م
21/03/2026
الدَّرْسُ (789) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ). وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (47/ 314) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : « اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَسَقُ نَظْمِهَا مَنْهَجٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ » ؛ فَإِنَّ مَنْهَجَ اسْتِكْنَاهِ المَعَانِي(1) وَتَنْضِيدِ نِظَامِهَا ، وَمَسْلَكَ الِاسْتِجْلَاءِ المَعْرِفِيِّ(2) مِنْ وَرَاءِ سُتُورِ الأَلْفَاظِ فِي مَحَاضِنِ المَعَارِفِ ؛ لَمَنْهَجٌ بَالِغُ الخُطُورَةِ وَالأَهَمِّيَّةِ ؛ إِذِ التَّعَابِيرُ الوَارِدَةُ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَوَالِبَ لُغَوِيَّةٍ ، بَلْ هِيَ جُمَلٌ مِحْوَرِيَّةٌ وَمُعَادَلَاتٌ كُلِّيَّةٌ ، لَهَا أُطُرٌ مَثْبُوتَةٌ ضِمْنَ سِيَاقَاتٍ بَيَانِيَّةٍ مُتَفَاوِتَةِ المَرَاتِبِ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ حُجِّيَّةَ مُتُونِ الْأَدِلَّةِ وَمَضَامِينِهَا فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ ـ وَلَا سِيَّمَا فِي الْقَضَايَا الْعَقَائِدِيَّةِ ـ لَا تَنْهَضُ عَلَى الِاسْتِعْبَادِ بِالسَّنَدِ أَوِ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْبُعْدِ الظَّنِّيِّ ، وَإِنَّمَا قِوَامُهَا الِاسْتِنَادُ إِلَى الْبُعْدِ الْعَقْلِيِّ ؛ فَبَعْدَ أَنْ يَتَمَهَّرَ الْبَاحِثُ وَالْمُسْتَنْبِطُ وَيَرْتاضَ فِي الْمَدَارِسِ الْبَشَرِيَّةِ ، يَنْطَلِقُ لِيَسْبَحَ وَيَغُوصَ فِي لُجَجِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ . وَهَذَا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ، وَأَكَّدَتْ عَلَى رَسْمِ مَعَالِمِهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ الشَّرِيفِ الْوَافِرَةُ الْبَاهِرَةُ ؛ مِنْهَا : وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْبَيَانِ الثَّالث : ٣- بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ جَلَالُهُ) : { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (3). وَتَقْرِيبُ الدَّلَالَةِ وَاضِحٌ ؛ فَإِنَّهُ رَغْمَ عَدَمِ تَمَامِيَّةِ "السَّنَدِ" وَمَجْهُولِيَّةِ النِّسْبَةِ ـ بِنَاءً عَلَى فَرْضِيَّةِ الآيَةِ بِأَنَّ الـمُخْبِرَ "فَاسِقٌ" ـ وَمَعَ نَفْيِ صِحَّةِ "الطَّرْحِ الـمُطْلَقِ" أَوِ "الأَخْذِ التَّعَبُّدِيِّ" بَعَمَايَةٍ ، انْبَرَزَ مَسْلَكٌ ثَالِثٌ أَوْجَبَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ ، وَهُوَ : (فَحْصُ الـمَتْنِ ، وَاسْتِجْلَاءُ المَضْمُونِ ، وَالتَّثَبُّتُ مِنْ مِصْدَاقِيَّتِهِ). وَهَذِهِ التَّوْصِيَةُ الوَحْيَانِيَّةُ كَاشِفَةٌ عَنْ أَنَّ العُمْدَةَ وَالرُّكْنَ الرَّكِينَ فِي "حُجِّيَّةِ الخَبَرِ" وَمَلَاكِ العَمَلِ بِهِ هُوَ : (تَبَيُّنُ الْمَتْنِ وَتَحْلِيلُ الْمَضْمُونِ بِمَعَايِيرِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ ، وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ ، وَبَدِيهِيَّاتِ الْعَقْلِ ، وَالْوِجْدَانِ) . نَعَمْ ، يَبْقَى السَّنَدُ الـمُعْتَبَرُ "مُعَاضِداً وَقَرِينَةً" لِحُجِّيَّةِ الخَبَرِ ، لَكِنَّ القُطْبَ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى القَبُولِ وَالرَّدِّ هُوَ : (حُجِّيَّةُ الـمَتْنِ وَرَصَانَةُ المَضْمُونِ) . ٤- بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ وَعَلَا): { فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } (4). وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ ؛ فَإِنَّ مَفَادَهُ الْأُصُولِيَّ يَتَّحِدُ مَعَ جَوْهَرِ بَيَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « خُذِ الحِكْمَةَ مِمَّنْ أَتَاكَ بِهَا ، وَانْظُرْ إِلَى مَا قَالَ ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ »(5). فَإِنَّ "المِعْيَارَ المَوْضُوعِيَّ" لِلْقَبُولِ وَالِاتِّبَاعِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَحْوَرَ حَوْلَ (رَصَانَةِ المَتْنِ وَعُمْقِ المَضْمُونِ) ، بِمَعْزِلٍ عَنْ حَيْثِيَّةِ المَصْدَرِ أَوْ هُوِيَّةِ القَائِلِ ؛ فَالبِشَارَةُ الإِلَهِيَّةُ وَصِفَةُ "أُولِي الأَلْبَابِ" لَمْ تَنْتَزِعْ إِلَّا لِمَنْ جَعَلَ "نَقْدَ المُحْتَوَى" هُوَ الأَسَاسَ وَالعُمْدَةَ فِي مَقَامِ الحُجِّيَّةِ وَالِاعْتِبَارِ . ... وَتَتِمَّةُ الْبَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الْأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أَيْ : اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَظْمُهَا . (2) أَيْ : الصِّلَةُ الْمَعْنويَّةُ . (3) الحجرات : 6. (4) الزمر : 17 ـ 18. (5) غرر الحكمة ، 1: 394. ميزان الحكمة ، 6: 485. كنزل العمَّال /42218