ الوَحْيِ بِأَنَّهُمْ: «كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ» [بحار الأَنوار، 33: 326/ح571]؛ لِتَجَرُّدِهِمْ مِنَ الهِدَايَةِ، وَافْتِقَارِهِمْ لِلرُّؤْيَةِ المَنْظُومِيَّةِ لِلْحُجَجِ، وَعَجْزِهِمْ عَنْ رَسْمِ مَعَالِمِهَا بِاتِّسَاقٍ صَحِيحٍ. وَهَذَا لَعَمْرِي مِنْ أَدَقِّ المَطَالِبِ المَعْرِفِيَّةِ وَأَخْطَرِهَا عَلَى الإِطْلَاقِ. (2) بحار الأنوار، 33: 338/ح583