مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (787) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ
19/03/2026
الدَّرْسُ (787) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ). وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (47/ 314) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : « اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَسَقُ نَظْمِهَا مَنْهَجٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ » ؛ فَإِنَّ مَنْهَجَ اسْتِكْنَاهِ المَعَانِي(1) وَتَنْضِيدِ نِظَامِهَا ، وَمَسْلَكَ الِاسْتِجْلَاءِ المَعْرِفِيِّ(2) مِنْ وَرَاءِ سُتُورِ الأَلْفَاظِ فِي مَحَاضِنِ المَعَارِفِ ؛ لَمَنْهَجٌ بَالِغُ الخُطُورَةِ وَالأَهَمِّيَّةِ ؛ إِذِ التَّعَابِيرُ الوَارِدَةُ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَوَالِبَ لُغَوِيَّةٍ ، بَلْ هِيَ جُمَلٌ مِحْوَرِيَّةٌ وَمُعَادَلَاتٌ كُلِّيَّةٌ ، لَهَا أُطُرٌ مَثْبُوتَةٌ ضِمْنَ سِيَاقَاتٍ بَيَانِيَّةٍ مُتَفَاوِتَةِ المَرَاتِبِ . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَىٰ المطلب التالي : وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ حُجِّيَّةَ مُتُونِ الْأَدِلَّةِ وَمَضَامِينِهَا فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ ـ وَلَا سِيَّمَا فِي الْقَضَايَا الْعَقَائِدِيَّةِ ـ لَا تَنْهَضُ عَلَى الِاسْتِعْبَادِ بِالسَّنَدِ أَوِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْبُعْدِ الظَّنِّيِّ ، وَإِنَّمَا قِوَامُهَا الِاسْتِنَادُ إِلَى الْبُعْدِ الْعَقْلِيِّ ؛ فَبَعْدَ أَنْ يَتَمَهَّرَ الْبَاحِثُ وَالْمُسْتَنْبِطُ وَيَرْتاضَ فِي الْمَدَارِسِ الْبَشَرِيَّةِ ، يَنْطَلِقُ لِيَسْبَحَ وَيَغُوصَ فِي لُجَجِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ . وَهَذَا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ، وَأَكَّدَتْ عَلَى رَسْمِ مَعَالِمِهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ الشَّرِيفِ الْوَافِرَةُ الْبَاهِرَةُ ؛ مِنْهَا : ١- بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } (3)(4). فَـ(التِّلَاوَةُ) ـ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : {يَتْلُو عَلَيْهِمْ} ـ تُمَثِّلُ مَرْحَلَةَ (الْعِلْمِ النَّقْلِيِّ الْحِسِّيِّ) ، وَهِيَ مَحْضُ مُقَدِّمَةٍ لِمَا بَعْدَهَا . بَيْنَمَا تُمَثِّلُ ضَرُورَةُ (التَّعَلُّمِ) ـ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : {وَيُعَلِّمُهُمُ}(5) ـ مَرْحَلَةَ (الْفَهْمِ الْعَقْلِيِّ) لِمَوَارِدِ الْوَحْيِ ؛ بُغْيَةَ تَحْصِيلِ الْيَقِينِ وَالْبُرْهَانِ الْوَحْيَانِيِّ ، وَهُوَ (ذِيُّ الْمُقَدِّمَةِ) وَالْغَايَةُ الْأَسْمَى الَّتِي تُمَثِّلُ جَوْهَرَ الْإِعْجَازِ . فَانْظُرْ : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ قَوْلُهُ) : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (6)(7). إِذْ يَدُلُّ بَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ بِجَلَاءٍ عَلَى أَنَّ الْمُعَاجِزَ ـ وَفِي طَلِيعَتِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ـ بَلْ وَالْكَرَامَاتِ الْإِلَهِيَّةَ ، لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْإِدْهَاشِ ، بَلْ تُورِثُ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا : (الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ وَالْبُرْهَانَ الْوَحْيَانِيَّ). وَبِالْجُمْلَةِ : فَإِنَّ أَحَدَ مَرَاسِمِ (الْمُعْجِزَةِ) أَنَّهَا انْبِثَاقٌ لِسَنَا أَنْوَارٍ غَيْبِيَّةٍ بَاهِرَةٍ ، تَتَجَلَّى إِمَّا فِي مَظْهَرِ قُدْرَةٍ قَاهِرَةٍ ، أَوْ فِي آيَةِ كَمَالٍ قُدُّوسِيٍّ ؛ فَتَنْتَشِلُ بَصِيرَةَ مَنْ يُعَايِنُهَا لِيَشْهَدَ مِنْ خِلَالِهَا عَظَمَةَ الْغَيْبِ ، فَتَعْرُوهُ حَالَةٌ مِنَ الْإِخْبَاتِ الدَّفْعِيِّ الْقَهْرِيِّ ، تَتَضَعْضَعُ لَهَا أَرْكَانُ ذَاتِهِ وَقُوَاهُ ؛ فَيَخِرُّ لِبَاعِثِهَا سَاجِدًا وَمُتَذَلِّلًا ، كَمَا جَرَى لِسَحَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَاحِظْ : بَيَانَ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } (8). وَهَذِهِ هِيَ عَيْنُ مَفْعُولِ (الْبُرْهَانِ) ؛ إِذْ يَنْقُلُ الطَّرَفَ مِنْ حَيِّزِ (النَّظَرِ الْفِكْرِيِّ) إِلَى فِسْحَةِ (التَّجَلِّيَاتِ الْفِطْرِيَّةِ) ، فَإِذَا عَايَنَ الْعَقْلُ تِلْكَ الْعَظَمَةَ خَبَتْ نَفْسُهُ إِجْلَالًا . إِذَنْ : الْمُعْجِزَةُ الْإِلَهِيَّةُ خِطَابٌ رَبَّانِيٌّ مُبَاشِرٌ ، وَمُوَاجَهَةٌ قُدُسِيَّةٌ مِنْ لَدُنِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) لِخَلْقِهِ دُونَ وَاسِطَةٍ . ... وَتَتِمَّةُ الْبَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الْأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أَيْ : اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَظْمُهَا . (2) أَيْ : الصِّلَةُ الْمَعْنويَّةُ . (3) الجمعة : 2. (4) يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ : أَنَّ مَنْ يَرُومُ اسْتِيضَاحَ بَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) الْمُفَسِّرَةِ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ ؛ فَلَا يَخْدَعَنَّهُ الِاقْتِصَارُ فِي الْفَحْصِ عَلَى مُرَاجَعَةِ تَفْسِيرٍ أَوْ اثْنَيْنِ ، بَلْ عَلَيْهِ التَّيَقُّظُ لِمَوَارِدِ وُرُودِ الْآيَةِ بِمَنْظُومَةِ أَلْفَاظِهَا أَوْ مُقَارِبَاتِهَا الدَّلَالِيَّةِ فِي عُمُومِ مَوَارِدِ الْوَحْيِ ، وَعَدَمُ الِارْتِهَانِ لِمَصْدَرٍ وَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ . وَبِالْجُمْلَةِ : إِنَّ مَدَارَ الْفَحْصِ وَالتَّنْقِيبِ الْعِلْمِيِّ مَدَارٌ شَاسِعٌ ؛ فَلَا يَنْبَغِي لِلْبَاحِثِ أَنْ يَغْتَرَّ بِدَرَجَةٍ مَا مِنَ التَّتَبُّعِ أَوِ التَّأَمُّلِ ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مَا بَلَغَهُ هُوَ الذُّرْوَةُ وَسَنَامُ الْمَعْرِفَةِ فَقَدِ ارْتَطَمَ بِغَفْلَةٍ شَنِيعَةٍ ؛ إِذِ الْمُتَحَصَّلُ لَدَيْهِ ـ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْوَحْيَانِيَّةِ ـ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مُتَنَاهِيًا ، بَيْنَمَا حَقَائِقُ الْوَحْيِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ مَطْلَقًا ، وَلَا وُجُودَ لِنِسْبَةٍ رِيَاضِيَّةٍ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَاللَّامَحْدُودِ ؛ إِذْ لَوْ قِيسَ الْمُتَنَاهِي إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي لَكَانَ عَدَمًا مَحْضًا (صِفْرًا عَلَى جِهَةِ الشِّمَالِ) ، وَإِلَّا لَانْقَلَبَتْ مَاهِيَّةُ غَيْرِ الْمُتَنَاهِي إِلَى التَّنَاهِي ، وَبُطْلَانُ انْقِلَابِ الْمَاهِيَّةِ مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ ، بَلْ هُوَ خُلْفُ الْفَرْضِ . (5) إِنَّ الْمَنْهَجِيَّةَ التَّعْلِيمِيَّةَ السَّارِيَةَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ لِإِيصَالِ الْمَعَارِفِ إِلَى الْمُخَاطَبِ ؛ إِنَّمَا تَقُومُ عَلَى مَبْدَأِ (التَّدَرُّجِ فِي التَّعْلِيمِ) ، وَاعْتِمَادِ الْمَرَاحِلِ التَّرَاتُبِيَّةِ . (6) القصص : 31 ـ 32. (7) يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ : أَنَّهُ مَا مِنْ لَفْتَةٍ أَوْ مَشْهَدٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ؛ إِلَّا وَهِيَ تَصُبُّ فِي مَعِينِ ذِكْرِ اللهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) ، وَتَبْعَثُ عَلَى خَشْيَتِهِ وَالْخُضُوعِ لِجَلَالِهِ . (8) الشعراء : 41 ـ 51