مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (788) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ
20/03/2026
الدَّرْسُ (788) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ). وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (47/ 314) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : « اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَسَقُ نَظْمِهَا مَنْهَجٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ » ؛ فَإِنَّ مَنْهَجَ اسْتِكْنَاهِ المَعَانِي(1) وَتَنْضِيدِ نِظَامِهَا ، وَمَسْلَكَ الِاسْتِجْلَاءِ المَعْرِفِيِّ(2) مِنْ وَرَاءِ سُتُورِ الأَلْفَاظِ فِي مَحَاضِنِ المَعَارِفِ ؛ لَمَنْهَجٌ بَالِغُ الخُطُورَةِ وَالأَهَمِّيَّةِ ؛ إِذِ التَّعَابِيرُ الوَارِدَةُ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَوَالِبَ لُغَوِيَّةٍ ، بَلْ هِيَ جُمَلٌ مِحْوَرِيَّةٌ وَمُعَادَلَاتٌ كُلِّيَّةٌ ، لَهَا أُطُرٌ مَثْبُوتَةٌ ضِمْنَ سِيَاقَاتٍ بَيَانِيَّةٍ مُتَفَاوِتَةِ المَرَاتِبِ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ حُجِّيَّةَ مُتُونِ الْأَدِلَّةِ وَمَضَامِينِهَا فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ ـ وَلَا سِيَّمَا فِي الْقَضَايَا الْعَقَائِدِيَّةِ ـ لَا تَنْهَضُ عَلَى الِاسْتِعْبَادِ بِالسَّنَدِ أَوِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْبُعْدِ الظَّنِّيِّ ، وَإِنَّمَا قِوَامُهَا الِاسْتِنَادُ إِلَى الْبُعْدِ الْعَقْلِيِّ ؛ فَبَعْدَ أَنْ يَتَمَهَّرَ الْبَاحِثُ وَالْمُسْتَنْبِطُ وَيَرْتاضَ فِي الْمَدَارِسِ الْبَشَرِيَّةِ ، يَنْطَلِقُ لِيَسْبَحَ وَيَغُوصَ فِي لُجَجِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ . وَهَذَا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ، وَأَكَّدَتْ عَلَى رَسْمِ مَعَالِمِهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ الشَّرِيفِ الْوَافِرَةُ الْبَاهِرَةُ ؛ مِنْهَا : وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْبَيَانِ الثَّانِي : 2ـ بَيَانُ قَوْلِهِ جَلَّ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (3)(4). بِتَقْرِيبِ : أَنَّنَا نَجِدُ فِي هَٰذَا الْبَيَانِ الْوَحْيَانِيِّ الشَّرِيفِ تَرْتِيباً مَنْهَجِيّاً لِمَرَاحِلِ التَّلَقِّي وَالاسْتِنْبَاطِ : أَوَّلاً : "النَّفْرُ" ؛ وَهُوَ إِشَارَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ إِلَى "مَرْحَلَةِ الرِّوَايَةِ" وَالسَّمَاعِ ، وَتُمَثِّلُ الجَانِبَ "النَّقْلِيَّ الحِسِّيَّ" ؛ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ (المُقَدِّمَةِ الإِعْدَادِيَّةِ) لِتَحْصِيلِ المَادَّةِ العِلْمِيَّةِ . ثَانِيَّاً : "التَّفَقُّهُ" ؛ الـمُشَارُ إِلَيْهِ فِي بيان قَوْلِهِ : {لِيَتَفَقَّهُوا} ؛ وَهُوَ يَعْنِي "الفَهْمَ الدَّقِيقَ" (5)وَالغَوْرَ المَعْرِفِيَّ . وَيُرْمِزُ هُنَا إِلَى مَرْحَلَةِ "الفَهْمِ العَقْلِيِّ" لِمَضَامِينِ وَمُتُونِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ ؛ فَهِيَ مَرْحَلَةُ (ذِي المُقَدِّمَةِ) ، وَهِيَ "الغَايَةُ الأَسْمَى" الَّتِي اقْتَضَتْهَا (لَامُ العَاقِبَةِ وَالغَرَضِ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : {لِيَتَفَقَّهُوا} ؛ حَيْثُ يَنْتَقِلُ الفَقِيهُ مِنَ الظَّاهِرِ المَسْمُوعِ إِلَى البَاطِنِ المَفْهُومِ(6) . ... وَتَتِمَّةُ الْبَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الْأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أَيْ : اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَظْمُهَا . (2) أَيْ : الصِّلَةُ الْمَعْنويَّةُ . (3) التوبة : 122. (4) يَجِبُ الِاسْتِبْصَارُ : أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ هُوَ "النَّامُوسُ الإِلَهِيُّ الخَالِدُ" ، غَيْرَ أَنَّ دُسْتُورِيَّتَهُ وَمَدَيَاتِ خُلُودِهِ وَمُؤَدَّاهُ المَعْرِفِيَّ لَا تَنْحَصِرُ فِي حُدُودِ النَّشْأَةِ الأَرْضِيَّةِ ، وَلَا تَقْتَصِرُ خِطَابَاتُهُ عَلَى الثَّقَلَيْنِ (الجِنِّ وَالإِنْسِ) فَحَسْبُ ؛ بَلْ هِيَ هَيْمَنَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَسْتَوْعِبُ عَوَالِمَ المَلَكُوتِ وَكَافَّةَ الخَلَائِقِ ؛ لِكَوْنِهِ جَوْهَرَ الدِّينِ الشَّامِلِ . وَمِنْ ثَمَّ ، فَإِنَّ النِّدَاءَاتِ القُرْآنِيَّةَ المُرْتَدِيَةَ لِبَاسَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تَنْتَظِمُ فِي سِلْكِهَا جَمِيعَ مَرَاتِبِ المُؤْمِنِينَ ، وَفِي طَلِيعَتِهِمُ المَلَائِكَةُ الـمُقَرَّبُونَ ؛ لِذَا نَصَّتْ بَيَانَاتُ الوَحْيِ عَلَى أَنَّ أَمْلَاكَ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ ـ كَجَبْرَئِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ـ حِينَمَا يَتَنَزَّلُ الوَحْيُ عَلَى سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، فَإِنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ مَعَالِمَ ذَلِكَ القُرْآنِ وَيَسْتَفِيضُونَ مِنْ عُلُومِهِ . (5) يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ : أَنَّ (الفَهْمَ) حَقِيقَةٌ غَيْبِيَّةٌ ، صَادِرَةٌ عَنْ عَوَالِمَ عُلْوِيَّةٍ تتحكَّم فيها طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) الصَّاعدة ؛ تِلْكَ المَرَاتِبُ الَّتِي تَتَعَالَى عَلَى عَالَمِ الآخِرَةِ الأَبَدِيِّ ، وَتَفُوقُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ بِدَرَجَاتٍ مَلَكُوتِيَّةٍ ، بَيْنَمَا تَبْقَى تِلْكَ السَّمَاوَاتُ وَمَا فِيهَا ضِمْنَ نِطَاقِ عَوَالِمِ الأَجْسَامِ . (6) يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ التَّالِيَةِ : الْأَوَّلُ : إِنَّ الْمَعْرِفَةَ الْإِلَهِيَّةَ نَامُوسٌ مُقَدَّسٌ ، وَالسَّعْيَ نَحْوَهَا نَزْعَةٌ فِطْرِيَّةٌ تَقُضُّ مَضَاجِعَ الخَلَائِقِ شَوْقاً لِلْكَمَالِ . الثَّانِي : إِنَّ كُبْرَيَاتِ النِّعَمِ الـمُشَارِ إِلَيْهَا فِي بيان قَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}[النحل : 18] هِيَ "النِّعَمُ المَعْرِفِيَّةُ" وَالفُيُوضَاتُ المَعْنَوِيَّةُ ، لَا المَلَاذُّ البَدَنِيَّةُ الزَّائِلَةُ. الثَّالِثُ : إِنَّ أَخْطَرَ الحُصُونِ الَّتِي يَسْتَهْدِفُهَا العَدُوُّ هِيَ "قَلْعَةُ الفِكْرِ وَالرُّؤْيَةِ العَقَائِدِيَّةِ" ؛ فَإِذَا زُحْزِحَ المَخْلُوقُ عَنِ "الوَرَعِ العَقَدِيِّ" تَدَنَّسَ بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ ، وَإِنَّ أَسْمَى مَرَاتِبِ الطَّهَارَةِ هِيَ "طَهَارَةُ التَّعَقُّلِ". الرَّابِعُ : إِنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَنْقَطِعُ بِانْتِهَاءِ هَذِهِ النَّشْأَةِ ، بَلْ يَتَجَذَّرُ وَيَشْتَدُّ فِي العَوَالِمِ اللَّاحِقَةِ ، شَامِلاً بِذَلِكَ كُلَّ مَوْجُودٍ حَسْبَ رُتْبَتِهِ الوُجُودِيَّةِ