مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (812) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ
13/04/2026
الدَّرْسُ (812) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَى مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ ، وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا : (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَآءَ اللَّهُ تَعَالَى) ثَانِيًا : مِنَ الدَّرْسِ (314) ، (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا ، وَلَا زَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى الْفَائِدَةِ التَّالِيَةِ : / الْفَائِدَةُ : (63/ 330) / [قِرَاءَةُ المَعَارِفِ: أَصَالَةُ المَنْظُومَةِ الوَحْيَانِيَّةِ فِي قِبَالِ المَقَايِيسِ البَشَرِيَّةِ] إِنَّ سِرَّ تَأْكِيدِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ المَعَارِفِ وَتَدَبُّرِ المَضَامِينِ الوَحْيَانِيَّةِ عَبْرَ عَنَاوِينِ وَلُغَاتِ الوَحْيِ نَفْسِهِ(1) ، دُونَ الِارْتِهَانِ لِعَنَاوِينِ وَلُغَاتِ البَشَرِ (2) ؛ يَكْمُنُ فِي كَوْنِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ عِبَارَةً عَنْ (شَبَكَةِ إِنْبَاءٍ غَيْبِيٍّ وَمَلَكُوتِيٍّ) ، وَأُفُقٍ ذِي أَبْعَادٍ وَمَقَاسَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ ؛ فَهِيَ مِمَّا لَا يُقَاسُ بِأُفُقِ النَّتَاجِ البَشَرِيِّ المَحْدُودِ ، وَلَا بِتَنَاظُرِ (القِيلِ وَالقَالِ) لِمَخْلُوقٍ مَهْمَا بَلَغَ شَأْنُهُ . فَأَيْنَ الذَّهَبُ الإِبْرِيزُ مِنَ الرَّغَامِ ؟ وَأَيْنَ المَاءُ العَذْبُ الفُرَاتُ مِنَ المِلْحِ الأُجَاجِ ؟! [بَرَاهِينُ اللَّاتَنَاهِي: مَقَايِيسُ العِلْمِ الإِلَهِيِّ فِي قِبَالِ نِتَاجِ المَخْلُوقِ] فَتَأَمَّلْ مَلِيّاً فِي هَذِهِ البَيَانَاتِ الشَّاهِدَةِ عَلَى ذَلِكَ الفَارِقِ المَاهَوِيِّ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا](3). وَدَلَالَتُهُ فِي غَايَةِ الجَلَاءِ ؛ إِذْ هُوَ (بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ) قَاطِعٌ ، يَدُلُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ إِحَاطَةِ المَحْدُودِ البَشَرِيِّ بِالمُطْلَقِ الإِلَهِيِّ سِعَةً وَكَمَالاً . 2ـ بَيَانُ قَوْلهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ](4). وَدَلَالَتُهُ جَلِيَّةٌ ـ أَيْضاً ـ فِي التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الحَقَائِقَ الوَحْيَانِيَّةَ تَتَسَامَى عَنْ أَدَوَاتِ الرَّسْمِ ، وَتَتَجَاوَزُ نُظُمَ التَّدْوِينِ البَشَرِيَّةِ ، مَهْمَا تَكَاثَرَتْ مَوَادُّهَا وَتَعَدَّدَتْ وَسَائِلُهَا . 3ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ) : [مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ](5). وَدَلَالَتُهُ جَلِيَّةٌ ـ أَيْضاً ـ ؛ إِذْ هُوَ بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ مُؤَسِّسٌ لِـ (قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ) تَقْضِي بِالفَصْلِ التَّامِّ بَيْنَ (الزَّوَالِ) المَحْتُومِ الَّذِي يَحِيقُ بِالنَّتَاجِ البَشَرِيِّ المَحْدُودِ ، وَبَيْنَ (البَقَاءِ) السَّرْمَدِيِّ الَّذِي يَمْتَازُ بِهِ العِلْمُ اللَّدُنِّيُّ المَعْصُومُ . 4ـ بَيَانُ الإِمَامِ الصَّادِقِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِكَامِلٍ التَّمَّارِ ، قال : « كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ لِي : يَا كامِلُ ، اجْعَلُوا لَنا رَبّاً نَؤُوبُ(6) إِلَيْهِ ، وَقُولُوا فِينا ما شِئْتُمْ . قالَ : قُلْتُ : نَجْعَلُ لَكُمْ رَبّاً تَؤُوبُونَ إِلَيْهِ وَنَقُولُ فِيكُمْ ما شِئْنا ؟! قالَ : فَاسْتَوى جالِساً ثُمَّ قالَ : وَما عَسى أَنْ تَقُولُوا ؟! وَاللَّهِ ، ما خَرَجَ إِلَيْكُمْ مِنْ عِلْمِنا إِلَّا أَلِفٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ »(7). 5 ـ بَيانُ الإِمامِ الكاظِمِ (عَلَيْهِ السَّلامُ) ، مُخاطِباً عَلِيَّ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ : « ... لَا تَعْجَبْ ، فَما خَفِيَ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الإِمامِ أَعْجَبُ وَأَكْثَرُ ، وَما هَذا مِنَ الإِمامِ فِي عِلْمِهِ إِلَّا كَطَيْرٍ أَخَذَ بِمِنْقارِهِ مِنَ البَحْرِ قَطْرَةً مِنْ ماءٍ ، أَفَتَرَى الَّذِي أَخَذَ بِمِنْقارِهِ نَقَصَ مِنَ البَحْرِ شَيْئاً ؟ قالَ : فَإِنَّ الإِمامَ بِمَنْزِلَةِ البَحْرِ لا يَنْفَدُ ما عِنْدَهُ وَعَجائِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَالطَّيْرَ حِينَ أَخَذَ مِنَ البَحْرِ قَطْرَةً بِمِنْقارِهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنَ البَحْرِ شَيْئاً ، كَذَلِكَ العالِمُ لا يَنْقُصُهُ عِلْمُهُ شَيْئاً ، وَلا تَنْفَدُ عَجائِبُهُ »(8). وَدَلَالَتُهُ ـ كَسَوَابِقِهِ مِنَ البَرَاهِينِ ـ جَلِيَّةٌ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ (العِلْمَ الوَحْيَانِيَّ) هُوَ المِحْوَرُ الأَصِيلُ الَّذِي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ، وَلَا تَنْفَدُ ذَخَائِرُهُ ؛ وَأَنَّ كُلَّ نِتَاجٍ مَعْرِفِيٍّ سِوَاهُ يَبْقَى حَبِيساً فِي فَلَكِ (النَّفَادِ) ، وَيَدُورُ فِي مَدَارِ (القُصُورِ) الذَّاتِيِّ . ... وَتَتِمَّةُ الْبَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الْأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سَوَاءٌ أَكَانَتِ اللُّغَةُ وَالعَنَاوِينُ وَارِدَةً فِي بَيَانَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ـ بِمِلَاكِ كَوْنِهِ (وَحْيَ إِنْبَاءٍ غَيْبِيٍّ) ـ ؛ أَمْ كَانَتْ وَارِدَةً فِي بَيَانَاتِ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ ـ بِمِلَاكِ كَوْنِهَا (وَحْيَ إِنْبَاءٍ مَلَكُوتِيٍّ) ـ . (2) سَوَاءٌ أَكَانَتْ لُغَةُ البَشَرِ نَازِلَةً فِي مَسَارِ المَنَاهِجِ : (العَقَلِيَّةِ) ، أَمِ (الذَّوْقِيَّةِ) ، أَمِ (الجَدَلِيَّةِ الكَلَامِيَّةِ) ، أَمْ كَانَتْ صِيغَةً (بُرْهَانِيَّةً ذَوْقِيَّةً وِجْدَانِيَّةً) ، أَمْ لُغَةً (رِيَاضِيَّةً) ، أَمْ لُغَةَ (العُلُومِ التَّجْرِيبِيَّةِ) ، أَمِ المَدَارِكَ (القَانُونِيَّةِ) . (3) الكَهْفُ : 109. (4) لُقْمانُ : 27. (5) النَّحْلُ : 96. (6) خ. ل : نَؤُوبُ. (7) بَصائِرُ الدَّرَجاتِ ، 2 : 459/ح 1809 ـ 8. (8) بِحارُ الأَنْوارِ ، 26 : 190/ح 2. قُرْبُ الإِسْنادِ : 333/ح 1238