م

25/05/2026


الدَّرْسُ (853) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (90/ 357) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : [ قُصُورُ الإِدْرَاكِ البَشَرِيِّ فِي النَّشْأَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ ] ؛ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) : « النَّاسُ نِيَامٌ ؛ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا »(1) ؛ لَهُوَ بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ جَلِيٌّ عَلَى قُصُورِ مَدَارِكِ الإِنْسَانِ ، وَضَعْفِ وَعْيِهِ بِالحَقَائِقِ المَلَكُوتِيَّةِ فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ المَادِّيَّةِ ، حَيْثُ تَنْحَطُّ رُتْبَةُ إِدْرَاكِهِ إِلَى مَنْزِلَةِ النَّائِمِ الَّذِي يَحْسَبُ الخَيَالَ حَقِيقَةً . بَيْدَ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ارْتِحَالِهِ عَنْ هَذَا العَالَمِ ، يَنْقَشِعُ عَنْ بَصَرِهِ غِشَاوَةُ الحِسِّ ، فَيَسْتَفِيقُ وَيَزْدَادُ وَعْيُهُ حِدَّةً ، وَتَتَّسِعُ إِحَاطَتُهُ بِالـمُغَيَّبَاتِ . وَهَذَا مَا تَتَطَابَقُ مَعَهُ مَفَادَاتُ الوَحْيِ بَيَاناً وَتَقْرِيراً ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) : {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(2). فَإِنَّ لَفْظَ (الحَيَوَانُ) هُنَا جَاءَ بِمِيزَانِ المُبَالَغَةِ وَالِامْتِلَاءِ ، دَلَالَةً عَلَى الحَيَاةِ الـمَحْضَةِ الَّتِي لَا مَوْتَ فِيهَا وَلَا فُتُورَ ، سَوَاءً كَانَتْ فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ أَوْ فِي عَذَابٍ أَلِيمٍ . 2ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ قَوْلُهُ) : { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}(3) . فَهَذَا النَّصُّ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ ، دَالٌّ عَلَى أَنَّ مَدَارِكَ الْإِنْسَانِ تَصِيرُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَكْثَرَ حِدَّةً ، وَأَنْفَذَ رُؤْيَةً ، وَأَتَمَّ يَقِيناً ؛ حَيْثُ تَتَحَرَّرُ مِنْ قُيُودِ النَّشْأَةِ النَّاسُوتِيَّةِ لِتُعَايِنَ الـحَقَائِقَ الـمَلَكُوتِيَّةَ عِيَاناً . وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقَعُ عَلَى طَرَفِ نَقِيضٍ مِمَّا يَتَوَهَّمُهُ أَصْحَابُ "النَّزْعَةِ الـمَادِّيَّةِ" ـ كَالسَّلَفِيَّةِ وَالوَهَّابِيَّةِ وَالعَلْمَانِيَّةِ ـ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ اضْمِحْلَالَ الكَيَانِ البَشَرِيِّ بَعْدَ رَحِيلِهِ ، وَيَجْعَلُونَ مِنَ الدُّنْيَا صَنَماً مَعْبُوداً وَقُطْبَ رَحَى الوُجُودِ لَا غَيْرَ ؛ وَهَذِهِ فِي جَوْهَرِهَا هِيَ سِمَةُ الـمُلْحِدِ وَصِفَةُ الكَافِرِ بِلِقَاءِ اللَّهِ . فَانْظُرْ : بَيَانَاتِ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةَ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مَنْ قَائِلٍ) : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ} (4) . وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ ؛ فَأَنَّ جُحُودَ مَقَامِ أَهْلِ الْبَرْزَخِ وَالِاعْتِقَادَ بِمَوْتِهِمُ الْعَدَمِيِّ هُوَ مِنْ شِيَمِ مَنْ كَفَرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلِقَائِهِ . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى المبحث التَّالِيَ : [ مَرْكَزِيَّةُ الإِيمَانِ بِالغَيْبِ فِي الـمَنْظُومَةِ الـمَعْرِفِيَّةِ ] [ رُؤْيَةُ الـمُؤْمِنِ لِلنَّشْأَتَيْنِ: الغَيْبُ مَحْضُنُ الـحَقِيقَةِ ] وَعَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ تَمَاماً ، تَقُومُ صِفَةُ الـمُؤْمِنِينَ وَتَنْعَقِدُ رُؤْيَتُهُمْ ؛ إِذِ الدُّنْيَا فِي مَنْظُورِهِمْ لَيْسَتْ إِلَّا رَوْضَةً لِلتَّهْيِئَةِ ، وَإِعْدَاداً يَسِيراً ضَامِراً لِحَيَاةٍ أَعْظَمَ شَأْناً ، وَأَبْعَدَ مَدىً ، لَا تَقُومُ لَهَا مَقَايِيسُ الـمُقَارَنَةِ مَعَ مَا سَبَقَهَا . وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ الْأُخْرَىٰ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قُدْسُهُ) : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(5) . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ فِيهِ لَائِحٌ ؛ إِذْ جَعَلَ الوَحْيُ الإِلَهِيُّ أَنَّ مِنْ أَوْكَدِ صِفَاتِ الـمُؤْمِنِينَ ، وَأَعْلَاهَا رُتْبَةً ، وَأَبْعَدِهَا أَثَراً : "إِيمَانَهُمْ بِالغَيْبِ" ؛ بِاعْتِبَارِهِ الـمَعْدِنَ الأَصِيلَ لِلْحَقَائِقِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ نَيْلِ كُنْهِهَا وَمُعَايَنَةِ جَوْهَرِهَا مَدَارِكُ الـحِسِّ الـمَادِّيِّ الـمَحْدُودَةِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 50 : 134 . (2) الْعَنْكَبُوتُ : 64 . (3) ق : 21 ـ 22 . (4) الْمُمْتَحَنَةُ : 13 . (5) الْبَقَرَةُ : 2 ـ 3 .