مَعَارِفُ إِلْهِيَّةٌ : (871) ، مَسَائِلُ وَفَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ فِي مَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ / الْمُقَدَّمَةُ / فَوَائِدُ
12/06/2026
الدَّرْسُ (871) / بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّىٰ اللَّهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَىٰ أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . وَصَلَ بِنَا الْبَحْثُ (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) فِي الدَّرْسِ (201) إِلَىٰ مُقَدِّمَةِ (الْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ ، الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ الْإِمَامِيَّةِ ؛ عَقَائِدِ وَمَعَارِفِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) . وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَمِيمِ الْبَحْثِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ تَنْبِيهَاتٍ وَفَوَائِدَ وَقَوَاعِدَ عِلْمِيَّةٍ وَمَعْرِفِيَّةٍ ؛ تَسْهِيلًا لِهَضْمِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْمَطَالِبِ . وَتَقَدَّمَ : أَوَّلًا (74) تَنْبِيهًا ، مِنَ الدَّرْسِ (202 ـ 313) ، وَسَنَذْكُرُ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىٰ) ثَانِيًا مِنَ الدَّرْسِ (314) (1800) فَائِدَةً تَقْرِيبًا . وَلَازَالَ الْكَلَامُ فِي الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ : (قَوَاعِدُ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) . الْبَابُ الثَّالِثُ : (قَوَاعِدُ نَظْمِيَّةٌ فِي الْمَعْرِفَةِ) . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَىٰ) إِلَى الْفَائِدَةِ : (103/ 370) ، وَلَا زَالَ الْبَحْثُ فِيهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُنْوَانِ : [عِبَرٌ بَالِغَةٌ تَسْتَفِيدُهَا البَشَرِيَّةُ مِنْ مَدْرَسَةِ عَالَمِ التَّكْوِينِ] ؛ فَإِنَّه مِمَّا تَقَدَّمَ يَتَّضِحُ : أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النُّظُمِ القَانُونِيَّةِ مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ قِرَاءَةِ عُلَمَاءِ القَانُونِ لِسُلُوكِ المُجْتَمَعِ الحَيَوَانِيِّ فِي الغَابِ ، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ تَعَقُّلِ الدُّوَلِ العُظْمَى فِي تَدْبِيرِ عَلَاقَاتِهَا وَتَفْكِيكِ أَزَمَاتِهَا ـ بِعِيدًا عَنْ خِيَارِ الِاحْتِرَابِ وَالتَّصْفِيَاتِ ـ قَدْ هُدِيَتْ إِلَيْهِ مِنْ نَوَامِيسِ الغَابَةِ ؛ إِذْ أَلْفَوْا فِي تَعَامُلِ كَوَاسِرِ الحَيَوَانَاتِ وَتَنَازُعِهَا عَلَى مَنَاطِقِ النُّفُوذِ : أُصُولًا مَرْعِيَّةً ، وَمَوَازِنَاتِ قُوَى دَقِيقَةً ، بِحَيْثُ لَا يُصَارُ إِلَى المَوَاجَهَةِ السَّاخِنَةِ إِلَّا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ آخِرَ الدَّوَاءِ الكَيُّ . وَكَذَلِكَ أَلْفَى عُلَمَاءُ الإِدَارَةِ ـ مِنْ خِلَالِ رَصْدِهِمْ لِمَمَالِكِ النَّمْلِ الَّتِي يَرْبُو تِعْدَادُهَا عَلَى أَضْعَافِ سُكَّانِ وِلَايَةِ (فْلُورِيدَا) ـ أَنَّهَا إِذَا أَزْمَعَتِ الِانْتِقَالَ وَتَغْيِيرَ مَوْطِنِهَا ، هَيَّأَتْ لِذَلِكَ كُلَّ مَايَضْمَنُ سَلَامَةَ الظَّعْنِ وَيُنَظِّمُهُ ؛ مِنْ مَخَازِنَ لِلأَقْوَاتِ ، وَمُدَبِّرِينَ ، وَحَامِيَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ ، وَأَجْهِزَةٍ لِتَوْجِيهِ المَسِيرِ وَتَنْظِيمِ الحَرَكَةِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْ أُولَئِكَ العُلَمَاءِ إِلَّا أَنِ اسْتَلْهَمُوا مِنْهَا عِبَرًا بَالِغَةً ، وَنُظُمًا فِي عِلْمِ الإِدَارَةِ لَمْ تَعْهَدْهَا البَشَرِيَّةُ مِنْ قَبْلُ . وَثَمَّتَ مَشَاهِدُ وَدَلَائِلُ شَتَّى فِي عَالَمِ الخِلْقَةِ ، اسْتَوْحَى مِنْهَا أَهْلُ الِاخْتِصَاصِ رُؤًى وَمَفَاهِيمَ مُسْتَحْدَثَةً لِقِيَمِ المُسَاوَاةِ ، وَالعَدَالَةِ ، وَالحُرِّيَّةِ . وَوَصَلْنَا (بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى) إِلَى المبحث التَّالِيَ : وَهَٰذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةِ ، مِنْهَا : ١ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ وَجْهُهُ) : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (1). ٢ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ الْمُشْتَهِرِ بِتَوْحِيدِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ: « ... يَا مُفَضَّلُ ، إِنَّ الشُّكَّاكَ جَهِلُوا الْأَسْبَابَ وَالْمَعَانِيَ فِي الْخِلْقَةِ ، وَقَصُرَتْ أَفْهَامُهُمْ عَنْ تَأَمُّلِ الصَّوَابِ وَالْحِكْمَةِ فِيمَا ذَرَأَ الْبَارِي (جَلَّ قُدْسُهُ) وَبَرَأَ مِنْ صُنُوفِ خَلْقِهِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّهْلِ وَالْوَعْرِ ... فَإِنَّهُمْ لَمَّا غَرُبَتْ أَذْهَانُهُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ فِي الْأَشْيَاءِ صَارُوا يَجُولُونَ فِي هَٰذَا الْعَالَمِ حَيَارَىٰ ، وَلَا يَفْهَمُونَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِتْقَانِ خِلْقَتِهِ وَحُسْنِ صَنْعَتِهِ وَصَوَابِ تَهْيِئَتِهِ ، وَرُبَّمَا وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْءِ ؛ لِجَهْلِ سَبَبِهِ وَالْإِرْبِ فِيهِ فَيُسْرِعُ إِلَىٰ ذَمِّهِ وَوَصْفِهِ بِالْإِحَالَةِ وَالْخَطَأِ ... . يَا مُفَضَّلُ ، أَوَّلُ الْعِبَرِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى الْبَارِي (جَلَّ قُدْسُهُ) تَهْيِئَةُ هَٰذَا الْعَالَمِ ، وَتَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَنَظْمُهَا عَلَىٰ مَا هِيَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ ، وَمَيَّزْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ ... وَالْإِنْسَانُ كَالْمُمَلَّكِ ذَٰلِكَ الْبَيْتَ ، وَالْمُخَوَّلِ جَمِيعَ مَا فِيهِ ... . فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ ، فِي خِلْقَةٍ عَجِيبَةٍ جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ ؛ فَإِنَّهُمْ يُوَارُونَ أَنْفُسَهُمْ إِذَا مَاتُوا كَمَا يُوَارِي النَّاسُ مَوْتَاهُمْ ، وَإِلَّا فَأَيْنَ جِيَفُ هَٰذِهِ الْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ وَغَيْرِهَا لَا يُرَىٰ مِنْهَا شَيْءٌ؟ وَلَيْسَتْ قَلِيلَةً فَتَخْتَفِيَ لِقِلَّتِهَا ، بَلْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّهَا أَكْثَرُ مِنَ النَّاسِ لَصَدَقَ ... وَكُلُّهَا لَا يُرَىٰ مِنْهَا شَيْءٌ إِذَا مَاتَتْ إِلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ ؛ يَصِيدُهُ قَانِصٌ ، أَوْ يَفْتَرِسُهُ سَبُعٌ ، فَإِذَا أَحَسُّوا بِالْمَوْتِ كَمَنُوا فِي مَوَاضِعَ خَفِيَّةٍ فَيَمُوتُونَ فِيهَا ، وَلَوْلَا ذَٰلِكَ لَامْتَلَأَتِ الصَّحَارِي مِنْهَا حَتَّىٰ تُفْسِدَ رَائِحَةُ الْهَوَاءِ ، وَيَحْدُثَ الْأَمْرَاضُ وَالْوَبَاءُ . فَانْظُرْ إِلَىٰ هَٰذَا الَّذِي يَخْلُصُ إِلَيْهِ النَّاسُ ، وَعَمِلُوهُ بِالتَّمْثِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي مُثِّلَ لَهُمْ كَيْفَ جُعِلَ طَبْعاً وَادِّكَاراً فِي الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا ؛ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ مَعَرَّةِ مَا يَحْدُثُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْفَسَادِ. فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ ، فِي الْفِطَنِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْبَهَائِمِ لِمَصْلَحَتِهَا بِالطَّبْعِ وَالْخِلْقَةِ لُطْفاً مِنَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) لَهُمْ ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ نِعَمِهِ (جَلَّ وَعَزَّ) أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا بِعَقْلٍ وَرَوِيَّةٍ ... وَلَيْسَ فِي الْخِلْقَةِ شَيْءٌ لَا مَعْنَىٰ لَهُ ... . فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ سَعَةَ حِكْمَةِ الْخَالِقِ وَقِصَرَ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ فَانْظُرْ إِلَىٰ مَا فِي الْبِحَارِ مِنْ ضُرُوبِ السَّمَكِ ، وَدَوَابِّ الْمَاءِ وَالْأَصْدَافِ ، وَالْأَصْنَافِ الَّتِي لَا تُحْصَىٰ وَلَا تُعْرَفُ مَنَافِعُهَا إِلَّا الشَّيْءُ بَعْدَ الشَّيْءِ يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِأَسْبَابٍ تَحْدُثُ ؛ مِثْلِ الْقِرْمِزِ ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا عَرَفَ النَّاسُ صِبْغَتَهُ بِأَنَّ كَلْبَةً تَجُولُ عَلَىٰ شَاطِئِ الْبَحْرِ ، فَوَجَدَتْ شَيْئاً مِنَ الصِّنْفِ الَّذِي يُسَمَّى الْحَلَزُونَ ، فَأَكَلَتْهُ ، فَاخْتَضَبَ خَطْمُهَا بِدَمِهِ ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَىٰ حُسْنِهِ فَاتَّخَذُوهُ صِبْغاً ، وَأَشْبَاهِ هَٰذَا مِمَّا يَقِفُ النَّاسُ عَلَيْهِ حَالاً بَعْدَ حَالٍ ، وَزَمَاناً بَعْدَ زَمَانٍ ... وَهَلْ يَخْفَىٰ عَلَىٰ ذِي لُبٍّ أَنَّ هَٰذَا تَقْدِيرُ مُقَدِّرٍ ، وَصَوَابٌ وَحِكْمَةٌ مِنْ مُقَدِّرٍ حَكِيمٍ ؟ ... » (2). وَدَلَالَتُهُ ـ كَسَبِيلِ مَا تَقَدَّمَهُ ـ وَاضِحَةٌ لَا خَفَاءَ فِيهَا . ... وَتَتِمَّةُ البَحْثِ تَأْتِي (إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَىٰ) ، وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَعَلَىٰ آلِهِ الأَطْهارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الْقَمَر : 49. (2) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 3 : 57 ـ 151