مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (858) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ
30/05/2026
الدَّرْسُ (858) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (93/ 360) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : [لَا يُحِيطُ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ إِلَّا اللهُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ] ؛ فَإِنَّه يَنْعَقِدُ التَّحْقِيقُ المَعْرِفيُّ فِي بَيَانِ (مَعْنَىٰ تَنْزِيلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وَتَأْوِيلِهِ) عَلَىٰ فَهْمِ مَرَاتِبِ الوُجُودِ ؛ إِذْ إِنَّ (تَنْزِيلَ الكِتَابِ المَجِيدِ) يَتَمَثَّلُ فِي تَلَقِّي المَقَامَاتِ الكُلِّيَّةِ لِحَقِيقَتِهِ العُلْوِيَّةِ الصَّاعِدَةِ وَتَنَزُّلِهَا مِنَ الغَيْبِ المُطْلَقِ إِلَىٰ عَالَمِ الشَّهَادَةِ ، بَيْنَمَا يَكُونُ (تَأْوِيلُهُ) هُوَ إِرْجَاعَ هَذِهِ الكُلِّيَّاتِ الصَّاعِدَةِ وَتَطْبِيقَهَا عَلَىٰ مَوَارِدِهَا التَّعَيُّنِيَّةِ وَمَرَاتِبِهَا المُتَوَسِّطَةِ وَالجُزْئِيَّةِ . وَهَذَا الرَّدُّ وَالِانْكِشَافُ مَوْقُوفٌ عَلَىٰ طَهَارَةِ السِّرِّ وَالْإِحَاطَةِ بِبَوَاطِنِ الْغَيْبِ ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَتَقَرَّرُ أَنَّهُ (لَا يُحِيطُ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ إِلَّا اللهُ وَأَهْلُ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ؛ إِذْ هُمْ مَعَادِنُ الوَحْيِ وَأَوْعِيَةُ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ الَّذِي يَنْفَذُ إِلَىٰ لُبَابِ الحَقَائِقِ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّهُ (لَا يَتَسَنَّىٰ لِأَيِّ مَخْلُوقٍ قَطُّ الْإِحَاطَةُ بِجُمْلَةِ عَالَمِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ) مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْعِبًا لِمَرَاتِبِهِ الْقُدُسِيَّةِ الشَّرِيفَةِ اسْتِيعَاباً قَبْلِيّاً ، ومَا لَمْ تَكُنْ قُوَاهُ المَعْرِفِيَّةُ مُصَفَّاةً مِنْ كَدَرِ الزَّيْغِ وَالزَّلَلِ وَالاِنْحِرَافِ ؛ إِذِ الاِنْكِشَافُ التَّامُّ لِلْغَيْبِ مَشْرُوطٌ بِطَهَارَةِ السِّرِّ . وَلَا يَتَحَقَّقُ جَمِيعُ ذَلِكَ إِلَّا لِأَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ) ؛ لِكَوْنِهِمُ المَصَادِيقَ الأَتَمَّ الَّذِينَ نَزَلَ فِي حَقِّهِمْ : أَوَّلًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) : [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] (1) . ثَانِيًا : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ قَوْلُهُ) : [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ] (2) . وَقَدْ تَوَاتَرَتْ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْبَيَانِ الشَّرِيفِ الْكَثِيرُ مِنْ بَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ)، الدَّالَّةُ بِيَقِينٍ لَا يَعْتَرِيهِ رَيْبٌ عَلَى أَنَّ "مَقَامَ العِلْمِ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ" هُوَ مَقَامٌ مَحْصُورٌ فِي الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ الـمُقَدَّسَةِ ، وَبِمَنْ حَبَاهُ اللّٰهُ (بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ وَعِلْمِ التَّأْوِيلِ) مِمَّنِ اصْطَفَاهُمْ لِمُسْتَوْدَعِ أَسْرَارِهِ ؛ وَهُمْ أَهْلُ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) دُونَ سِوَاهُمْ . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى المبحث التَّالِيَ : [نَقْدُ المَنْهَجِ الِاسْتِئْنَافِيِّ وَتَقْرِيرُ العَطْفِ فِي عِلْمِ التَّأْوِيلِ] وَبِالْجُمْلَةِ : إِنَّ (الْوَاوَ) الدَّاخِلَةَ عَلَىٰ كَلِمَةِ (الرَّاسِخُونَ) وَالْوَارِدَةَ فِي هٰذَا الْبَيَانِ الشَّرِيفِ : [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا] فَسَّرَهَا بَعْضُ مُفَسِّرِي الْمَدَارِسِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْأُخْرَىٰ (3) بِـ : الِاسْتِئْنَافِيَّةِ ، فَيَكُونُ مَفَادُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِنَاءً عَلَىٰ هٰذَا الْوَجْهِ : أَنَّ الْعِلْمَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مَقْصُورٌ عَلَىٰ الذَّاتِ الْإِلٰهِيَّةِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) ، أَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي نَيْلِ مَعَارِفِهِ الْبَاطِنِيَّةِ ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ دَوْرُهُمْ عَلَىٰ التَّسْلِيمِ وَالِاعْتِقَادِ ، قَائِلِينَ : ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ؛ أَيْ : نُصَدِّقُ بِيَقِينٍ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ حَقٌّ صَادِرٌ مِنْ مَعْدِنِ الْوَحْيِ الْإِلٰهِيِّ . وَالْحَقُّ : أَنَّهَا عَاطِفَةٌ ؛ لِتَضَافُرِ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ ، مِنْهَا : مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بَيَانَاتُ سُورَةِ الْكَهْفِ الْحَاكِيَةُ لِقَضِيَّةِ النَّبِيِّ مُوسَىٰ وَالْخَضِرِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) ، وَالدَّالَّةُ عَلَىٰ أَنَّ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ عِلْمَ تَأْوِيلٍ لَدُنِّيًّا ، يَخُصُّ بِهِ الْبَارِي (جَلَّ شَأْنُهُ) ثُلَّةً مِنْ صَفْوَةِ خَلْقِهِ وَأَصْفِيَائِهِ ؛ لِيَتَمَكَّنُوا بِوَاسِطَتِهِ مِنْ إِقَامَةِ أَرْكَانِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ وَتَدْبِيرِ شُؤُونِهَا عَلَىٰ وَفْقِ الْمُرَادَاتِ الْإِلَٰهِيَّةِ وَالْمَرَاضِي الْقُدْسِيَّةِ . وَبِهٰذَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ مَفَادَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ هُوَ : أَنَّ العَالِمَ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِالأَصَالَةِ هُوَ اللّٰهُ (عَزَّ وَجَلَّ) ، وَبِالتَّبَعِيَّةِ مَنْ حَبَاهُمُ اللّٰهُ وَزَوَّدَهُمْ بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ وَأَوْدَعَهُمْ سِرَّ التَّأْوِيلِ ؛ وَهُمْ أَهْلُ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمْ) ، الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللّٰهُ تَرَاجِمَةَ وَحْيِهِ وَخُزَّانَ عِلْمِهِ . ... وَتَتِمَّةُ البَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَىٰ) ، وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الأَطْهارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) الْأَحْزَاب : ٣٣. (٢) آل عِمْرَان : ٧. (٣) كَالرَّازِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ (٤:٢).